هل يجد طفلك صعوبة في اتباع توجيهاتك؟ هل ينسى الأشياء والمهام المختلفة؟ هل كلما طلبت منه مهمة متعددة الخطوات يفشل في إتمامها؟ هل يجد صعوبة في تذكر دروسه؟ هل ينسى سريعًا؟ إذا كانت الإجابة: نعم، فأنت أمام طفل يعاني من مشكلات في الذاكرة العاملة، وهذا التقرير موجه لكِ.

في البداية.. ما هي الذاكرة العاملة؟

ما الذي يجعل طفلك يتذكر اسم فيلمه الكرتوني؟ ما الذي يجعله يعرف الطريق إلى غرف المنزل المختلفة أو الأماكن التي يضع فيها ألعابه؟ ما الذي يجعله يخبرك عن حاصل جمع 2 و3 بسهولة؟ في الحقيقة كل هذا وأكثر يرجع إلى الذاكرة العاملة المسؤولة عن الإدراك والانتباه والحفاظ على المعلومات واسترجاعها، وربط المعلومات البصرية المكانية بعضها ببعض؛ فتجعل طفلك قادرًا على المحافظة على اتجاهات تحركه داخل الأماكن المختلفة.

يُعرف ماثيو كروجر، أخصائي علم النفس العصبي في معهد تشايلد مايند بمدينة نيويورك، الذاكرة العاملة بأنها جوهر الوظيفة التنفيذية للمخ والمسئولة عن تخزين ومعالجة المعلومات التي يلتقطها المخ من الحواس المختلفة، الأمر الذي يجعل الطفل قادرًا على إجراء مجموعة من العمليات العقلية المعقدة، من فهم وإدراك وانتباه وتذكر، وقادرًا على إتمام المهام المختلفة الموكلة إليه في الوقت نفسه بانتباه وتركيز دون تشتت.

وكيف تعمل الذاكرة العاملة؟

تتطور الذاكرة العاملة في مرحلة الطفولة المبكرة – الفترة من سنتين إلى خمس سنوات – ومرحلة البلوغ – الفترة من 10 سنوات  إلى 15 سنة –  وتصل إلى أقصى قدرة لها عند سن الثلاثين. تقوم الذاكرة العاملة بمساعدة الطفل على استرجاع المعلومات من الماضى وربطها بالمعلومات الجديدة التي يكتسبها المخ عن طريق ثلاث خطوات: التشفير والتخزين والاسترجاع.

يوضح دكتور رجاء محمود أبو علام في كتابه «سيكولوجية الذاكرة وأساليب معالجتها»، كيف تعمل ذاكرة الطفل، فيشير إلى أن الطفل يلتقط المثيرات البيئية المختلفة حوله عن طريق حواسه الخمس، بالإضافة إلى حواسه الداخلية، ويحفظ هذه المعلومات في الذاكرة قصيرة المدى لمدة 30 ثانية.

يأتي بعد ذلك دور الذاكرة العاملة التي تُشفر المعلومات فتُحول المعلومات البصرية إلى صور والمعلومات الصوتية  إلى أصوات، ثم يجري تخزين المعلومات وربطها بالذاكرة طويلة المدى، والتي تحفظ المعلومات مدى الحياة.

لماذا إذن ينسى الأطفال؟

تتميز الذاكرة العاملة بأنها المسؤولة عن مواصلة الانتباه واتباع التعليمات، إلا أن  المعلومات تظل فيها بشكل مؤقت ما لم يجري تنشيطها، فتسهل عملية فقدانها ونسيانها إذا ما تحول انتباه الطفل لشيء آخر، فتحل الأفكار الجديدة محل الأفكار القديمة، ويصعب على الطفل استكمال خطوات المهمة التي يقوم بها.

تعتمد قدرة الطفل على استرجاع المعلومات التي جرى تشفيرها وتخزينها في الذاكرة العاملة على الطريقة التي تمت بها عمليتا التشفير والتخزين؛ فالمعلومات المترابطة يسهل تذكرها بشكل أسهل وأسرع.

يُفسر هذا تعثر الكثير من الأطفال في إتمام خطوات القسمة المطولة مثلًا بسبب فقدان الذاكرة العاملة لترتيب الخطوات، أو كأن يفشل طفلك في أداء مهمة طويلة مثل أن تطلب منه أن يغسل يديه، ثم يُنهي طعامه، ثم يغسل يديه مرة أخرى، ثم يضع طبقه في حوض المطبخ، ثم يهاتف جدته، ثم ينهي فروضه المدرسية!

لا بد وأن يغفل الطفل خطوة من هذه الخطوات، وذلك ببساطة لأن ذاكرته العاملة غير قادرة على تشفير وتخزين تلك المعلومات في سياق يسهل عليه تذكرها.

لذلك عادة ما نجد أن المعلومات التي تقدم للأطفال في سياق غنائي أو على شكل كلمات منظمة ومرتبة هي المعلومات التي يتذكرها الطفل بسهولة، مثل جمع حروف اللام الشمسية في جملة واحدة، أو أن يجري شرح فصول السنة والشهور والأيام في سياق غنائي.

وضعف الذاكرة العاملة يؤدي إلى صعوبات التعلم

تبدأ الذاكرة العاملة بالتطور في مرحلة الطفولة المبكرة، وكلما أظهر الطفل مهارات عالية في الانتباه والتذكر، كان ذلك علامة على تقدمه في التعلم واكتساب الخبرات؛ إذ يؤدي أي اضطراب في هذه المهارات الأولية إلى ظهور صعوبات التعلم النمائية.

Embed from Getty Images

 يقول دكتور جمال مثقال في كتابه «أساسيات صعوبات التعلم» إن صعوبات التعلم تبدأ في الظهور في مرحلة الطفولة المبكرة على شكل اضطراب في الانتباه والإدراك والتذكر. ويصعب على الطفل في البداية الانتباه إلى المثير المناسب المتعلق بالمعلومات التي يعالجها، خاصة إذا كانت البيئة من حوله مليئة بالمشتتات السمعية واللمسية والبصرية، فلا يستطيع استرجاع المعلومات التي كان يقوم بمعالجتها  ويصعب عليه إنهاء المهمة التي يؤديها  فتظهر مشكلات التذكر!

كأن تشارك طفلك لعبة بسيطة وتطلب منه اتباع الخطوات فتجد أن انتباه الطفل تشتت بسبب كثرة المثيرات من حوله، مثل بُكاء أخيه الصغير فجأة، أو صوت التلفزيون المرتفع، أو بسبب مكالمة هاتفية قطعت لعبكما؛ فيتشتت انتباهه ويصعب عليه استرجاع ما قلته من تعليمات.

لا يرى الأرقام بشكل صحيح ولا يميز أصوات الحروف!

ترتبط صعوبات التعلم بشكل كبير بضعف الذاكرة العاملة، فيُشير دكتور مسعد أبو الديار في كتابه «الذاكرة العاملة وصعوبات التعلم»، إلى أن السبب في ضعف الذاكرة يرجع إلى افتقار الأطفال القدرة على ربط المعلومات الجديدة بالمعلومات القديمة الموجودة داخل الذاكرة طويلة المدى، بالإضافة إلى تدني مهارات تنظيم وتجهيز المعلومات ومراجعتها.

ويضيف أن لديهم ضعفًا شديدًا في استرجاع المعلومات سواء من الذاكرة العاملة أو الذاكرة طويلة المدى، فلا يستطيعون تذكر ما سمعوه قبل ثوانٍ قليلة، فيجدون صعوبة في تذكر شرح المعلم وتذكر شكل الحروف، ولا يستطيعون التمييز بين الأعداد فتظهر صعوبات التعلم الأكاديمية متمثلة في:

 – عُسر القراءة: فيعاني الطفل من صعوبة في تحويل الكلمات إلى أصوات بسبب ضعف الذاكرة العاملة الشفهية.

– عُسر الحساب: إذ يعاني الطفل من صعوبات تعلم في الحساب فلا يستطيع رؤية الأرقام بالشكل الصحيح؛ بسبب ضعف الذاكرة العاملة المرتبطة بالمكون البصرى المكاني، على الرغم من تمتع الطفل بمستوى ذكاء متوسط أو أعلى من المتوسط.

– عُسر في المهارات اللغوية: وذلك بشكل عام، وعدم القدرة على تطويرها بالمعدل الطبيعي.

اخدع عقل طفلك.. الحيلة هي مفتاح اللغز!

إذا ظهرت مشكلات الذاكرة العاملة بشكل واضح على سلوكيات طفلك، فالحل الأمثل هنا هو اللجوء إلى طبيب متخصص لتشخيص الطفل بشكل دقيق، وتحديد ما إذا كان الطفل يحتاج إلى علاج دوائي أم لا، بالإضافة إلى طلب المساعدة من أخصائي تنمية المهارات وإخصائي تعديل السلوك، لكن تظل المساعدة من قبل الأهل هي حجر الأساس في علاج أي صعوبة تواجه الطفل،  وإليك بعض المقترحات التي تساعد طفلك على التذكر:

علوم

منذ 3 شهور
على غير الشائع.. طفلك المصاب بالتلعثم لا يعاني من أي تأخر لغوي!

1- العقل السليم في الجسم السليم حرفيًّا

هناك عوامل كثيرة تؤثر في كيفية عمل الدماغ، منها أسلوب حياة الطفل، فالطفل الذي ينام مبكرًا ويستيقظ مبكرًا، ويتناول طعامًا صحيًّا متوازنًا يتمتع بذهن صافٍ وذاكرة أنشط.

2- بسِّط له المعلومة فيتذكرها سريعًا

يتذكر الطفل بشكل أفضل كلما كان قادرًا على تشفير المعلومات وتخزينها بطريقة تسهل عليه استرجاعها، إلجأ إلى تبسيط المعلومات لطفلك، رددها معه في شكل أغنية، أو اربط المعلومات الجديدة بمعلومات قديمة عند الطفل حتى يسهل عليه تذكرها.

3- قسِّم المهمة ولا تعطه الخطوات مرة واحدة

إذا كنت تريد أن يفعل الطفل مهمة ما تتكون من عدة خطوات، لا تخبره بكل الخطوات مرة واحدة، قسمها على عدة خطوات، أخبره بكل خطوة عندما ينهي التي سبقتها.

4- سجل له خطوات المهمة كما لو كانت كل خطوة حلًّا لجزء من اللغز

عادة ما يعجز الطفل عن إتمام المهام متعددة الخطوات لأنه ينسى الترتيب الصحيح لهذه الخطوات؛ لذا من الأفضل أن تدون له ملاحظات استرشادية بشكل بسيط؛ حتى تساعده على إكمال المهمة، ومن الممكن استخدام التعليمات الصوتية إن كان الطفل يعاني من عُسر القراءة.

Embed from Getty Images

أم تسجل بعض المهام لطفلها

5- تحكم في المشتتات كي تستحوذ على انتباهه

إذا كان طفلك يفقد الانتباه بشكل سريع حاول أن تقلل عناصر التشتت حوله، حاول أن تكون غرفته منظمة لا تحتوي على الكثير من الأثاث والديكورات، تحكم بالإضاءة، عندما تذاكر معه دروسه أو تطلب منه مهمة معينة، لا تنشغل عنه بهاتفك، لا تضع أمامه الكثير من الأدوات مثل الأقلام أو الكتب.

6- علمه بشكل ممتع ليخرج من التعقيد إلى البساطة

كرر على طفلك المحتوى الذي تريد أن يتعلمه بطرق مختلفة، استخدم الصور والمجسمات والألعاب التعليمية والمشاهد الكرتونية والقصص، يساعده التكرار على تنشيط ذاكرته بالإضافة إلى فهم المحتوى بشكل ممتع.

7- التزم بروتين يومي كي تصبح المهام عادات محفوظة

ساعد طفلك على اتباع روتين يومي، خاصة فيما يتعلق بتنظيم غرفته ونظافته الشخصية، مع الوقت تتحول هذه المهام إلى عادات يتقنها الطفل ولا ينساها.

أخيرًا، أخبر طفلك بأنه مميز لكنه يحتاج إلى مساعدة حتى يُظهر هذا التميز، تحدث معه عن مشكلات الذاكرة وصعوبات التعلم، واقترح عليه بعض الحلول السابقة وتعاون معه حتى تصبح هذه المقترحات جزءًا من طريقة اختباره للعالم.

تربية

منذ شهر
متأخرون دراسيًا لكن عباقرة! 5 إستراتيجيات للتعامل مع طفلك الاستثنائي

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد