«الصبرً أجملُ ثوبٍ أنتَ لابسُه لنازلٍ والتعزي أحسنُ السننِ». الضبي بن الدهان الموصلي

لطالما تغنى الشعراء قديمًا وحديثًا بالصبر وعظيم أثره على النفس، ولكنه غدى فضيلة شارفت على الاندثار في عصر الإنترنت، ووسائل التواصل الاجتماعي. وباتت الحركة البطيئة تدفعنا إلى الجنون، وشوهت الوتيرة السريعة للمجتمعات إحساسنا بالتوقيت. نتناول في السطور التالية كيف أخلّت السرعة العالية بتوازننا الداخلي، وأتلفت ساعتنا البيولوجية، وكيف يفسر علماء النفس والوظائف المعرفية أهمية الصبر من الناحية التطورية، وكيف يمكننا استعادة تلك الصفة؟

«متلازمة عدوانية المشاة»

هل تلاحظ خلال سيرك وسط حشد من الناس، أنك تتصرف بطريقة معادية مثل أن تحدق بالأشخاص الذين يسيرون ببطء، وتنظر لهم شذرًا، وتُسرع خُطاك لتتخطاهم، وتُراودك أفكار عنيفة تجاههم؟ إذا كان الأمر كذلك، فأنت على الأغلب تحمل بعض أعراض «متلازمة عدوانية المشاة». 

تجاوز المشاة بطيئي الحركة سريعًا مع امتلاك شعور عدائي تجاههم، أو التصرف بطريقة وقحة مثل الاصطدام بهم وعدم الاعتذار على ذلك، أو التصرف بطريقة معادية مثل التحديق، أو التحرك بشكل أسرع أو أقرب من المتوقع، وعدم الالتزام بآداب المرور، جميعها أعراض تقع ضمن المتلازمة التي طوّر لها ليون جيمس عالم النفس بجامعة هاواي مقياسًا لتحديد درجة الإصابة بها.

يدرس جيمس الغضب الذي يجتاح بعض المشاة سريعي الحركة، عند السير على الرصيف مع أشخاص تتحرك ببطء، وكيف يتصرف هؤلاء المسرعون بفارغ الصبر تجاه أولئك الذين لا يتحركون بسرعة مثلهم. ويصف ما أسماه بـ«غضب الرصيف» أو «غضب المشاة»، بتجربة المشاعر الغاضبة ضد المشاة الآخرين، ومستخدمي الطريق. ويرى أن المزيد من الناس اليوم باتوا يُظهرون مجموعة متنوعة من السلوك الغاضب سواء في الأماكن العامة، مثل الطرق، وأماكن العمل، وحتى على وسائل الاتصال الحديثة.

علاوة على ذلك يرى جيمس أن هذه العادة أصبحت تشكل خطرًا كبيرًا على الصحة العقلية، وبالتالي على صحتنا الجسدية؛ إذ إن تلك المشاعر الداخلية تنفجر في الفضاء المادي في صورة تعبير لفظي عن الانزعاج والاستثناء والعقاب الناتج عن التعصب والرفض، متسببة في الإصابة بالاكتئاب العاطفي، وتفشي الفساد الأخلاقي.

في عصر السرعة: 6 طرق علمية تساعدك على اتخاذ القرار الصحيح

كيف تتسبب وتيرة المجتمعات السريعة في نفاد صبرك؟

السير ببطء على الرصيف، حركة المرور البطيئة، السائقين البطيئين، طوابير الانتظار، الإنترنت البطيء، حتى فتح وتحميل هذه الصفحة قد يكون طويلًا جدًا بالنسبة لك، وغيرها من الأفعال التي تختبر صبرنا، وتسبب لنا حالة من الضيق في العصر الحالي الملقب بعصر السرعة.

تدفعنا الأفعال البطيئة إلى فقدان أعصابنا؛ لأن الوتيرة السريعة للمجتمعات الحديثة شوهت إحساسنا بالتوقيت، وأصبحت الأفعال التي كان يقوم بها أجدادنا في الماضي بلا كلل أو ملل، تدفعنا الآن إلى السأم والضيق. ويبدو أن الوتيرة المتسارعة للمجتمعات الحديثة قد أثرت على أدمغتنا، وأصابت توازننا الداخلي بالخلل؛ إذ تخلق تلك الوتيرة العالية توقعات لا يمكن تحقيقها بالسرعة الكافية، أو تحققها على الإطلاق. وعندما تسير الأمور ببطء أكثر مما نتوقع، يحتال المؤقت الداخلي الخاص بنا محاولًا تمديد فترة الانتظار لحين تحقيق توقعاتنا؛ مما يثير شعورنا بالغضب الناتج عن التأخير.

الأمر يدور في حلقة دورية؛ إذ يتسبب توقع حدوث الأشياء بسرعة في فقدان صبرنا عندما تستغرق وقتا أطول، ونتيجة لذلك نغضب ويجعلنا الغضب نشعر وكأن الوقت يمر ببطء شديد، والأمور تأخذ وقتًا أطول من المعتاد. ومع الوقت تكتسب وتيرة الحياة المزيد من السرعة، ونمتلئ معها بالقدر نفسه من الغضب.

توضح كلوديا هاموند في كتابها لعام 2012 «Time Warped: Unlocking the Mysteries of Time Perception»: «يتغير شعورنا بالوقت لأن تلك الوتيرة المتسارعة تجعل تجاربنا الحياتية مكثفة جدًا؛ مما يجعل كل لحظة نختبرها تحت ضغوط الحياة تبدو جديدة وحية. وتعمل آلية البقاء الفسيولوجية هذه على تضخيم وعينا، وحزم ذكرياتنا، أكثر من المعتاد في فترة زمنية قصيرة، وتنخدع أدمغتنا معتقدة بأنه قد مر وقت أطول».

ويقول مارك ويتمان، عالم النفس بـ«معهد المناطق الحدودية لعلم النفس والصحة العقلية» في فرايبورج – ألمانيا: «يتضح رفضنا للبطء عندما يتعلق الأمر بالتكنولوجيا تحديدًا. كل شيء يسير بطريقة فعالة للغاية في الوقت الحاضر. الأمر الذي يجعلنا أقل، وأقل قدرة على الانتظار بصبر».

على سبيل المثال، نصبر في الوقت الحالي على تحميل صفحات «الويب» خلال ربع ثانية، في حين لم تكن تواجهنا مشكلة في انتظار ثانيتين في عام 2009، وأربع ثوان في عام 2006. واعتبارا من عام 2012، كانت مقاطع الفيديو التي لا يجري تحميلها في خلال ثانيتين تملك أملًا ضئيلًا في تحقيق معدلات عالية من الرواج.

كذلك تفترض ألكسندرا روساتي، عالمة الأنثروبولوجيا التطورية، أن توقع الناس حصولهم على المكافأة بمعدل معين، يخلق لديهم شعورا بالانزعاج عندما لا يحدث ذلك؛ وتصبح النتيجة تكرار دورة العجلة والغضب. فضلًا عن ذلك تؤدي الوتيرة المتسارعة للمجتمع إلى إعادة ضبط توقيتاتنا الداخلية التي تنفجر في كثير من الأحيان استجابة للأشياء البطيئة؛ مما يضعنا في حالة مستمرة من الغضب والاندفاع. ويضيف ويتمان: «بشكل عام إننا نتحول إلى مجتمع أكثر اندفاعًا».

الإرث التطوري.. هل يملك الصبر أية أهمية؟

ترتبط وتيرة الحياة بالثقافة الخاصة بكل مجتمع، ويشير الباحثون أن وتيرة المجتمع المتسارعة تُمزّق صبرنا. في إحدى التجارب اختبر مجموعة من علماء النفس والاقتصاديين مجموعات من البشر والحيوانات فيما إذا كانوا يفضلون أخذ قليل من شيء ما الآن، أم الكثير منه لاحقًا، على سبيل المثال: أخذ 10 دولارات اليوم أم 100 دولار بعد سنة؟ أو أخذ قطعتين من الطعام الآن، مقابل ست قطع بعد 10 ثوان؟

وقد ذهبت أغلبية المجموعات البشرية، وغيرها من الحيوانات إلى اختيار الحصول على المكافأة في الوقت الحالي. وأظهرت تجارب أخرى أيضًا أن تعريض الناس للرموز الخاصة بثقافة العجلة أو نفاد الصبر، مثل شعارات مطاعم الوجبات السريعة مثل أحرف «ماكدونالدز» الذهبية، تزيد من سرعة القراءة لديهم وتفضيلهم على المنتجات الموفرة للوقت، وجعلهم أكثر عرضة لاختيار الحصول على المكافآت الصغيرة الآن بدلًا عن انتظار المكافآت الأكبر في وقت لاحق.

يقول جيمس مور، عالم الأعصاب بجامعة لندن: «إن العلاقة بين الوقت والعاطفة معقدة. وتعتمد الكثير من الأمور على درجة توقعنا؛ فإذا توقعنا أن يستغرق الأمر وقتًا طويلًا، يمكن تقبل ذلك. ونصاب بالإحباط غالبًا عندما يحدث ما يحطم توقعاتنا». وقد يؤثر اندفاع المجتمع في إحساسنا بالتوقيت والعواطف بطريقة أخرى، يرى علماء الأعصاب مثل مور أن الوقت يبدو أنه يمر بشكل أسرع عندما يكون لدينا اتصال مباشر بحدث لاحق، ويصفون هذه التجربة بتجربة الالتزام المؤقت.

على الجانب الآخر، يقول مور: «عندما لا نملك، أو نشعر بأننا لا نملك أي سيطرة على الأحداث من حولنا، يحدث العكس: تتسارع الساعة الداخلية بنا؛ مما يجعلنا نختبر فترات زمنية أطول، لكن كيف تطور لدينا شعور العجلة ونفاد الصبر من الأساس؟ وفيم يفيدنا؟ يخبرنا علماء الإدراك أن الصبر ونفاذ الصبر كان لهما هدف تطوري. لقد شكلا معا حالة من التكامل والتوازن، وهما بمثابة المؤقت الداخلي المضبوط بدقة، الذي يُخبرنا إذا ما كنا ننتظر شيئًا ما لوقت طويل، ويجب علينا تركه والمضي قدمًا. وعندما يرنّ هذا المؤقت، فقد حان الوقت للتوقف عن البحث عن المؤن في رقعة أرض غير منتجة، أو التخلي عن مطاردة فاشلة.

ويقول ويتمان: إن الشعور بنفاد الصبر يعد إرثا تطوريًا، تبلور لدينا وسيلة للبقاء وحفظ النوع؛ إذ تضمن لنا العجلة عدم إفناء حياتنا أو قضاء وقت طويل في القيام بنشاط واحد غير مجز. وبعبارة أخرى: لقد أعطانا التعجل دافعًا للعمل.

كيف تعزز «فضيلة الصبر» في ظل «عصر السرعة»؟

يُنظر إلى الصبر بصورة غير عادلة على أنه فعل سلبي، لكنه يعتمد على قدر كبير من التحكم وضبط النفس، وهذا يتطلب السيطرة المطلقة على أفكار الفرد، وأقواله، وأفعاله. الأمر كله يتعلق بالتركيز على نفسك، بدلًا عن توجيه رغبتك في التحكم بالأمور والآخرين من حولك؛ الأمر الذي يفتح المجال لتطوير مستويات أكبر من التحلي بالصبر. قد يفيدك إدراك قدراتك ومعرفة في ما يمكنك التحكم به، وما لا يمكنك السيطرة عليه مثل آثار الشيخوخة وغيرها من الأمور التي لا يمكننا التحكم فيما تسبب به لنا، ولكن يمكننا التحكم في كيفية الاستجابة لها.

أظهرت الأبحاث أن ممارسة التأمل والتركيز على الحاضر (mindfulness) تساعد في تعزيز الصبر وطاقة الاحتمال، مع أن السبب في ذلك ليس واضحًا تمامًا. وقد يكون من يمارسون التأمل أكثر قدرة على التعامل مع التداعيات العاطفية لنفاد الصبر؛ لأنهم أكثر اعتيادًا عليها. يقول إيثان نيتشيرن، مدرب التأمل ومؤلف كتاب «The Road Home: A Contemporary Exploration of the Buddhist Path»: «يملك الأشخاص الذين يتأملون القدرة على التكيف مع الأجواء غير المريحة. ويعد التأمل تقنية تسمح بمجرد التكيف مع اللحظة الراهنة كما هي، دون محاولة تغيير الوضع».

مع ذلك، يقول ديفيد ديسينتو، عالم النفس بجامعة نورث إيسترن: إن ممارسة التأمل المنتظم ليس شيئًا من المحتمل أن يمارسه الأشخاص الذين يعانون من عدم القدرة على الصبر، ويقترح أن نواجه العاطفة بالعاطفة. وقد وجد ديسينتو في إحدى الدراسات، أن الأشخاص الذين قاموا بتمرين للكتابة القصيرة حول شيء يشعرون بالامتنان له، كانوا أكثر استعدادًا للتنازل عن الحصول على مكافآت أصغر الآن، مقابل الحصول على مكافآت أكبر لاحقًا.

ويضيف ديسينتو أن التعبير عن شعور الامتنان، يعد بمثابة طريق عقلي مختصر للتحلي بمزيد من الصبر، ويقول إن إحصاء الشخص للنعم التي ينعم بها، حتى لو لم يكن لها أي علاقة بالموقف الحالي،  قد يذكرك بقيمة كونك عضوًا في مجتمع إنساني تعاوني، وأهمية ألا تتصرف بحماقة.

«الألم هو الحياة».. كيف تطور وعي البشر بالألم الجسدي عبر التاريخ؟

المصادر

تحميل المزيد