يمكن القول إن قضية مقتل الصحافي السعودي المعارض جمال خاشقجي وتوابعها هي أكثر ما يشغل بال ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في الوقت الحالي، ليس هو فقط، بل العديد من قادة الدول والمجتمع الدولي، وأيضًا العالم العربي؛ فهي القضية الأبرز الموجودة على الساحة الدولية الآن.

فمنذ اختفائه، وكأنه «فص ملح وذاب» بعد دخوله إلى قنصلية بلاده في مدينة إسطنبول التركية والسيناريوهات مُعقدة، والتفاصيل التي تُكشف يومًا بعد الآخر تؤكد مقتل خاشقجي بأوامر ملكية من قِبل ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، بحسب ما ورد في صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية.

فماذا يمكن أن يحدث لولي العهد السعودي محمد بن سلمان في حال ثبوت تورطه الكامل في جريمة مقتل «خاشقجي»؟ القانون الجنائي الدولي، والقانون الدولي الإنساني يمكنهم الإجابة.

هل يُحاكَم ابن سلمان دوليًا على جريمة مقتل خاشقجي؟

من الناحية النظرية يمكن محاكمة أي شخص في العالم دوليًا بسبب جرائمه. ما هي الوسائل التي يمكن بها محاكمة أي شخص دوليًا؟ الإجابة هي المحكمة الجنائية الدولية، ولكن بدايةً علينا أن نفهم كيف تعمل محكمة الجنائية الدولية واختصاصاتها.

جمال خاشقجي – المصدر: مجلة تايم

المحكمة الجنائية الدولية الواقعة في مدينة لاهاي بهولندا هي محكمة دولية دائمة ومستقلة مختصة في محاكمة المتهمين من الأفراد بثلاث جرائم رئيسة محددة هي: الإبادة العرقية، أو الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب. وتضم هذه الجرائم الثلاث أي انتهاك منظم وممنهج ضد مجموعة من السكان المدنيين، مثل القتل العمد والإبادة والاغتصاب والإبعاد والنقل القسري والتفرقة العنصرية والاسترقاق، أو أي انتهاك لقوانين الحرب في أي نزاع مسلح دولي أو داخلي.

الجدير بالذكر أنه يمكن للمحكمة أن تنظر في قضايا أشخاص متهمين بارتكاب هذه الجرائم مباشرة، أو آخرين لديهم مسؤولية غير مباشرة فيها، كالمسؤولية عن الإعداد أو التخطيط، أو مسؤولية التغطية عنها، أو مسؤولية التشجيع عليها، ولكن تحت أي جريمة تحديدًا يمكن أن تتم محاكمة ابن سلمان بسبب مقتل خاشقجي؟

الإجابة هي احتمالية اتهامه بارتكاب جريمة ضد الإنسانية؛ أي أنه يمكن محاكمته أمام المحكمة الجنائية الدولية؛ ليس فقط لمجرد تورطه في مقتل خاشقجي، وإنما بسبب التخطيط لقتله.

وقد ثار الخلاف أثناء وضع نظام روما الأساسي، وهو النظام والأساس القانوني الذي ترتب عليه تأسيس المحكمة الجنائية الدولية، بعد اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في العاصمة الإيطالية (روما) عام 1998، حول مدى ضرورة توافر شروط اعتبار فعلة مثل ما يمكن أن يتهم فيها ولي العهد السعودي أنها جريمة ضد الإنسانية؛ إذ توجد عدة شروط من أجل اعتبار جريمة ضد الإنسانية، وهي:

  1. جريمة واسعة النطاق أو ممنهجة: أي حدثت لعدد كبير من الناس، أو تم التخطيط لها، حتى لو حدثت لشخصٍ واحدٍ، وهي الحالة التي حدثت لخاشقجي.
  2. جريمة ضد المدنيين: وهو الحال مع خاشقجي أيضًا.
  3. جريمة تتم تبعًا لسياسة دولة أو منظمة: وهو ما ربما تم أيضًا في حالة خاشقجي.
  4. العلم بالهجوم: وهو ما ربما توافر في حالة خاشقجي أيضًا.

وبالعودة مرة أخرى إلى المحكمة، من يمكنه رفع دعوى أمام المحكمة الجنائية الدولية؟ ثلاثة أطراف رئيسة يمكنها رفع دعوى على ولي العهد السعودي كالآتي:

  1. يمكن للدول الأطراف في نظام روما الأساسي، وهو النظام والأساس القانوني الذي ترتب عليه تأسيس المحكمة الجنائية الدولية، بعد اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في العاصمة الإيطالية (روما) عام 1998.
  2. المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية.
  3. مجلس الأمن بالأمم المتحدة.

ولكن الإشكالية هنا هي أن تركيا لم تكن طرفًا في نظام روما، أي أنها ليست طرفًا يعمل مع المحكمة الجنائية الدولية، ولا يمكنها رفع دعوى ضد ابن سلمان، ولكن يمكن لمجلس الأمن الدولي القيام برفع دعوى أمام المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، كما أن المدعي العام للمحكمة نفسه يمكنه التحقيق في القضية، دون رفع دعوى من قِبل مجلس الأمن.

خاشقجي ليس وحيدًا.. تنويريون ومثقفون ودعاة «سحقهم» ابن سلمان بسبب مواقفهم المخالفة

كل الطرق تؤدي إلى لاهاي

قضية قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي كافية لرفع دعوى ضد محمد بن سلمان أمام المحكمة الجنائية الدولية لمحاكمته، ولكنها ليست الوسيلة الوحيدة لتقديمه للمحاكمة.

محمد بن سلمان – المصدر: سي إن إن

ففي الوقت نفسه، يمكن محاكمة ولي العهد السعودي بسبب قيادته للتحالف العربي في اليمن، والذي تسبب في مقتل أكثر من 50 ألف طفل، إمَّا بالغارات الجوية السعودية، أو بالأمراض والمجاعة وسوء الأوضاع الإنسانية التي تسبب فيها التدخل السعودي في اليمن، بالإضافة إلى ما يقرب من 10 آلاف مدني، طبقًا للإحصاءات التي ذكرتها «هيئة إنقاذ الطفولة»، ومنظمة «هيومان رايتس ووتش».

ويتم تصنيف الانتهاكات التي يرتكبها التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن بقيادة المملكة العربية السعودية تحت تهمة «ارتكابه جرائم حرب»، وذلك في النزاع المسلح الدولي بين التحالف العربي بقيادة السعودية ضد جماعة الحوثي، ومن هنا يمكن تقديم محمد بن سلمان للمحاكمة في المحكمة الجنائية الدولية؛ بسبب ضحايا اليمن من ناحية، وبسبب مقتل خاشقجي من ناحية أخرى.

بعيدًا عن «الكليشيهات»: ما الذي تسعى إليه السعودية والإمارات في اليمن بالضبط؟

ما هي العقوبة التي قد يتلقاها ابن سلمان؟

وفي حال تقديمه للمحاكمة، تختلف العقوبات التي قد تحكم بها المحكمة الجنائية الدولية، وذلك بحسب ما ورد في المادة 77 من نظام روما للمحكمة، والتي تتراوح بين السجن لعدد محدد من السنوات لفترة أقصاها 30 سنة، أو السجن المؤبد، حيثما تكون هذه العقوبة مبررة بالخطورة البالغة للجريمة، وبالظروف الخاصة للشخص المدان. كما يمكن للمحكمة فرض غرامة، أو مصادرة العائدات والممتلكات والأصول المتأتية بصورة مباشرة، أو غير مباشرة من تلك الجريمة، دون المساس بحقوق الأطراف الثالثة الحسنة النية.

قد تأخذ المحكمة الجنائية الدولية سنواتٍ في دراسة القضية، قبل أن تصدر أي أحكام. الجدير بالذكر أن أحد أشهر قادة الدول الذين رُفعت عليهم دعاوى أمام المحكمة الجنائية الدولية هو الرئيس السوداني عمر البشير؛ إذ أحال مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الأوضاع في دارفور بالسودان إلى المحكمة في مارس (آذار) 2005، ليبدأ المدعي العام للمحكمة التحقيق في القضية في يونيو (حزيران) من العام نفسه.

عمر البشير – المصدر: تايم

وبعد أكثر من أربع سنوات من دراسة القضية، وتحديدًا في مارس 2009، ويوليو (تمّوز) عام 2010، أصدرت المحكمة أمرين بالقبض على البشير، وذلك بعد اتهامه في خمس جرائم ضد الإنسانية: القتل العمد، والإبادة، والنقل القسري، والتعذيب، والاغتصاب. فضلًا عن اتهامه بجريمتي حرب؛ وذلك بعد ثبوت تعمد الهجوم على السكان المدنيين بصفتهم مدنيين لا يشاركون في الأعمال العدائية مشاركة مباشرة، والنهب، بالإضافة إلى اتهامه بثلاث جرائم إبادة جماعية، وذلك في الفترة الممتدة بين 2003 و2008، إلا أنها لم تستطيع القبض عليه حتى هذه اللحظة!

أصل الحكاية: من ارتكب جرائم أكثر بحق اليمن.. قوات التحالف أم الحوثيون؟ 

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!