ربما هي واحدة من أكبر المشاكل التي تواجه الطلبة والمتعلمين والدارسين بمختلف أعمارهم وأجناسهم، إنه النسيان. من منا لا يحلم بأن تكون له ذاكرة خارقة يمكنها حفظ أي شيء من أول مرة دون نسيان مطلقًا؟ يبدو هذا حلمًا ورديًا رائعًا، وأمنية يتمناها كل شخص حول العالم.

لكن عالم الواقع مختلف كليًا. هنا أنت تحتاج إلى بذل الكثير من الوقت والجهد حتى يمكنك حفظ بعض الصفحات، أو المعادلات، أو الأشكال والصور. أضف إلى هذا أن ما تحفظه الآن ستنساه – كليًا أو جزئيًا – بعد بضعة أيام قادمة. وبالتالي نحن نحتاج إلى معرفة أكبر بطبيعة العقل والذاكرة البشرية حتى يمكننا الوصول إلى أقصر الطرق التي تساعدنا على الحفظ على المدى الطويل.

قام الفيلسوف اليوناني الشهير أرسطو ذات مرة، بمقارنة الذاكرة البشرية بأقراص الشمع التي تصبح مرنة وسائلة وتفقد تماسكها بالحرارة، ولكنها تتحول إلى شيء صلب يصعب التأثير فيه لاحقًا. لفترة طويلة، كانت هذه هي النظرة السائدة لقدرتنا على التعلم، أي عندما نكون صغارًا، فأدمغتنا تكون في حالة تعلُم أولية. ولكن مع تقدمنا ​​في العمر، نجد صعوبة متزايدة في اكتساب مهارات جديدة. بعبارات أكثر بساطة: لا يمكنك تعليم شخص كبير في السن حيلًا جديدة.

التعلم المستمر.. الطريق من أجل حفظ لا ينسى

لكن البحوث الحديثة لم تستسلم لهذا الاعتقاد القديم؛ مما يدل على أن هناك عوامل أخرى تلعب دورًا كبيرًا، مثل ثقة الشخص الأكبر سنًا في قدرته على التعلم. لذا، إذا توقفنا عن التفكير في أن قدرات عقولنا تتآكل في كل دقيقة، فقد نكون قادرين على تعلم شيء ما. وفي اقتصاد المعرفة في عصرنا الحديث، حيث تكون القدرة على اكتساب مهارات جديدة أسرع من أي وقت مضى، فإن هذه أخبار رائعة للطلاب الذين يتنافسون على التفوق والصدارة، وحتى إلى رجال الأعمال الذين يتطلعون إلى جعل أنفسهم وفرقهم أكثر قدرة على المنافسة.

عندما نأخذ كبار الناجحين والمتفوقين حول العالم، مثل المديرين التنفيذيين وعباقرة العلم وغيرهم، نلاحظ أن واحد من أهم ما يميزهم هو فكرة التعلم المستمر. هؤلاء يجعلون أدمغتهم وذاكرتهم في حالة تدريب مستمر. ألا تلاحظ أنك كطالب مثلًا تقل قدرتك على الاستيعاب والحفظ مع بداية العام الدراسي، ثم تزداد تدريجيًا مع مرور الوقت. السبب وراء هذا هو حالة الخمول والكسل العقلي التي تدخل فيها خلال إجازة الصيف. أنت تقول: «إن عقلك أرهق طوال العام»، وبالتالي يجب إراحته طوال أشهر الصيف. هذا خطأ كبير.

نفس الأمر يتكرر بعد التخرج. إذ نلاحظ أنه بعد استلام الوظيفة والتعود على نمط معين في العمل، يصعب على الإنسان العودة للدراسة، وكلما مرت السنوات وجد الشخص صعوبة أكبر في الاستذكار والتعلم. هذا يعود إلى عدم الاستمرار في الدراسة بعد انتهاء الفترة الجامعية ولو بصورة بسيطة، قراءة أحدث المنشورات والأخبار في مجال عملك، قراءة الروايات، الحصول على دورات تدريبية، وغيرها من الوسائل الهامة التي تحافظ على نشاط العقل والذاكرة.

نفس الأمر ينطبق على الطلاب في الإجازة الصيفية، عليك بالمشاركة في الأنشطة الذهنية والتعليمية قدر المستطاع، مثل القراءة المنتظمة، والدورات التدريبية، وحتى التحضير – دون تكلف – للعام الدراسي الجديد. لا تجعل ذاكرتك في حالة سبات أو خمول لفترات طويلة وإلا ستعاني كثيرًا فيما يتعلق بالتحصيل الدراسي. لكن التفاني في التعلم هو مجرد خطوة أولى. هناك بعض التقنيات والخطوات التي تساعدك على الحفظ بشكل أفضل وأقوى.

 

ابدأ بالتكرار المتباعد زمنيًا

التكرار يمثل خطورة مهمة جدًا في أي شيء تريد تعلمه، وليس الحفظ المعلوماتي فقط. سواء كنت تتعلم العزف على البيانو أو تدرس لغة أجنبية جديدة، فإن تكرار اللعب المستمر على مفاتيح البيانو أو مراجعة المفردات اللغوية هو السبيل الوحيد للإتقان. الممارسة المستمرة، أو التكرار، هو ما يصل بك إلى الكمال.

هذه ليست نصيحة من لا شيء، لكن هناك تفسير علمي يوضح السر وراء فائدة التكرار المستمر. عملية التكرار هذه تزيد من مادة «المايلين» myelin، وهي الغلاف الدهني المحيط بالمحاور العصبية التي تربط الخلايا العصبية في الدماغ. وكلما زاد المايلين، زادت سرعة عمل الخلايا العصبية لدينا، وبالتالي تعلمنا أسرع وأفضل وزادت ذاكرتنا.

لكن هناك عامل مهم في هذه العملية، الوقت. ربما تظل تكرر وتراجع مجموعة من المفردات اللغوية خلال جلسة واحدة مدتها ساعة، لكن هذا لا يعني أنك ستحفظها على المدى البعيد كما تتمنى. بل اتضح أن تباعد عمليات التكرار بدلًا عن حشرها في جلسة واحدة، هو أمر أكثر فاعلية بكثير.

يوضح غابرييل واينر، مؤلف كتاب «بطلاقة إلى الأبد: كيف تتعلم أي لغة ولا تنساها أبدًا» أو Fluent Forever: How to Learn Any Language and Never Forget It، قوة عملية التكرار المتباعد: «في غضون أربعة أشهر، وممارسة التمارين لمدة 30 دقيقة يوميًا، يمكنك أن تتوقع أن تتعلم وتحفظ 3600 بطاقة معلومات سريعة بدقة 90 إلى 95%. يمكن أن تعلمك هذه البطاقات التعليمية الأبجدية والمفردات والقواعد وحتى النطق. وهي تفهل هذا دون الشعور بالملل، لأنها دائمًا ما تمثل تحديًا كبيرًا مما يجعلها ممتعة دائمًا».

لاستخدام تقنية التعلم هذه، ابدأ بوضع جدول زمني للدراسة يمكن التحكم فيه. بعد ذلك، عليك اختيار طريقة لتخزين المعلومات وتنظيمها. في السابق كان هذا يعني البطاقات التعليمية، ولكن اليوم لدينا خيارات برمجية سهلة الاستخدام مثل Evernote. ولا تنس أن تختبر نفسك بشكل دوري. تتبع التقدم المحرز الخاص بك سوف يعزز الدافع الخاص بك للمتابعة. هذه التقنية التي يتبعها تطبيق Duolingo الشهير لتعلم اللغات.

اقترب الاختبار ولم تلمس الكُتب بعد؟ 5 نصائح علمية لتتخلص من تسويف المذاكرة

التأمل من أجل حفظ المعلومة.. خذ وقتًا للتفكير

التأمل له قيمة هائلة للتعلم وتحسين الأداء في الوظيفة، فقد وجد باحثون وأكاديميون أن الموظفين الذين أمضوا 15 دقيقة في نهاية اليوم في التفكير في الدروس المستفادة، حققوا أداءً أفضل بنسبة 23% بعد 10 أيام، مقارنة بأولئك الذين لم يفعلوا. التأمل لا يساعدنا فقط على ترسيخ ما تعلمناه بالفعل، بل يساعد التفكير التأملي هذا على إطلاق أفكار جديدة.

هذه الممارسة يمكنك القيام بها خلال التمارين الصباحية أو المشي بعد الغداء، سوف تجد نفسك تتوصل إلى الحل الأمثل لمشكلة كانت مرهقة لك طوال أسابيع. هل عرفت الآن لماذا بعض من أفضل الأفكار يمكن أن تأتي إلى ذهنك خلال الوقت الذي تقضيه في الحمام؟ السر كله في إفراغ الذهن والتفكير التأملي.

أوضح عالم النفس سكوت باري كوفمان، «لا تظهر أفكارنا الأكثر إبداعًا عندما نركز اهتمامنا على المشكلة. تأتي الأفكار العظيمة من خلال التفاعل مع الناس، واكتساب الخبرات وترك عقلك على تواصل دائم». في الواقع، وجد كوفمان أن 72% من الناس يحصلون على أفكار جديدة وقت الاستحمام. «أفكار الاستحمام» كما أطلق عليها، هي نتيجة التفكير والتأمل؛ لأن أدمغتنا تقيم عمليات ربط بين المعلومات التي استهلكناها بالفعل.

هذه الروابط هي التي تساعدك على تثبيت المعلومات التي تحاول حفظها أكثر في دماغك ولفترات طويلة. ربما يكون هذا السبب وراء أهمية فترات الراحة البسيطة بين وجبات الاستذكار وحفظ المعلومات، أو فترات شرب الشاي خلال العمل. وعلى المدى الأطول، فإن هذا يظهر لك أهمية تشجيع الطلاب والموظفين على استخدام أيام عطلتهم للحصول على إجازة حقيقية، حتى يعودون إلى المذاكرة أو المكتب أكثر نشاطًا، غالبًا ما سيكون لديهم نظرة ثاقبة جديدة لما يدرسونه أو يعملون عليه.

من أجل حفظ ثابت.. قم بتبسيط ما تعلمته

ربما سيخبرك بعض المدرسين بهذه النصيحة الذهبية، أن أفضل طريقة لتعلم شيء ما هي شرحه لشخص آخر. وربما تكون أفضل طريقة لأداء هذا الأمر هي تعليم ما درسته لطفل ما أو على الأقل أن تحدد كيف تشرح شيئًا تعلمته للطفل، وكما قال الفيزيائي الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء، ريتشارد فاينمان، ذات مرة: «إذا لم تستطع شرحها بعبارات بسيطة، فلن تفهمها».

إذا حاولت تقسيم مفهوم ما إلى مصطلحات أبسط، فسوف تدرك بسرعة ما إذا كنت تفهمه حقًا أم أنك تمتلك فجوات في المعرفة المتعلقة بما تدرسه. عندما نواجه هذه الثغرات، عليك العودة إلى المادة المصدر، وإعادة تعلم ما هو مفقود.

انقل المعلومات للآخرين

يقول بعض الخبراء: إن إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة الصواريخ الشهيرة «سبيس إكس»، لديه قدرة تعلم غير عادية. من البرمجيات والطاقة إلى النقل والفضاء، يعد هذا الرجل شخص متعدد الاهتمامات، أو خبير في مختلف المجالات، لكن مجموعة المعرفة الواسعة لدى ماسك هي في الواقع جزء لا يتجزأ من قدرته على التعلم، لأن أخذ ما ندرسه في سياق ما والتطبيق في سياق آخر يساعد على تعميق فهمنا لكليهما.

هذه التقنية تسمى «نقل التعلم»، وبناءً على ما ذكره ماسك في مقابلات أجراها خلال السنوات الأخيرة، فإنه يستخدم عملية من خطوتين. أولًا، إنه يحلل المعرفة إلى مبادئها الأساسية، ثم ثانيًا يعيد بناءها في حقل جديد. ربما تشعر أن الأمر صعب لذلك لنحاول تبسيطه بمثال. دعنا نقول إنك تدرس اللغة الإيطالية، ولكنك تريد أيضًا أن تصبح طباخًا أفضل. يمكنك ببساطة أن تأخذ درسًا في الطبخ، أو يمكنك أن تأخذ درسًا في الطبخ باللغة الإيطالية. هذا الحل الأخير سوف يعزز فهمك للغة الإيطالية ويجعلك تقدم أشهى الطباق الإيطالية في نفس الوقت.

عندما تقرأ أو تحاول حفظ دروسك، حاول أن تتخيل كيفية تطبيقها في حياتك الواقعية، وكيف يمكنك الاستفادة منها بالفعل. ربما لا يمكنك تحويل كل أفكارك لواقع، لكن عملية التفكير نفسها تساعدك على تثبيت المعلومات أكثر وأكثر عبر ربطها بأحلام أو تجارب واقعية. فقط ثق بنفسك وسترى أنه يمكنك أن تتعلم بالفعل أمورًا جديدة، وتحفظ بطريقة مختلفة ما كنت تتخيل أنك لا تستطيع إنجازه إلا بشق الأنفس.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد