الأمر لا يُشبه ما مرت به بطلة الفيلم العربي «أين عقلي» حينما حاول زوجها دفعها للجنون بغرض الانتقام منها؛ وهذا لأن الأمر عندما يقع على أرض الواقع يكون أكثر بساطة وخطورة أيضًا، وعادة لا يكون بغرض الانتقام، بل في سبيل السيطرة على الطرف الآخر، والإمساك بزمام أمور العلاقة.

يطلق عليه الطب النفسي مصطلح «Gaslighting»: وهو أسلوب تلاعب نفسي يلجأ إليه طرف للسيطرة على طرف آخر عن طريق تضليله فكريًا على مدى طويل؛ حتى يفقد الطرف الواقع تحت تأثير تلك الخدعة النفسية؛ القدرة على التفريق بين الحقيقة والكذب، أو الصواب والخطأ. ومع مرور الوقت يفقد الثقة في ذاته لعدم قدرته على اتخاذ قرارات سليمة بمفرده. ويعتمد كليًا على الشخص الذي تلاعب بعقله؛ ليشعر بالأمان النفسي.

صنفت تلك الطريقة في التعامل مع الآخرين على كونها شكلًا من أشكال الإساءة النرجسية بعدما اتضح للأطباء النفسيين أنه عادة ما يمارس تلك الخدعة العقلية شخص نرجسي يريد السيطرة على الطرف الآخر حتى يتماهى معه ويفقد هويته كليًا، ولذلك فعادة ما يكون ممارس تلك الخدعة غير واعٍ لأفعاله، بينما مرضه النفسي هو ما يحركه.

هل لديك صديق مدمر؟ 5 علامات يخبرك بها علم النفس لتنجو بنفسك!

تلك الخدعة النفسية قد تقابلها في مجال عملك، أو في إطار علاقتك الأسرية، ولكن الأخطر – من وجهة نظر الطب النفسي – هو عندما تواجهها من شريك حياتك الذي تشاركه منزلًا واحدًا. فكيف تعلم أن شريكك العاطفي يدفعك إلى الجنون؟

في هذا التقرير نقدم لك ست علامات تشرح لك الأمر. وربما تظن أن تلك العلامات منتشرة بكثرة في العلاقات العاطفية؛ ولكن هذا لا يقلل من شأنها، بل يزيدها خطورة.

1. اتهامات مبالغ فيها وأحكام مُطلقة

الكذب والمبالغة يشكلان حجر الأساس في بداية تطبيق هذا النوع من التلاعب النفسي، سواء بقصد، أو دون قصد، ويكون الهدف الأساسي وراء كل كذبة هو تصدير صورة ذهنية سيئة عن الشخص الواقع تحت تأثير التلاعب النفسي، دون الاستناد إلى حقائق موضوعية يمكن التحقق منها إذا حاول هذا الشخص الدفاع عن نفسه. وتأتي تلك الاتهامات الكاذبة في جُمل بعينها استطاع علماء النفس حصرها من خلال مراقبة عدة حالات تعرضت للـ«Gaslighting» وأدركته بعد فترة.

«أنت تقول هذا فقط؛ لأنك لا تثق في نفسك»، «لا أحد يصدقك، فلماذا سأصدقك أنا»، «أنت حساس للغاية، والأمر ليس بهذه الأهمية»، «أنت تتخيل تلك الأشياء، أنا لم أفعل أيًّا منها»، «أنت تتعامل بدرامية وهيستيرية دائمة». تلك الجُمل عادة ما يوجهها مستخدم خدعة التلاعب النفسي «Gaslighting» على ضحيته بشكل مستمر. فهل تتردد تلك الاتهامات الآن في ذهنك بصوت شريكك؛ من كثرة استخدامه لها؟

إن قالها لك مرة واحدة على مدار علاقتكم فأنت لست في خطر، ولكن إن كان يستخدم تلك الاتهامات أو اتهامات مشابهة لم تلحظها على نفسك من قبل استخدامًا مستمرًا، فأنت ضحية هذا التلاعب، وينصحك الطب النفسي ألا تصدق شريكك حين يوجه لك تلك الاتهامات، ولا تظهر له أنها جرحتك؛ لأنك لم تصدقها من الأساس؛ فهذا هو سلاحك الفعّال الوحيد.

2. «قلب الطاولة» عند المواجهة

في كتابه «How to Successfully Handle Gaslighters & Stop Psychological Bullying»؛ ذكر أستاذ الطب النفسي بريستون ني، شهادة زوجة تعرضت لهذا النوع من التلاعب النفسي؛ حينما رأت زوجها مع امرأة أخرى في أثناء تواجدها في أحد الطرقات، وانتظرته في المنزل وهي متأكدة أن من رأته هو زوجها في سيارته التي تحفظ كل تفاصيلها جيدًا، ولكن حين عودته للمنزل ومواجهته بالحقيقة أنكر إنكارًا تامًا، وغضب بشدة وكأنه هو الضحية؛ ما جعل زوجته تشك فيما رأته بنفسها.

وتلك الواقعة تأخذنا إلى العلامة الثانية وهي تصعيد الموقف عند المواجهة أو «قلب الطاولة»، وهذا لأن الشخص المُستخدم لحيلة الـ«Gaslighting» عادة ما يكون شخصًا نرجسيًا، قد يفضل إنهاء العلاقة بدلًا عن الاعتراف بخطئه الذي يضعه على كرسي الاتهام. وانتهى الموقف بإقناع الزوجة لنفسها أن ما رأته لم يكن سوى وهم؛ وكان هذا قبل اكتشاف ما تتعرض له من تلاعب نفسي.

3. الاستمرار في اللعبة حتى النهاية

عند الوصول للمرحلة السابقة، يكون الزوج مجرد شخص خائف يريد التهرب من التهمة التي قد تُدمر حياته، وإذا كان شريك الحياة – رجل أو امرأة – تخلص من تهمة الخيانة بالطريقة السابقة لمجرد الفرار من التهمة؛ عادة ما ستعود الحياة بينه وبين شريكة لوضعها الطبيعي، ولكن الشريك مستخدم حيلة الـ«Gaslighting» لن يختار التوقف.

وهذا لأن الطب النفسي قد أكد أن تلك الخدعة لها مراحل، والمرحلة التي تلي تصعيد الموقف، هي مرحلة الاستمرار في الضغط النفسي، وإلا فستجد الضحية وقتًا للتفكير في الأمر، وربما تكتشف حقيقة كذب الطرف الآخر وما يدعيه.

ولذلك فإذا كنت تتعرض لتوبيخ متواصل من شريكك بعد أن واجهته بفعلته التي أثارت غضبك، وكأنك أخطأت في التعبير عن نفسك فاعلم أن هذا التوبيخ، أو التجاهل المتعمد الذي يلي الشجار الذي كنت متأكدًا تمام التأكد من أنك على حق قبل أن تبدأه، هو مجرد ستار على الخدعة النفسية التي أوهمتك بأنك لم تكن على حق.

4. الأمل الكاذب.. هكذا يتلاعب بك شريكك المدمر

ولكن أيضًا المعاملة السيئة لن تستمر طويلًا، فشريكك الذي يحاول تدميرك هو في حاجة لك، وإلا فإن خطته كلها ستبوء بالفشل، وهنا يأتي دور الأمل الكاذب حينما يُظهر هذا الشريك بعض التصرفات اللطيفة، أو يتحدث عن ندمه بخصوص الفترة التي عاملك فيها بسوء، في هذه اللحظة تكون في أضعف حالاتك، بعد أن أصبحت معتمدًا نفسيًا على رضاء هذا الشريك؛ حتى تشعر بالأمان والسعادة.

ولذلك على الرغم من سطحية هذا الاعتذار وعدم تعزيزه بأفعال جذرية؛ ستصدقه، وستقول لنفسك جُمل تشبه: «ربما هو ليس شخصًا سيئًا لهذا الحد»، «لماذا لا أعطي العلاقة فرصة أخرى»، ولكن الطبيب النفسي بريستون ني يحذرك، ويؤكد لك أن هذه مجرد مناورة محسوبة من شريكك؛ بعرض غرس شعور الرضا والراحة حتى يخطط خطوته التالية في تدميرك نفسيًا.

5. يستخدم ما تحبه سلاحًا ضدك

في لحظة ثقة في نفسك قد تشك أنك لست بهذا الضعف، وأن شريكك هو من يوهمك بذلك، وتحاول التمرد عليه، وهُنا تبدأ الحرب النفسية التي عادة ما ينجح فيها شريكك الذي يحاول أن يدفعك للجنون. تؤكد الطبيبة النفسية ستيفاني سركيس في كتابها «Gaslighting: Recognize Manipulative and Emotionally Abusive People-and Break Free» أن لحظة يقظتك تعد بمثابة تهديد لشريكك ولذلك يشعر -/ بوعي أو دون وعي – أن عليه أن يضرب بقوة.

اسأل نفسك: «ما هو أكثر شيء أحبه وأشعر أنه يعبر عن هويتي؟» وعندما تجيب عن هذا السؤال، استعد نفسيًا للحرب التي سيعلنها شريكك على هذا الشيء. على سبيل المثال إذا كانت مهنتك من وجهة نظرك هي هويتك وتحقيقًا لذاتك؛ سيبدأ شريكك في مهاجمة تلك المهنة ومحاولة إظهارها بالمظهر التافه أو عديم الجدوى، حتى يتسلل هذا الشعور بداخلك وتصدق أن مهنتك ليست بهذه الأهمية ولا بتلك الروعة؛ وعليه – تؤكد ستيفاني – تشعر أن كيانك وهويتك ليس لهما أهمية، وتبدأ في نسخ تصرفات شريكك على أمل أن تكون شخصًا لك أهمية مثله.

6. يعزلك عن الآخرين ليتحكم فيك

ممارس حيلة الـ«Gaslighting» لن ينجح في مهمته إذا كان في حياتك أشخاص يحبونك ويحترمونك، وقد ينجح في إبعادك عن أصدقائك، ولكنه قد يفشل في إتمام هذه المهمة مع أسرتك مثل والديك أو أشقائك، أو حتى الأصدقاء اللحوحين أو المدركين لما تمر به من أزمة.

ولكن هذا لن يوقفه؛ فهؤلاء الأشخاص مجرد عقبات في طريقه يجب التخلص منهم، وإن لم يستطع التخلص منه فسيتخلص من دعمهم لك، وهذا عن طريق تدمير هذا الدعم بتدمير صورتك في نظرهم حتى لو كان بالكذب. فإذا كان شريكك يحاول بكل الطرق عزلك عن العالم  الخارجي والآخرين، فاعلم أن  تلك العزلة تمنحهم تحكمًا أكبر فيك.

الطب النفسي يخبرك كيف تتعافى من هذا التلاعب؟

في حالة تأكدك من المرور بتلك المواقف مع شريكك فربما تكون محاولاتك المنفردة للخروج من هذا الشرك غير فعّالة، بسبب تأثير تلك الحيلة القوي والسريع والذي قد يعود بك للصفر إذا كنت تحاول الخروج منه بمفردك، ولذلك فينصح الطب النفسي باللجوء إلى طبيب نفسي متخصص ليتابع خطواتك ويدعمك أثناء المحاربة للخروج من هذا الشرك.

ويؤكد الطبيب النفسي ماثيو زوادزكي أن الانفصال عن الشريك الذي يحاول تدميرك بتلك الطريقة؛ قد يكون أفضل الحلول حتى لو لفترة تعافيك، والتي تتطلب الكثير من الخطوات، والتي لن يسمح شريكك بحدوثها، مثل العودة إلى رؤية أصدقائك والتحدث معهم بصراحة وصدق عما تمر به، والتركيز عما يشعرك بالراحة أثناء تواجدك في المنزل دون التركيز عما قد يغضب شريكك.

وأهم الخطوات التي يجب أن تتبعها – بحسب ماثيو – هو أن تتعاطف مع نفسك، وتمنحها بعض الحق في السعادة والراحة؛ وهذا الأمر إذا نجحت في تحقيقه قد يدفع شريكك للجنون والسقوط في نوبات الغضب؛ ولذلك فيفضل المتابعة مع طبيب نفسي للتخلص من الآثار النفسية السلبية لما تعرضت له، وتجنب التواجد مع هذا الشريك لفترة من الوقت.

«للقلق وجوه كثيرة».. 4 مزايا إيجابية قد تصاحب القلق

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد