أن يصل الزواج لنهايته ويصبح قراركما بعد كثير من الصراع هو الطلاق، وهو أمر صعب على الجميع، ومعه ينشأ واقع جديد يجب التعايش معه، ستختفي من حياتكما بعض المشكلات، لكن أخرى ستظهر وأهمها كيف نواجه الأطفال بالأمر، وكيف سيكون رد فعلهم وتأثير الأمر عليهم، وقدر المعاناة التي يتسبب بها مثل هذا القرار، والتي تفوق معاناة الكبار، إذ يبدو المستقبل أمام الطفل غامضًا ومقلقًا وهو أمر لا يمكننا نحن الكبار تحمّله، فكيف بالأطفال، وبشكل عام فإن المشكلات الأكثر شيوعًا بين الأطفال في حالات الطلاق تكون عاطفية. فحياة الطفل والبيئة التي تمثّل له الأمان تغيرت وهذا يسبب له الحزن، والخوف والغضب أحيانًا، وهذه الانفعالات قد تؤدي لتراجع أدائه الدراسي، أو مشكلات في النوم أو الأكل، وصعوبات في علاقاته الاجتماعية.

الفترة الأكثر تعقيدًا في حياة الأطفال هي العام الأول الذي يلي الطلاق حيث يُعاد تنظيم حياتهم من جديد، وبعد مرور هذا الوقت ينخفض التوتر لديهم ويعودون تدريجيًّا لطبيعتهم.

في هذه الفترة العصيبة، على الوالدين – رغم ما يمران به- تقديم الدعم لأطفالهم، وبذل الوقت والجهد الإضافيين لتمر هذه الفترة في حياة الطفل بسلام، وهنا بعض النصائح التي قدمها خبراء للتعامل مع الأمر، مع تفهّمهم لأن هذا الدعم المطلوب من الوالدين تقديمه يكون في وقت هما في أمس الحاجة للدعم، لكنهم يؤكدون رغم هذا على ضرورة أن يتحمّلا هذا العبء حتى مع افتقادهما للطاقة والقوة، نظرًا لأهمية هذه الفترة في حياة الطفل وللألم الذي تتسبب فيه والفرق الذي تحدثه في نموه، إذ لا يعرف الطفل وسائل الكبار للتغلب على قلقه، كما أنه لا يعرف سوى والديه مصدرًا للأمان.

 الألم الذي تشعر به لا يجب أن ينسيك ألم طفلك واحتياجاته في هذا الوقت.

قواعد ذهبية:-

إذا سمحت الظروف وتمكّن الأبوان رغم الخلاف من التخطيط لحياة الطفل القادمة بشكل مشترك بينهما فسيكون لذلك بالغ الأثر في نموه بشكل سليم، وبشكل عام هناك قواعد ذهبية ينصح بها الخبراء في هذا الصدد لا يجب التخلي عنها:

  • طالما أن الطلاق قرار الكبار، وليس للأطفال أي ذنب فيه، فعلى الكبار أن يخططوا معًا لمصلحة الطفل، وأن يدركوا أنه يتألم مثلهم، لكن الفرق أنه لا يعرف كيف يحل المشكلة، وهذا الكلام  ليس لإثارة الشعور بالذنب، المقصود فقط هو معرفة شعور الطفل جيدًا لكي يمكن تقديم المساندة والدعم المناسبين له.
  • من حق الطفل أن تتكون لديه صورة “نقية” عن الطرف الآخر فهو بطلاقكما لن يصبح لديه أب آخر أو أم أخرى، وليكون نموه سليمًا يجب أن تكون صورة أقرب الأشخاص إليه إيجابية بأكبر قدر ممكن، ويجب أن يتذكّر الأبوان أن الانفصال تم بينهما وليس بين الأبناء وأحد الأبوين، كما أننا جميعًا نحتاج لأن يكون والدينا محل احترام وحتى مثار إعجاب من الآخرين، وبالتالي فالكلام السلبي عن الطرف الآخر سيكون له أثر عكسي.
  • من حق الإخوة أن يعيشوا معًا، ربما فقط بداية من سن المراهقة يمكن الفصل بينهم ودائمًا يجب أن يكون ذلك برغبتهم الخالصة.

كيف ننقل القرار إلى الطفل؟

إبلاغ الطفل بالقرار هو أحد الأمور المهمة التي تشغل الوالدين، وانشغالهما بالأمر مؤشر جيد على حرصهما على إدارة الأمور بأفضل طريقة، وفي هذا الموقف ينصح الخبراء بما يلي:

  • أن يقوم الوالدان معًا بإبلاغ الطفل بالقرار، وأن ينقلا له أنه قرارهما معًا، حتى لو كان أحدهما هو من قرر ذلك، وأن يُقدما للطفل وفقًا لعمره توضيحًا لسبب هذا القرار.
  • أن نتكلم مع الطفل أكثر من مرة بحيث يفهم الأمر تمامًا بصراحة وبطريقة مباشرة وواضحة وفقًا لإدراكه، وأن ندعه يطرح كل أسئلته ومخاوفه ونجيبه بشأنها. ونسمعه جيدًا دون الانشغال بأمر آخر ونتواصل معه جيدًا بالعينين.
  • الحرص في تحديد الكلمات التي ستُقال للطفل وتلك التي نصمت عنها يجب أن يكون مدروسًا، وخلال الحديث يجب تجنب أي إشارة إلى ذنب أو مسؤولية الطرف الآخر عن قرار الطلاق.
  • أن نخبر الطفل أنه ليس له أي ذنب في قرار الانفصال، كما أنه لن يمكنه إعادة الأمور كما كانت، وأن القرار دُرس جيدًا ولا رجوع فيه، وأنه الأفضل للجميع حتى لو شعروا بالألم لكن الأمور ستتحسن.
  • التحدث معه حول التغييرات التي ستطرأ على حياته، بشكل واضح وتفصيلي، مَن مِن الأبوين سيغادر المنزل، وأين سيعيش، وكيف سيكون التواصل معه، ومن الضروري هنا ألا تعد بما لن يمكنك الوفاء به.
  • من المهم أن نكون واقعيين في الحديث مع الطفل وألا نشعره أن القرار سيسبب سعادة بالغة لكل الأطراف فيما بعد، يجب أن نشرح له أن هناك مشكلات ستظهر.

كيف يتأثر الطفل؟

يختلف تأثير الأمر على الطفل وفقًا لطبيعة شخصيته وعلاقته بوالديه ومدة وطبيعة النزاع بينهما، والتغيير الذي سيطرأ على حياته، والمرحلة العمرية التي يمر بها، لكن المشترك بين الأطفال جميعًا وقتها هو الشعور بالفقد، وبداية فسوف تختلف بيئة منزل الطفل إلى حد ما عن بيئات منازل الأطفال الآخرين، وقد أشارت بعض الدراسات إلى أن الأمهات المتزوجات يوفرن للأطفال أجواء محفزة ومعرفية وأكثر اجتماعية عن الأمهات المطلقات، حتى لو كانت الأم تعمل، والشائع أن يكون أثر هذا القرار على الطفل، وردود فعله المحتملة طبقًا للمرحلة العمرية التي يمر بها هو:

الرضع: يتأثرون كثيرًا بالحالة المزاجية لوالديهم لذلك قد يزداد بكاؤهم في تلك الأوقات وينتابهم الضيق.

أطفال ما قبل المدرسة ( 3- 6 سنوات): لا يدركون لماذا سينفصل والداهم، ويلومون أنفسهم على هذا حيث يتكون لديهم اعتقاد بكونهم السبب، وبالتالي يرتفع لديهم مستوى القلق، وأحيانًا تظهر لديهم سلوكيات عدوانية.

في عمر  المدرسة ( 6- 9 سنوات):  ينتابهم الحزن، ويفتقدون الطرف الآخر ( الذي غادر  المنزل) بشدة، ويصاحبهم شعور بالألم ويتنازعهم صراع بين ولائهم للأب وولائهم للأم، ورغم ما قد يبدونه من النضج إلا أنهم في أعماقهم يشعرون بالألم وعدم الأمان.

بداية المراهقة ( 9- 12 عامًا): لا يشعرون بالذنب ويتفهمون أسباب القرار، لكن هذا لا يعني أنهم لا يشعرون بالغضب وباللوم لوالديهم على هذا القرار الذي يُشعرهم بالخجل. وغالبًا ما يتعاطفون مع أحد الوالدين دون الآخر، ويظهرون ضيقهم بالأمر من خلال الشكوى أحيانًا من ألم في الرأس أو البطن.

المراهقون : يظهر بعضهم نضجًا يفوق عمره في تفهّم الصعوبات التي دفعت بوالديه لاتخاذ هذا القرار، ويخفون مشاعرهم وآلامهم الحقيقية، وعلى العكس فإن بعضهم يتجاوب مع الأمر  بأن يصبح أكثر تمردًا وعدوانية.

ما يجب فعله لدعم الطفل:-

  • أن تجد له وقتًا رغم انشغالك بالتغيير الذي يطرأ على حياتك، فهو أيضًا يمر بأزمة وليس هناك من يمكنه مساعدته أكثر منك، بالتواجد معه كثيرًا وممارسة عاداتكما معًا لطمأنته.
  • عبّر له عن حبك، بالكلمات وبالاتصال الجسدي قبّله واحتضنه واربت على كتفه ولا تفترض أنه يعلم كم تحبه، أظهر ذلك له.
  • تجنب التغيير غير الضروري في حياته، وابق على نظام حياته الذي اعتاده دون تغيير كلما أمكن ذلك.
  • رؤية الطرف غير الحاضن للطفل مهمة جدًا، وقد تتسبب عدم رؤيته لمدة أسبوع في مشاعر قلق وغربة ناحيته، لذلك فالزيارات المتعددة وإن قصرت، أفضل من الزيارة الواحدة الطويلة في الأسبوع، لتعوض الطفل عن عدم العيش معه، مع ضرورة أن يقدم عذرًا لطفله إذا لم يتمكن من إتمام إحدى زياراته في الموعد المتوقع لها.

ما لا يجب فعله أبدًا

  • لا تستخدم طفلك لمعرفة أخبار الطرف الآخر، أو في أن يكون وسيطًا بينكما، و لا تطلب منه إبداء الرأي في مشكلة ما، فهذا يخلق صراعًا كبيرًا وبالغ الضرر داخله.
  • لا تلجأ للأطفال للبوح لهم بما في نفسك، فهذا سيشكل عبئًا نفسيًّا عليهم فقط، فهم لن يكون بإمكانهم حل المشكلة، لذلك فالأفضل حين تشعر بالرغبة في مشاركة الحديث مع أحدهم أن تبحث عنه بين الكبار .
  • لا تستخدم الطفل للانتقام من الطرف الآخر بأي صورة، فالمتضرر الأكبر سيكون الطفل، وأيضًا لا تدخل في منافسة مع الطرف الآخر على حب الطفل، ولا تعامله بكثير من الشفقة حتى لا يتكون لديه شعور دائم بأنه ضحية.
  • في هذه المرحلة لا يجب التساهل في القواعد التربوية المتفق عليها بحجة أن الطفل يمر بظروف صعبة، فالأطفال سريعًا ما سيدركون ذلك ويستغلون ضعفك أو ربما شعورك بالذنب، وأنت بالتأكيد لا تود الخروج من هذه المشكلة بطفل لم يتلق التربية المناسبة.

من الضروري أن يكون هناك تواصل بين الوالدين بانتظام لمناقشة القرارات التي تخص الطفل، ومراقبة سلوكه دائمًا، أما إذا حال الخلاف بينهما دون ذلك، أو تعقدت حالة الطفل وزاد سلوكه العدواني فيجب اللجوء إلى متخصص لاستشارته ومتابعة تطور سلوكيات الطفل.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد