تندلع الحروب بين البشر منذ فجر التاريخ لأسباب عديدة: الموارد والمعتقدات والثأر وفرض النفوذ، وغيرها، في العصر الحديث، أصبح الإعلام – بأدواته ورأسماله – سببًا ولاعبًا رئيسيًّا في صناعة الحروب، وفي تأجيجها واستمرارها.

يتناول هذا التقرير أربع مراحل لصناعة الحرب وتبريرها باستخدام وسائل الإعلام والدعاية حسب بحث أجراه البروفيسور النرويجي «رون أوتوسين»:

مرحلة التمهيد

تشهد تلك المرحلة تركيزًا شديدًا من وسائل الإعلام على تغطية أخبار بلد بعينها بطريقة تثير عاطفة الشعب ليتقبل التدخل العسكري فيها عن طريق المبالغة في وصف الديكتاتورية أو الفقر أو الوحشية والتعذيب الذي تمارسه السلطة أو الاستعمار على المواطنين، أو حتى الفوضى العارمة والتهديد بالتأثير على مصالح الوطن أو أمنه القومي.

يوضح الرسم البياني التالي مقارنة بين تغطية الإعلام الأمريكي لأخبار العراق والسعودية في الفترة بين 1980 و 2007، ونلاحظ أن التغطية الإعلامية للعراق – من حيث الكم – قد ارتفعت بشدة منذ عام 2002 قبل بداية الحرب وحتى غزو العراق في مارس 2003.

1.png (600×347)

 مرحلة التبرير

يتركز الجهد الإعلامي الأكبر في المرحلة الثانية التي يتم فيها إضفاء الشرعية على الحرب والتركيز على مبرراتها الأخلاقية والأمنية والسياسية، سواءً بواسطة اختلاق تهديدات أو المبالغة في تصوير الواقع وخلط الحقيقة بالأكاذيب كما حدث في الحرب الإسبانية الأمريكية عام 1898.

كانت كوبا آنذاك مستعمرة إسبانية يثور أهلها على الوجود الإسباني فيها، والولايات المتحدة الأمريكية كانت لا تزال تتعافى من آثار الحرب الأهلية التي انتهت في عام 1865 وتسعى لفرض نفوذها في المنطقة وتقوية قواتها البحرية.

2.jpg (740×570)

تتسارع الأحداث فتغرق البارجة الأمريكية «ماين» التي أُرسلت لتحمي مصالح أمريكا كوبا في ميناء «هافانا» العاصمة لأسباب غير معلومة بدقة حتى الآن؛ وتنتشر أخبار في الإعلام الأمريكي خُلطت فيها الحقيقة بالفبركة عن مسئولية الإسبان عن غرق البارجة وعن المعاملة الوحشية للجنود الإسبانيين مع أهل كوبا وشعارات عدائية تجاه إسبانيا، وبخاصةً صحيفتي «نيويورك جورنال» و«نيويورك وورلد» اللتين كانتا تدفعان إلى الحرب مع إسبانيا تحت تأثير الارتفاع الهائل لمبيعاتهما والمنافسة في تغطية وفبركة أخبار «الوحشية الإسبانية» وتوجهان الرأي العام الأمريكي إلى المطالبة بإعلان الحرب؛ وبالفعل يُقنِع مساعد رئيس القوات البحرية الأمريكي آنذاك «ثيودور روزفلت» الكونجرس الأمريكي بإعلان الحرب و«تقديم العون» لكوبا.

شهدت الحرب التي أدت إلى مقتل أكثر من ثلاثة آلاف جندي أمريكي و10 آلاف من سكان كوبا ونحو 20 ألف جندي إسباني البداية الحقيقية للممارسة المعروفة «بالصحافة الصفراء» وتأثير الإعلام وأرباحه ورأسماله على قرارات إعلان الحرب واستمرارها.

3.png (1191×355)

 مرحلة التنفيذ

في المرحلة الأولى نشهد ارتفاعًا ملحوظًا في تغطية وسائل الإعلام لأخبار البلد المستهدفة بالحرب من حيث الكم، أما من حيث الكيف فتعمد وسائل الإعلام إلى دعم الحرب وتأجيجها من خلال التركيز على الأصوات المطالبة والداعمة للحرب وعدم تمثيل الأصوات والحجج الرافضة لها.

في الدول السلطوية والديكتاتورية، قد تتم هذه العملية من خلال الرقابة المباشرة لوسائل الإعلام أو مصادرتها، أما في الدول الديمقراطية فتتم تلك المرحلة عبر التمثيل غير المتكافئ لوجهتي النظر المؤيدة والرافضة، وبث الشعارات الرنانة التي تجعل من الحرب مرادفًا للوطنية ومن رفض الحرب مرادفًا للجُبن أو الخيانة.

بالعودة إلى غزو العراق، وبالتركيز في هذه المرحلة على الكيف لا الكم، نجد أن مصادر الأخبار والتحليلات في الإعلام الأمريكي خلال عام الغزو 2003 كانت كالتالي:

مصادر مؤيدة للحرب: 71% مصادر أمريكية – 64% جميع المصادر

مصادر رافضة للحرب: 3% مصادر أمريكية – 10% جميع المصادر

مصادر محايدة: 26% مصادر أمريكية – 26% جميع المصادر

4.png (569×373)

 مرحلة العواقب أو ما بعد الكارثة

بعد أن يمهد الإعلام للحرب، ويركز على مبرراتها الأخلاقية والأمنية والسياسية، ويصادر على الأصوات الرافضة لها، تأتي المرحلة الأخيرة وهي مرحلة العواقب، أو ما بعد الكارثة.

في هذه المرحلة يركز الإعلام على أخبار انتهاء الحرب وعودة السلام والاستقرار وجهود إعادة الإعمار لخلق صورة إيجابية عن الوضع بعد الحرب، ثم يتبع ذلك انخفاضًا حادًّا في تغطية أخبار البلد التي شهدت الحرب حتى لو لم تنكسر حدة الأحداث أو قتلى الحرب أو خسائرها المادية.

ما زلنا مع العراق التي شهدت تغطية إعلامية كثيفة من وسائل الإعلام الأمريكية منذ عام 2002 حتى عام 2007 الذي وصلت نسبة الأخبار المتعلقة بالحرب في العراق إلى 22% من إجمالي الأخبار في أمريكا، وتم التركيز في تلك الفترة على أخبار إعادة الإعمار وعودة الحياة الطبيعية وبداية استقرار مؤسسات الدولة هناك، وتم تدعيم هذا التوجه بعدها بانطلاقة متفائلة للدورة الرئاسية الأولى لأوباما في 2008 ووعوده بانتهاء الحرب وسحب الجنود الأمريكيين من العراق.

انخفضت تلك التغطية بسرعة شديد حتى وصلت إلى 1% فقط في عام 2010، بحسب مركز «بيو» للدراسات.

5.png (583×326)

قد يعتقد البعض أن هذا الانخفاض قد يعود إلى إقرار السلام وعودة الاستقرار إلى العراق، لكن الأرقام لا تسعف هذه الحجة كثيرًا – باستثناء أرقام القتلى الأمريكيين – ثم الانسحاب الكامل في عام 2011.

الإنفاق الأمريكي على العراق

6.png (464×324)

عدد القتلى العراقيين المدنيين بالسيارات المفخخة والعمليات الانتحارية

7.jpg (882×600)

عرض التعليقات
تحميل المزيد