«الحياة ليست عادلة»

من المُرجح أنك تعرف ذلك، وتشعر في كثير من الأحيان بعدم عدالة الظروف التي تحيط بك، علاوة على شعور مستمر بالظلم بفعل بعض الذكريات التي لا زالت تعاودك، مثل تعرضك لخيانة شخصية، أو طفولة مؤلمة، أو اعتداء جسدي، وقد تكون هذه التجربة القاسية التي مررت بها قد تسببت لك في حالة من الألم المزمن.

مع الوقت يتحول هذا الألم إلى حالة من الغضب، والغضب ليس سلوكًا؛ إنه إثارة فسيولوجية تبدأ في الدماغ، وتحدث كاستجابة لاستفزاز بعض الأحداث، فنحن لسنا مولودين بـ«الغضب». بعض الناس أحيانًا يشعرون بالغضب طوال الوقت، حتى أنهم يشعرون بالغضب من أجسادهم ويرون أنها قيود، ويظلون في حالة غضب مستمر؛ مما يؤثر سلبًا على صحتهم، علاوة على حرمانهم من السعادة.

من هنا يأتي الانتقام رغبة في تحقيق العدالة، فيكررون لأنفسهم: «ليس من العدل أن يفلت من تسبب في إيذائنا بفعلته»؛ ولكي يتحقق العدل يجب أن يشعر من آذاهم بتداعيات أفعالهم الظالمة. لكن تخيل فعل الانتقام لا يجعل الألم يختفي، بل في الواقع يجعله يستمر لفترة أطول. فالرغبة في الانتقام تُغذي الغضب والعجز، وتبقيهم دومًا على قيد الحياة، وإذا تمكنوا من الانتقام فقد يُضاف إلى مشاعرهم السلبية بالأساس مشاعر سلبية أخرى، مثل العار والشعور بالذنب؛ مما يجعل العواقب أسوأ بكثير.

يُعاني العديد من الأشخاص من هذه الدائرة المفرغة من المشاعر، وهي: الاعتراف بالظلم، والتحول إلى الغضب، والرغبة في الانتقام، والعار والشعور بالذنب، ثم اليأس في كثير من الأحيان.

مترجم: الغضب «جنون مؤقت».. تعرف على نصائح الفلاسفة للتحكم في الغضب

«جسدك في وضع القتال».. رد الفعل البيولوجي على التعرض للظلم

تعلمنا جميعًا بعض معاني العدالة في الطفولة، وقد أثبت العلماء أننا في الحقيقة نحتاج إلى ذلك. إذ أظهرت الدراسات أن مراكز المكافآت في أدمغتنا تنشط عندما ندرك الإنصاف وتتحقق العدالة. حتى عندما يتعلق الأمر بشخص آخر ولا يكون متعلقًا بنا بشكل مباشر، عندما نُعاين الظلم فإن هذا يُطلق الجزء البدائي من الدماغ الذي يتحكم في الخوف والغضب.

هذا يعني أنه عندما نشعر بأننا قد عوملنا بطريقة غير عادلة، فإن أدمغتنا تذهب بنا تلقائيًا إلى وضع القتال أو الهروب؛ مما يؤدي إلى شعورنا بالقلق. ويرى علماء النفس أنه عندما نقاتل من أجل تحقيق العدالة للآخرين، فإن هذا في الواقع يمثل مصلحة ذاتية لنا؛ فيوفر لنا نوعًا من الامتياز أمام أنفسنا لأننا نصبح مُنصفين.

Embed from Getty Images

لكن على الجانب الآخر فعندما يتعذر الحصول على الإنصاف، يمكن للغضب أن يأكلنا حرفيًا؛ مما ينتج عنه أعراض جسدية، مثل ارتفاع ضغط الدم، ومشاكل الجهاز الهضمي، وأعراض نفسية مثل القلق والاكتئاب، ومشاكل اجتماعية مثل: العنف المنزلي والعنف في مكان العمل.

بغض النظر عن آلية حدوث الأمر بيولوجيًا، فالمؤكد أننا نواجه ردة فعل جسدية وبيولوجية فورية تجاه الظلم المتصوّر، وهذا يمكن أن يحدّ من قدرتنا على التفكير بعقلانية والاستجابة الجيدة بشكل استباقي.

الحياة ليست دائمًا عادلة، كل يوم يكون لدينا فرصة وفيرة لرؤية الظلم حولنا ومعاينته عن قرب على نطاقات كبيرة وصغيرة في حياتنا وحياة الناس الذين نحبهم؛ ما يجعلنا في وضع بيولوجي قلق ومُتربص دومًا.

كيف يمكن السيطرة على مشاعر الغضب والإحساس بالظلم؟

إذا واجهت دورة الظلم، فقد حان الوقت لتجاهل ما يجري في العالم والتأمل في ما يجري داخلك، حقيقة الأمر أن الحياة غير عادلة، وأن هناك ظلمًا في العالم، أمر مفروغ منه ولا يمكن إنكاره، ولكي تتمكن من السيطرة على المشاعر السلبية الناتجة عن التعرض لمشاعر الظلم والغضب يمكنك القيام بما يلي:

1- ارحم نفسك.. الغضب يتغذى عليك

مؤكد أنك تبذل قصارى جهدك وتواجه موقفًا صعبًا، لكن كلما حاولت أن تركز مشاعر الرحمة تجاه نفسك، قلّت مساحات الغضب لديك. فعندما تجد نفسك تفكر في موقف الظلم الذي تعرضت له، ذكر نفسك أنك بهذا التفكير، وتركيز انتباهك على هذا الموقف، تسيء إلى نفسك وتُعرضها لمزيد من الضرر.

الغضب ومشاعر الظلم تُسبب الألم الجسدي أيضًا، فمن الطبيعي أن تجد نسبةً غير قليلة ممن يعانون من الآلام المُزمنة واقعون في أسر تجربة تعرضوا خلالها للظلم، وترتبط مشاعر الغضب والظلم التي لديهم هذه بنتائج طبية أسوأ وألم أكبر.

قد يكون هناك العديد من الأسباب المختلفة التي تجعل هذه العواطف لها تأثير سلبي على الصحة، فالغضب يُسبب زيادة التوتر في الجسم وهذا بدوره يُزيد من الألم، ويرتبط كذلك بزيادة الالتهابات في الجسم؛ ما قد يؤدي إلى تفاقم الألم وتدهور الصحة بشكل عام.

قد تجعلك مشاعر الغضب والظلم تركز على ما هو الخطأ؟ وتفكر مرارًا وتكرارًا فيمن يقع عليه اللوم تحديدًا ومن المُخطئ ومن المُصيب؟ ذكّر نفسك بأن كل هذه الأفكار مثل: السم يسري في عروقك، فهي تُبدد صحتك، وتهدر طاقتك وتجعلك غير قادر على فعل شيء مفيد.

Embed from Getty Images

2- حرر عواطفك من الأسر

مررت بتجربة قاسية ومواقف ظالمة لك؟ هذا أمر قد حدث بالفعل، لا يحتمل اللبس ولا يقبل الشك، لكن أن تجعل هذا الظلم يتسلل إلى داخلك بمشاعر من القهر والغضب والمرارة، فأنت تُزيد الأمر سوءًا. حاول أن تفصل الظروف القاسية التي مررت بها عن مشاعرك وعواطفك، قد يكون الأمر صعبًا، وليس من السهل فعله، لكن عدم القيام به يُعرضك لنتائج أقسى وأصعب.

فمثلًا إذا فقدت وظيفتك ظلمًا لخطأ لم ترتكبه، وجعلك الأمر تأوي داخلك مشاعر كثيرة من الظلم والغضب تجاه الظروف والأشخاص الذين وضعوك في هذا الموقف؛ فكّر قليلًا وستجد أن ما حدث قد حدث، وأن مشاعر الغضب والمرارة التي بداخلك قادرة أن تشلّ قدرتك على الاستمتاع بحياتك، وأن عليك أن تحاول الإفراج عن مشاعر الغضب هذه. إذا تمكنت من فعل هذا فستتمكن من التركيز بشكل أفضل على المستقبل، وما عليك فعله بعد وقوع هذه الأزمة؟وكيف يمكن أن تجعل الموقف يمر بأقل خسائر ممكنة وتجعل الحياة بعده أفضل.

3- توقف عن التفكير في الظلم الواقع.. وتحرك

التعمق في التفكير بالظلم لا يفعل شيئًا لتغييره، بل على العكس يؤثر في قدرتنا على تغيير الظلم إذا كان هناك ما يمكن فعله؛ لأن هوس التفكير يستنزف طاقتنا، ويضخّم عواطفنا ويبقينا أكثر تركيزًا على المشاكل من الحلول. إذا كنت تعاني من هذا، فعليك أن تركز على كيفية إيقاف هذه الأفكار، عليك أن تكرر لنفسك: «هذا ليس مثمرًا، هذا ما هو عليه الأمر الواقع، ويمكنني إما قبوله، أو محاولة تغييره».

قد يكون من المفيد تذكير نفسك بأن هناك الكثير من الأشياء الجيدة التي يقوم بها الناس لجعل العالم مكانًا أفضل، فكثير من الناس يسعون جاهدين لإحداث تغيير للأفضل طوال الوقت، قد تكون أحد هؤلاء الأشخاص، وتبذل قصارى جهدك لمساعدة المحتاجين، واعلم أنك لو اخترت التركيز على مساعدة نفسك كي تصبح شخصًا أكثر سعادة وسلامًا وأكثر قبولًا لتجاربك السيئة والقاسية، فسيكون لذلك تأثير إيجابي على حياتك وعلى الأشخاص من حولك، أكثر مما لو اخترت قضاء حياتك في الشعور بالغضب والقهر والضغينة.

4- حدد ما تستطيع فعله.. وتقبل الأمر

لا يمكننا تغيير المعاملة السيئة التي حدثت في الماضي، يمكننا معالجة سوء المعاملة الذي يحدث الآن، لا يمكننا تغيير قرار أو سلوك شخص آخر إذا لم يكن يرغب في التغيير، يمكننا فقط تغيير طريقة استجابتنا لهم، لا يمكننا تغيير حدوث المآسي، سواء في حياتنا الخاصة، أو في أماكن حول العالم، لكن يمكننا أن ندعم الأسباب التي من شأنها أن تمنع المآسي في المستقبل.

ANGRY

كذلك فإننا لا يمكننا ضمان نتائج محددة لأعمالنا، لكن يمكننا زيادة احتمالات إحداث فرق، من خلال أن نكون واضحين في المهام التي نؤديها، ومتفانين ومتحمسين. ففي بعض الأحيان ستكون هناك أشياء غير عادلة نحتاج ببساطة إلى قبولها، وقد تشعر بالغريزة لمحاربة ذلك، وقد تستسلم لغريزتك تلك، لكن المهم هو أن تحاول تجاوزها، ولا تدع الأشياء التي لا نستطيع السيطرة عليها أن تُعطلنا، وتوقف تقدّمنا، وتجعل حياتنا أسوأ، أو أكثر حزنًا وكآبة.

5- استعن بتقنيات العلاج المختلفة

ابحث عن طرق العلاج التي تُذيب الغضب ومشاعر الظلم، والتي قد تشمل: العلاج السلوكي المعرفي، وقبول الأمر الواقع، والحدّ من الإجهاد النفسي القائم على كثرة التفكير، واستخدام تقنيات التأمل ومحاولة التفكير في مشاعر الحب والرحمة تجاه نفسك وحياتك.

كذلك محاولة الاستفادة من تقنيات الاسترخاء؛ إذ يمكن للاسترخاء أن يتعامل بفاعلية ونجاح مع التضييق الجسدي والعاطفي الذي يحدث عندما نشعر بالغضب أو الظلم، يمكنك استخدام الاسترخاء للحدّ من التوتر الداخلي والعواطف السلبية. وللحصول على جرعة قوية من الاسترخاء ربما يمكنك الاستماع إلى مقطوعة موسيقية هادئة، وإغماض عينيك ومحاولة تخيل الصور الإيجابية، مثل: تخيل نفسك أمام مناظر طبيعية جميلة، أو مع شخص تحبه، لتحييد المشاعر العاطفية السلبية.

6. تجاوز الظلم يحتاج إلى وقت.. تحلّ بالصبر

قد يستغرق الأمر بعض الوقت للسيطرة على المشاعر وتقليل العواطف السلبية، شجع نفسك على التخفف من هذا الحمل كل لحظة، لن تكون الرحلة شاقة من البدء حتى المنتهى، سوف تكون هناك بعض الأيام أسهل من غيرها، يجب أن تتحلى في هذه الرحلة أيضًا بالصبر؟

لا تبق عالقًا في رأسك وحبيسًا لأفكارك، تحرك، افعل شيئًا، مع الوقت ستتمكن من استكشاف جوانب عاطفية أعمق بداخلك، وسيساعدك هذا على مزيد من التحرر من الغضب والظلم.

«الغضب يدفعك لحلّ المشاكل».. 5 تأثيرات إيجابية مثبتة علميًّا تجلبها المشاعر السلبية

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد