تكررت مؤخرًا محاولات انقلاب على السلطة القائمة من ضباط داخل المؤسسة العسكرية في بلدان مختلفة؛ غير أن اللافت للنظر أن معظمها انتهى بالفشل، عقب انكشاف منفذي هذه الحيل، والحيلولة دون مساعيهم، لتنتهي مصائرهم إلى السجن، أو الموت، أو الفرار خارج البلاد. خلال التقرير التالي نستعرض أبرز هذه التجارب، وما وقائع كُل محاولة، والسياقات السياسية التي تتباين بين حالة وأخرى، والأهم ما الوسائل التي اتبعها كُل مسؤول للحيلولة دون وقوع انقلاب عسكري.

فنزويلا.. هكذا قهر مادورو خصومه

وسط محاولات مستميتة من جانب خوان غوايدو (35 عامًا)، رئيس البرلمان الفنزويلي، المدعوم أوروبيًّا وأمريكيًّا، لاستمالة الجيش، عبر منحه امتيازات جديدة في مشاريعه الاقتصادية، مقابل تأييد الانقلاب على نيكولاس مادورو، الرئيس الحالي، فشلت كافة المحاولات، فمع محاولات الدفع بالمؤسسة العسكرية للانقلاب على مادورو، خرج آلاف المتظاهرين، الداعمين لغوايدو، في نقاط مختلفة في البلاد ورفعوا لافتات كتبت عليها «أيتها القوات المسلحة استعيدي كرامتك»، و«أريد أن يرحل مادورو».

الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وسط قادة جيشه

لكن لم ينجذب لهذه الإغراءات سوى 20% من العدد الإجمالي للضباط، من بين نحو نصف مليون مقاتل داخل الجيش، المُهيمن على كافة مُقدرات البلد الاقتصادية، لتنتهي محاولة انقلاب غوايدو بفشل كبير له ولأعوانه من الجيش، ونصر كبير لمادورو؛ خصوصًا بعدما نجح في إحباط هجوم مفترض بطائرة من دون طيار، خلال عرض عسكري في أغسطس (آب)، والذي قال مادورو إنها كانت محاولة لاغتياله.

امتدت آثار إفشال هذه المحاولة إلى الحكم على نحو 13 ضابطًا، تأكد ضلوعهم بوصفهم قادة في تنفيذ المهمة الانقلابية؛ بالسجن والمُحاكمة العسكرية، ومنهم من توفي نتيجة التعذيب كضابط البحرية الكابتن رفايل أكوستا، التي أوضحت وزارة الدفاع، في بيان صادر عنها، أن أكوستا نُقل لمقر محكمة عسكرية في 28 يونيو (حزيران)، لكن بدا عليه الإعياء قبل بدء الجلسة، ما دفع القاضي لإصدار قرار بنقله إلى مستشفى عسكري، قبل أن يتوفى. لوحظ إلى جانب ذلك السرعة الكبيرة في القرارات العقابية بحق كُل مؤيد لمحاولة الانقلاب، إذ رفع الحصانة عن 15 من نواب المعارضة.

سعى مادورو مع وصوله إلى الحُكم لكسب ثقة القطاع الأكبر من العسكر، الفاعل الرئيسي على مدار عقود في البلاد، وهو ما ساعده على تجنب إطاحته، مع تعزيز حضور جنرالات الجيش داخل الكيانات الاقتصادية المهمة، والوزارت الكُبرى، مقابل ترك السلطة له، إذ تقاسما النفوذ معًا بشكل غير مُباشر. يظهر هذا النفوذ في هيمنة العسكريين المُتقاعدين على أهم الوزارات والمناصب المهمة داخل رئاسة الجمهوري، مثل خورخي ماركيز، وهو عقيد متقاعد، يشغل منصب وزير مكتب رئاسة الجمهورية، والجنرال المتقاعد نيستور ريفيرول في منصب وزير الداخلية والعدل، والجنرال فلاديمير بادرينو كوزير للدفاع، والعقيد يلمار كاسترو سوتيلدو وزير الزراعة والأراضي، والجنرال المتقاعد لويس ألبرتو ميدينا وزير النفط والغاز، الجنرال لويس موتا وزير الكهرباء. وينصّ الدستور الفنزويلي على أن «الجيش يلعب دور الحكم في النظام، ولا يخدم فئة أو نظامًا أو شخصًا».

تبع ذلك التزام مادورو بنهج موازٍ لسياسة الجيش الخارجية، وتعزيز علاقات بلاده بحلفاء الجيش، سواء كانت روسيا أم الصين، وتجنب الدخول في أحلاف سياسية مع خصوم المؤسسة كحال الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما كان سببًا رئيسيًّا في دعم الجيش لمادوروا أمام فريق غوايدو المدعوم أوروبيًّا وأمريكيًّا. وتُعد روسيا المموّل الرئيسي لفنزويلا بالأسلحة الثقيلة، والمركبات المدرعة، والطائرات المقاتلة، كما تزودها الصين بطائرات التدريب، والمركبات الخفيفة، ورادارات المراقبة.

لا تلعب بالنار في إثيوبيا

مع اتجاه عقارب الساعة نحو السابعة مساء، مساء السبت 22 يونيو 2019، اقتحمت عناصر مرتدية بزات عسكرية اجتماعًا في عاصمة الولاية بحر دار، يحضره حاكم ولاية أمهرة أمباتشو ميكونين، موجهين طلقات الرصاص تجاه الحاضرين الذين كان من بينهم مستشاره البارز إيزي واسي، الذي لقي مصرعه، والمدعي العام، الذي أصيب بجروح.

لم يكن دافع اقتحام الاجتماع اختلالًا نفسيًّا، كما وقعت بعض الحالات بدول مختلفة، بل كانت محاولة انقلاب خططت لها مجموعة داخل جهاز الأمن الفيدرالي، مدعومة من بعض قادته مثل رئيس الأمن الإقليمي في أمهرة، أسامينو تسيج الذي تعتقد السلطات أنه الرأس المدبر لهذه العملية، وهو الشخص الذي سبق أن سجن عام 2008 بعد اتهامه بمحاولة انقلاب، وحكم عليه بالمؤبد، قبل أن يطلق آبي أحمد، رئيس الوزراء الإثيوبي، سراحه السنة الماضية في عفو رسمي.

تزامنًا مع هذا الهجوم، نفذ أحد أفراد هذه المجموعة الانقلابية، وهو الحارس الشخصي لرئيس هيئة أركان الجيش سيري مكونن، هجومًا في التوقيت ذاته على الأخير أرداه قتيلًا. كانت الخطة تسير نحو إطاحة آبي أحمد من موقعه حاكمًا للبلاد، عبر تدبير انقلاب عسكري، بواسطة الشرطة الفيدرالية، غير أنها لم تكتمل بفضل تحرك سريع من آبي أحمد، وقادة أجهزة نافذة في الدولة نجح رئيس الوزراء الشاب في ترويضها. وينتمي سكان إثيوبيا، الذين تصل أعدادهم نحو 102.5 مليون نسمة، لأكثر من 80 مجموعة عرقية مختلفة.

كانت الوسيلة التي اتبعها آبي أحمد، المنتمي لعرقية الأورومو، منذ صعوده للسلطة في منصب رئيس الوزراء، هي تجنيد ولاءات جديدة داخل صفوف الجيش والمخابرات، وإحلال للنخب الحاكمة في مفاصل الدولة، والسيطرة على الشخصيات القوية في المجموعات العرقية الكثيرة في إثيوبيا، أو كسب ولاء بعضها كحال سيري مكونن، رئيس الأركان السابق، والمنتمي لقومية التيغراي التي سبق وأن استأثرت بالسلطة في البلاد.

النجاح في إفشال الانقلاب لم يكن قاصرًا على التغييرات فقط، بل الاستراتيجية التي اتبعها آبي أحمد في إجرائها؛ فقد أحال خمسة من كبار المسئولين للتقاعد، بينهم رئيس الاستخبارات، وقيادات في الجيش ممن ثبت تورطهم في قمع احتجاجات 2015 لكي لا يبدو الأمر أنه نزاع شخصي. ورقى قيادات جديدة نجح في كسب ولائها، بعضهم من قومية تيغراي، كرئيس الأركان.

ظلت الشرطة الفيدرالية هي الجهة الباقية التي لم يكن قد طالتها التغييرات، والتي ظلت على ولاء ثابت وكامل لقومية التيغراي، ساعية لإنجاز محاولة لإطاحة الرجل، قبل أن تفشل بعدما نجح القادة الجُدد في إحباط المحاولة، والذي كان من بينهم منتمون لتيغراي، نجح آبي أحمد في كسب ولائهم.

من جانبه، يذكر عبد المعين عبد السلام، وهو باحث وصحافي إثيوبي، مُقيم في أديس آبابا، في تصريحات خاصة لـ«ساسة بوست» أن «إفشال المحاولة الانقلابية يرجع لعدة أسباب أولها وأهمها هو نجاح الأجهزة الأمنية الفيدرالية في التحرك سريعًا بعد كشف مخطط الانقلاب، فقد تحركت الشرطة الفيدرالية، وكذلك جهاز الأمن والمخابرات والجيش لإفشال الانقلاب والقضاء عليه، وقد نجحت في ذلك خلال ساعات فقط من انطلاق المحاولة، كما أن التخطيط للانقلاب بدا سيئًا والتوقيت أسوأ، والاستعداد والتنفيذ في غاية السوء».

ويُضيف: «ما حصل وإن كان مفاجئًا في عنفه ودمويته وأسلوبه، إلا أنه كان متوقعًا أن يحدث شيء من هذا القبيل في الإقليم، لأن من يقف خلف العملية هو جنرال معروف بتطرفه القومي، وكانت له سوابق، فقد خطط لمحاولة انقلاببة على رئيس الوزراء الراحل ملس زيناوي، وحكم عليه بالسجن، وكان يقضي عقوبته حتى أطلق سراحه بعد مجيئ أبي أحمد وإصداره قانون العفو العام، وبسبب شعبيته ونكاية في «جبهة تحرير تغراي اختاره الحزب الحاكم للإقليم وحكومته على رأس جهاز أمن الإقليم، وهذا الخطأ الفادح الذي وقعوا فيه.»

ويستطرد: «بعد توليه المنصب بدأ الرجل يوسع نفوذه ويصدر تصريحات تخالف مواقف حزبه، وكان يعبئ شعبه علانية ليستعدوا للحرب مع التغراي، هذه التصريحات الخطيرة والمفاجئة جعلت الحكومة الفيدرالية تسلط عينها عليه، وتكون على حذر منه، حتى أنها أوصت حكومة الإقليم بعزله، وهذا ما لم يحدث خوفًا من ردة الفعل الشعبية؛ فقد بنى الرجل قاعدة لا بأس بها في الإقليم، لذا تحرك الرجل سريعًا قبل الاستعداد والتخطيط الجيد لعلمه أن هناك تحركات لعزله، ولم يكن توقيته جيدًا ليقظة أعين الأجهزة الأمنية وتوقعها صدور فعل كهذا منه».

أخيرًا، يعتقد عبد السلام أنه «في المحصلة من البديهي فشل الانقلاب؛ لأنه يستحيل أن ينجح انقلاب كهذا في إثيوبيا بتركيبتها الإثنية ونظامها الفيدرالي؛ لأن المحاولة وقعت في إقليم واحد، وهو إقليم أمهرة، وهي القومية التي تتوجس منها بقية المكونات الإثيوبية، ولا تتمنى عودة حكمهم وقد جربوه لقرون حتى مجيء النظام الحالي، لا أعلم مخططات الانقلابين كيف كانوا ينوون السيطرة على بقية الأقاليم التي لها قواتها الخاصة وشرطتها، ولا كيف كانوا ينوون التغلب على الجيش الإثيوبي الذي أثبت وطنيته وكفاءته ومهنيته وجاهزيته».

آبي أحمد.. «مانديلا المُسلم» الذي يسعى لجعل إثيوبيا دولة ديمقراطية كبرى

الكل في تركيا يصطف ضد انقلاب «مجلس سلام»

في 15 يوليو (تموز) 2016 كاد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن يفقد سلطته على البلاد، خلال قضائه إجازة له بأحد المنتجعات بعيدًا عن مقر الحُكم، وذلك عبر محاولة انقلاب نفذها مئات العناصر داخل الجيش والأجهزة الأمنية؛ سموا أنفسهم «مجلس سلام»، قبل أن ينجو من المحاولة، مستخدمًا هاتفه المحمول ليُجري مكالمة هاتفية عبر تطبيق «فيس تايم» مع مذيعة على قناة «سي إن إن التركية» دعا فيها المواطنين لمواجهة الانقلاب.

كانت هذه الدعوة عبر الهاتف – الذي وضعه لاحقًا في متحف افتتحه خصيصًا لذكرى محاولة الانقلاب عليه- إحدى وسائل نجاة أردوغان، بعدما تجاوبت قطاعات واسعة من الشعب التركي، الذي نزل بأعداد كبيرة في الميادين دعمًا له، إلى جانب دعم وسائل الإعلام التركية له، وأبرزها مواقف العاملين بقناة «تي أر تي»، الذين حاولوا طرد العناصر الانقلابية التي اقتحمت القناة. ورفض، كذلك، العاملون في قناة «سي إن إن التركية» التعاون مع الانقلابيين؛ إذ أوقفوا البث عندما دخل هؤلاء الجنود إلى غرفة المراقبة في أحد الاستديوهات، كما تعطلت وسائل التواصل الاجتماعي. فيما أتاحت القناة مداخلة لأردوغان مداخلة تليفونية، وأذات فيديو له وهو يظهر داعيًا الأتراك إلى النزول إلى الشوارع لدعم الحكومة والوقوف في وجه انقلاب «مجلس سلام».

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال حضوره إحدى المناسبات الرسمية

هذا التجاوب انعكس كذلك على موقف كافة الأحزاب السياسية بما فيها المُعارضة لحُكم أردوغان، والتي عارضت الانقلاب وسيلة لإطاحة حكم أردوغان، مثل حزب «الشعب» العلماني الذي أكد أن تركيا شهدت في السابق ما يكفي من الانقلابات، ولهذا لم تكن راغبة في «تكرار هذه الصعوبات». ووقف «الحزب القومي التركي» أيضًا خلف الحكومة في مساعيها لإحباط الانقلاب. السبب الآخر الذي انتهى بمحاولة الانقلاب للفشل هو غياب دعم مختلف مكونات القوات المسلحة التركية للانقلاب، خصوصًا أغلب قادة الجيش. يتضح ذلك من قرار رئيس الأركان الجنرال، هولوسي أكار، في عدم المُشاركة بالانقلاب، كما لم يشارك فيه قائد القوات المسلحة في إسطنبول، الذي استلم القيادة عندما كان رئيس الأركان رهينة عند الانقلابيين.

يؤكد ذلك ما قاله فادي هكورة من «معهد تشاتام هاوس» في بريطانيا لـ«بي بي سي عربي» أن الانقلاب لم يكن وفق المعايير الاحترافية، وفشل في استقطاب دعم عسكري واسع.
بينما يُرجع المحلل التركي سنان أولجن، الباحث في مركز «كارنيجي أوروبا» البحثي، فشل محاولة الانقلاب إلى أن أكبر عائق واجههم هو أنهم تصرفوا خارج تسلسل القيادة العسكرية، وبالتالي افتقروا للموارد الكافية للسيطرة على مواقع السلطة الرئيسية.

التاريخ والواقع والمستقبل.. ملف «ساسة بوست» الشامل عن محاولة الانقلاب العسكري في تركيا

المصادر

تحميل المزيد