الحياة هي ما تحياه في اللحظة الحالية، لكننا في كثير من الأحيان، نترك الحاضر يمر ويفلت من بين أيدينا ونهرب للماضي في استرجاع دائم للذكريات أو التألم من الأحداث الصعبة التي عانينا منها، قد نهدر أيضًا الثواني الثمينة في حياتنا وأحيانًا الساعات في الشعور بالخوف من المستقبل ونعيد التفكير في الماضي.

نادرًا ما نستطيع أن نكون هنا والآن، غالبًا نكون موجودين بأجسادنا فقط، بينما أذهاننا في وقت آخر أو مكان آخر، عندما نكون في العمل، نتخيل أن نكون في إجازة؛ وعندما نكون في إجازة، نصبح في حالة الخوف من المستقبل بشأن العمل الذي يتراكم على مكاتبنا، ما يُشغل أذهاننا وأفكارنا دومًا هو ذكريات تداخلية من الماضي أو الشعور بالخوف من المستقبل؛ مما قد يحدث أو لا يحدث. نحن لا نقدر الحاضر الحي لأن عقولنا -«القردة»، كما يسميها البوذيون- تنتقل من فكرة إلى الأخرى مثل القرود التي تتأرجح من شجرة إلى أخرى. في هذا التقرير نحاول مشاركتك بالطريقة التي قد تمكنك من العيش في اللحظة الراهنة فقط.

ما أهمية العيش في اللحظة الراهنة بعيدًا عن الخوف من المستقبل؟

هناك حكمة بوذية تقول: «لا يكمن سر الصحة للعقل والجسم في الحداد على الماضي، أو الخوف من المستقبل، أو توقع المشكلات، بل العيش في الوقت الحالي بحكمة وجدية». العيش في اللحظة الراهنة له فوائد لا حصر لها، ومن هذه الفوائد التي يُمكنها تعزيز حياتك بشكل أفضل:

1- صحة أفضل

بتقليل التوتر والقلق، يمكنك تجنب العديد من العواقب الصحية المرتبطة بهم، مثل ارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب والسمنة، وقد أظهرت الدراسات أن عيش اللحظة الراهنة يمكن أن يحسن الحالة النفسية ويمنع الكثير من المُشكلات الصحية، فهو يُعزز الأداء المناعي، ويُقلل من الألم المزمن، ويخفض ضغط الدم، ويساعد المرضى على مواجهة السرطان، وذلك من خلال تخفيف التوتر.

فنون

منذ سنتين
فن تبسيط الحياة.. كيف تجد ملجأً من سيطرة المادية على حياتك؟

إن قضاء بضع دقائق يوميًّا في التركيز بنشاط على العيش في الوقت الحالي والابتعاد عن سيناريوهات الخوف من المستقبل يُقلل من خطر الإصابة بأمراض القلب، وقد يبطئ من تطور فيروس نقص المناعة البشرية.

2- أكثر قدرة على تحمل النقد.. تحسين علاقاتك

هل سبق لك أن كنت مع شخص حاضر جسديًّا، لكنه عقليًّا على بعد أميال؟ أن تكون مع أشخاص غير متاحين سوى بأجسادهم هو أمر صعب للغاية، والعلاقات معهم تواجه الكثير من التحديات، ببساطة لأنهم في واقع الأمر غير موجودين.

Embed from Getty Images

عندما يكون الشخص حاضرًا بشكل كامل، يكون الأمر أفضل في التواصل بالطبع، ويمكن إقامة اتصال أعمق معه، ومن خلال العيش في اللحظة الراهنة، يمكنك أن تكون ذلك الشخص الذي يستمتع الآخرون بصحبته، وأن تجعل العلاقات أسهل بكثير.

الأشخاص الذين يعيشون اللحظة الراهنة أكثر سعادة وأكثر نشاطًا وتعاطفًا وأكثر أمانًا؛ فلديهم قدر أعلى من احترام الذات، وهم أكثر قبولًا لنقاط ضعفهم، العيش في اللحظة الراهنة يُقلل من أنواع الاندفاع والتفاعل الزائد التي تكمن وراء الاكتئاب، ومشكلات الشراهة، واضطرابات النوم، ويمكن لهؤلاء الأشخاص أن يسمعوا ردود فعل سلبية دون الشعور بالتهديد، هم يتشاجرون بشكل أقل مع شركائهم الرومانسيين، وهم أكثر استيعابًا وأقل دفاعية.

3- أكثر قدرة على مُمارسة ضبط النفس

عندما تعيش اللحظة الراهنة يكون لديك قدر أكبر من السيطرة على عقلك وجسدك ومشاعرك، تخيل كم ستكون حياتك أفضل لو لم تكن تحت رحمة العقل الذي يتقافز من فكرة إلى الأخرى والعواطف التي لا يمكن التنبؤ بها، إذا تمكنت من فعل هذا ستكون بالطبع في سلام وسعادة أكثر.

لماذا نحن قلقون؟

قبل الإجابة على هذا السؤال، من المهم التمييز بين القلق العابر والقلق المرضي، فعندما نشعر بالقلق إزاء شيء ما، فإننا على الأرجح نتعامل مع مشكلة حقيقية يكون لها حلول واقعية، وسنستطيع تجاوز الأمر بأكمله بمجرد أن نبذل كل ما في وسعنا لمعالجة المشكلة.

من ناحية أخرى، فإن القلق المرضي ينطوي على تفكير غير واقعي، فقد نشعر بالقلق بشأن مشكلة غير موجودة بالفعل، ثم نفكر في جميع الأشياء السيئة التي يمكن أن تحدث نتيجة للمشكلة غير الموجودة من الأساس، بعد ذلك، نشعر بعدم القدرة على التعامل أو التوصل لحل المشكلة، وبالتالي يكون كل ما نفعله هو القلق فقط. بالتأكيد، هناك مشكلات تكون خارجة عن سيطرتنا، مثل المشكلات الصحية الخطيرة أو الاضطرابات المدنية أو الأوضاع الاقتصادية السيئة، وفي مثل هذه الحالات، قد يكون من الصعب تجنب القلق، ولكن ليس مستحيلًا.

من المُسيطر أنت أم أفكارك؟

معظمنا لا يستطيع أن يُسيطر على أفكاره، بل على النقيض فإن أفكاره هي التي تسيطر عليه؛ فالأفكار العادية تمر عبر أذهاننا مثل شلال يصم الآذان، لكن لكي نشعر بقدر أكبر من السيطرة على أذهاننا وحياتنا، ولإيجاد حس التوازن الذي يراوغنا، نحتاج إلى الخروج من هذا التيار، والتوقف.

Embed from Getty Images

العيش في اللحظة الراهنة هو حالة من الاهتمام النشط والمفتوح والمتعمد بالوقت الحاضر، عندما تصبح واعيًا، تدرك أنك لست أفكارك، ولا تتوحد معها بالدرجة التي تُغيبك عن حاضرك، وتصبح مراقبًا لأفكارك من لحظة إلى أخرى دون الحكم عليها، ينطوي العيش في اللحظة الراهنة على أن تكون مع أفكارك كما هي، لا التوحد معها ولا دفعها بعيدًا، فقط مُراقبتها، وهذا يُنشئ لديك إحساس اليقظة والتنبه. تقول إيلين لانجر، عالمة النفس بجامعة هارفارد: «الكل متفق على أنه من المهم العيش في الوقت الحالي، لكن المشكلة هي كيف».

إذًا.. كيف يُمكننا العيش في اللحظة الراهنة؟

من خلال العيش في اللحظة الراهنة، يُمكنك تهدئة عقلك، وتُصبح قادرًا على رؤية أكثر وضوحًا، السبب في أن بعض المشكلات تبدو صعبة للغاية هو أن أذهاننا تتسابق بسرعة بحيث لا يمكننا رؤية الأشياء كما هي بالفعل، لذلك نحن نصنع مجموعة من السيناريوهات المحتملة في أذهاننا، والتي من غير المرجح أن يتحقق أغلبها، ولتجنب تلك الحالة هناك بعض الطرق والنصائح التي تُمكنك من العيش في اللحظة الراهنة دون الخوف من المستقبل، ومنها:

1- لا تفكر فيما تفعله أكثر مما ينبغي

هذه هي المفارقة الأولى لتتمكن من العيش في اللحظة الراهنة، التفكير أكثر مما ينبغي حول ما تفعله في الواقع يجعلك أسوأ، فإذا كنت في موقف ما، مثل: إلقاء خطاب أو تقديم نفسك لشخص غريب، سيجعلك التفكير الزائد تشعر بالقلق. يجب أن تركز بشكل أقل على ما يجري في عقلك، وأكثر على ما يجري حولك، وأقل على الثرثرة العقلية التي تتردد داخلك، وأكثر على نفسك كجزء من شيء ما أكبر، لتتمكن من هذا أنت بحاجة إلى التركيز على أشياء خارج نفسك، مثل الموسيقى أو الأشخاص المحيطين بك.

يوضح مايكل كيرنيس، عالم نفسي في جامعة جورجيا: «عندما يختبر الناس اليقظة والعيش في اللحظة الراهنة، فمن الأرجح أن يختبروا أنفسهم كجزء من الإنسانية، كجزء من عالم أكبر، ولا يكون لإحباطاتهم الشخصية تأثير بالغ السوء فيهم كما يحدث عادةً».

2- لا تدع التفكير في المستقبل يحاصرك

في مذكراتها «طعام، صلاة، حب»، كتبت إليزابيث جيلبرت عن صديقة لها، عندما كانت ترى مكانًا جميلًا، تصرخ في حالة من الذعر، «إنه جميل جدًّا هنا. أريد أن أعود هنا يومًا ما!» تقول جيلبرت: «يتطلب الأمر كل قوتي المقنعة، لمحاولة إقناعها بأنها موجودة بالفعل هنا».

Embed from Getty Images

في كثير من الأحيان، نكون محاصرين في أفكار المستقبل أو الماضي بدرجة تمنعنا عن الاستمتاع بما يحدث الآن، نحن نرتشف القهوة ونفكر، «هذا ليس جيدًا كما كان الأسبوع الماضي». حاول الاسترخاء والاستمتاع بما تفعله في الوقت الحالي، أيًّا ما كانت درجة بساطته، استمتع بتناولك للمعجنات، أو الاستحمام، أو التشمس تحت أشعة الشمس، توضح سونيا ليوبوميرسكي، عالمة نفس في جامعة كاليفورنيا: «أن السعادة عادةً ما تنطوي على تمتع حواسك».

3- تعلم كيفية التركيز على الحلول بدلًا من المشكلات

يميل بعض الأشخاص إلى أن يكونوا أكثر توجهًا نحو الحلول، بينما يميل الآخرون إلى التوجّه نحو المشكلات، بعض العوامل التي قد تحدد ذلك هي الجنس والتربية والتعليم. يميل الأشخاص ذوو التعليم العالي في الأغلب وبحسب الإحصائيات إلى حل المشكلات، هذا ما تدربوا خلال سنوات تعليمهم على فعله، بالإضافة إلى ذلك، فإن وظائفهم ربما تعزز طريقة التفكير هذه، لفعل هذا الأمر، لكن يُمكن تحقيق هذا الأمر من خلال التدريب، مرّن نفسك أن تفكر في حل المشكلات بدلًا من التفكير في المشكلات نفسها، وتخيُّل سيناريوهات الخوف من المستقبل، إذا وجدت نفسك غارقًا في محاور المشكلة وجوانبها، توقف عن التفكير تمامًا وحاول فعل أي شيء آخر يجذب انتباهك.

4- لا تفعل أكثر من شيء في وقت واحد

لا تُعدد المهام، عندما تصب الماء، فقط اسكب الماء، عندما تأكل يكون كل ما عليك هو تناول الطعام، عندما تستحم فقط استحم، لا تحاول أن تقوم ببعض المهام الأخرى أثناء الأكل أو الاستحمام أو أي شيء آخر.

Embed from Getty Images

على الرغم من أن تعدد المهام قد يجعلنا نشعر بمزيد من الإنتاجية، فإن الدراسات تظهر أننا نرتكب المزيد من الأخطاء عند القيام بأكثر من مهمة في وقت واحد، كذلك فإنك لن تستطيع الاحتفاظ بالمعلومات في الذاكرة العاملة. بدلًا من ذلك يجعلنا القيام بمهمة واحدة في وقت واحد نتعمق أكثر في المهمة المطروحة، مما يسمح لنا بالتفكير بشكل خلاق واستخدام مهارات حل المشكلات، وهذا بدوره يمكّننا من الحصول على معنى أكبر من المهمة، فالقيام بنشاط واحد بعمق يؤدي في النهاية إلى شعور أكبر بالإتقان والتميز.

5- تصرف ببطء ووعي

حتى عندما تقوم بمهمة واحدة في كل مرة، لا تتسرع في إنهاء المهمة، بدلًا من ذلك، خذ وقتك، وتحرك ببطء، اجعل تصرفاتك واعية وليست متسرعة وعشوائية. يقول بريتاني بوفارد، وهو طبيب نفسي ومعلم لليوجا مقيم في دنفر عاصمة ولاية كولورادو: «عندما نندفع ونتسرع ولا نأخذ وقتنا، حتى لبضع ثوان، فإننا لا نرى ولا نشعر حقًّا ما نفعله»، التباطؤ يمكن أيضًا أن يُقلل مستويات التوتر، عندما تفعل الأشياء ببطء أكثر، فإنك ستفعلها أكثر اكتمالًا، وبتركيز أكبر.

6- اقض دقائق على الأقل كل يوم لا تفعل شيئًا

اقض دقائق لا تفعل شيئًا خلالها سوى الجلوس في صمت، مع الوعي بأفكارك ومُراقبتها والتركيز على تنفسك، ومُلاحظة العالم من حولك، سيجعلك هذا الأمر تشعر بالارتياح مع الصمت والسكون، ولن يستغرق الأمر أكثر من بضع دقائق فقط. يُمكنك القيام بذلك في الصباح لأنه غالبًا ما يكون الوقت الموثوق الوحيد في اليوم الذي تكون فيه بمفردك وبدون إلهاء، بالإضافة إلى ذلك، إذا حاولت القيام بذلك في الليل، فقد تغفو ببساطة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد