تُشكل الجاليات المسيحية في دول الخليج  إحدى الأقليات الجديدة نسبيا المستوطنة لأراضيها، حيث ارتبط وجودهم في هذه المنطقة ذات الأغلبية الإسلامية بازدهار صناعة النفط  في هذه البلاد مما أدى إلى هجرة ملايين العمال الأجانب إليها، بينهم مئات الآلاف من المسيحيين  من الفيليبين وسريلانكا وجنوب الهند وأمريكا ومصر وكافة دول العالم .

ينتمي المسيحيون في منطقة الخليج إلى مختلف الطوائف، وتتباين أوضاعهم وأنماط علاقاتهم مع السلطات في كل دولة عن الأخرى. خلال السطور التالية، نستعرض بإيجاز أوضاع المسيحيين في دول الخليج، وكيف يزاول معتنقوها الذين يصلون إلى مئات الآلاف شعائرَهم الدينية في هذه البلاد ذوات الأغلبية الإسلامية.

الإمارات .. الحاضنة الأكبر  للكنائس في الخليج

من بين كافة دول الخليج، تُعد  الإمارات العربية المتحدة أكثر دول الخليج التي تضم عددًا من الكنائس على أراضيها، حيث  يصل عدد الكنائس إلى 7  تتوزع على كافة إماراتها في أراضيها الممنوحة من السلطات الإماراتية هبةً لهم.

تزاول الكنائس أنشطتها الدينية داخل الإمارات باعتبارها كيانًا تجاريًّا، إذ تُلزمها الدولة بالحصول على إجازة تجارية لمزاولة نشاطها ككيان معنوي، كما يسري الأمر ذاته على المسؤولين عن الكنائس، الذين تُستخرج لهم تأشيرات دخول البلاد باعتبار كل مسئول عن كنيسة “مديرًا عامًا” .

حسب التقديرات الرسمية، فقد وصل عدد المسيحيين في دولة الإمارات العربية المتحدة إلى حوالي 500 ألف مسيحي، يتركزون في غالبيتهم في أبو ظبي، العين، دبي، الشارقة. يتشكل أغلبهم من الوافدين من الخارج، ومن الطائفة  الكاثوليكية، تليها الإنجيلية، ثم الأنجليكانية والأرثوذوكسية .

يصف كاهن رعية سانت ماري في دبي، الأب توماسيتو؛  الحريات الدينية لممارسة شعائرهم: “حرية الدين موجودة، إلا أنها مختلفة عن الحرية المتوفرة في الدول المسيحية أصلا، إذ أن الأمور ليست بهذه السهولة خارج هذه الدول التي يتحكم فيها أمور كثيرة”.

في السنوات الأخيرة، فرضت السلطات الإماراتية العديد من القيود على تأسيس الكنائس على أراضيها، بسبب تزايد المطالبات ببناء كنائس جديدة لمختلف الطوائف، كما ألزمت كافة المسيحيين على أرضها، بحظر وضع صلبان على ثيابهم أو تعليقها في سياراتهم، كما تحظر السلطات المحلية تداول المنشورات الإنجيلية خارج أماكن العبادة، منعًا من سلوكها طابعًا تبشيريًا، وتشديد العقوبات حيال كُل مُخالف لهذه التعليمات.

بشكل عام، يرى المسيحيون في دولة الإمارات أنهم يتمتعون بقدر كاف من الحرية الدينية. يقول القسيس أندرو تومبسون، راعي الأبرشية الأنجليكانية سانت أندرو في أبو ظبي، واصفًا موقع الكنيسة بأنها “عالمية، إذ أنّ مسيحيين من مختلف الدول يصلّون في مراكز العبادة أو المنازل أو حتى غرف الفنادق”.

الكويت والبحرين.. دولتا الخليج اللتان تضمان مواطنين مسيحيين

تعد دولتا “الكويت” و”البحرين” الاستثناء من بين دول الخليج التي تضم مواطنين مسيحيين، خلافًا للوافدين الأجانب معتنقي الديانة المسيحية الذين  تظهر التقديرات الرسمية أن أعدادهم تصل في البحرين إلى 250 ألفًا من أصل 500 ألف وافد، بينما تصل أعدادهم في الكويت إلى 450 ألف مسيحي.

يتواجد بكلا البلدين أقلية من المواطنين الأصليين من مُعتنقي الديانة المسيحية، والذين تصل أعدادهم في البحرين إلى ألف مواطن يحملون الجنسية البحرينية، و800 مواطن كويتي.

يصل إجمالي عدد الكنائس في الكويت إلى 8 كنائس، أبرزهم كنيسة القلب المقدس، وكنيسة سانت كريستوفر، وكنيسة «سانت ماري»، وتُعد أقدم كنيسة في الخليج هي الكنيسة الإنجيلية الوطنية، في الكويت عام 1932.

في شهر نيسان عام 2010 أطلق الأب أندرو تومبسون من السفارة البريطانية كتاب “الكنيسة المسيحية في الكويت – الحريات الدينية في الخليج”، قال فيه أن الحرية الدينية في الكويت هي مثال حي على الحرية الدينية في الخليج وأن المسيحيين جزء لا يتجزأ من المجتمع، خصوصًا بعد إنشاء السلطات الكويتية مجلس العلاقات المسيحية الإسلامية في الكويت، عام 2009 .

كذلك في سبيل احتواء “البحرين” لمواطنيها المسيحيين، سعت الدولة لدمجهم في عدد من المؤسسات تفاديًا لتحولهم لمصدر قلق لشرعية الأسرة الحاكمة، وإثارة القلاقل كما هو حال الشيعة في البحرين .

يضم مجلس الشورى عضوين من المسيحيين البحرينيين، وهما السيدتان أليس سمعان (من أصل عراقي) وهالة رمزي فايز (من أصل مصري) والدها من مؤسسي وزارة الصحة في البحرين.

 

 السعودية.. حظر الكنائس بسند فقهي

 

يستند رأي السلطات السعودية في حظر تأسيس كنائس على أراضيها إلى سند فقهي وشرعي من المفتي، الذي يُمثل أعلى سلطة دينية في المملكة ويرأس أيضًا المجلس الأعلى للعلماء واللجنة الدائمة للإفتاء.

ففي تعقيب  لمفتي المملكة العربية السعودية، الشيخ عبد العزيز بن عبدالله، أوضح أن الدين الوحيد المسموح به في شبه الجزيرة العربية هو الإسلام، مستندًا في فتاواه إلى تأويلات شرعية ونصوص تراثية تدل على أن الدين الوحيد المسموح به في شبه الجزيرة العربية هو الإسلام.

وحسب الإحصاء الرسمي للفاتيكان لعدد المسيحيين الأجانب في السعودية، فعددهم يصل إلى 4 ملايين متواجدين على أراضي المملكة، الذين تتنوع أعمالهم داخل المملكة لشركات دولية، ويُقدر بأنهم أكبر عدد من العمال الوافدين المسيحيين في دول الخليج.

وسعت الفاتيكان إلى فتح قنوات حوار مع المملكة العربية السعودية لتأسيس عدد من الكنائس، أبرزها كانت جولة الحوار التي جمعت بين الملك عبدالله وبابا الفاتيكان في 2008 ، لكن قوبلت كافة الدعوات التي أطلقها بالرفض المُطلق من جانب المملكة، مكتفين بمنح المسيحيين الأجانب على أراضيها حق ممارسة شعائرهم الدينية في منازلهم.

 

 المسيحيون في قطر.. من العبادة في المدارس إلى الكنائس 

مثَّلَ عامُ 2008 زمنًا فاصلًا في تنظيم أوضاع المسيحيين داخل دولة قطر، فقبل هذا العام تحديدًا، لجأ عشرات الآلاف من المسيحيين إلى العبادة السرية في منازلهم، قبل أن توافق السلطات على بناء أول كنيسة على أراضيها لتمكين المسيحيين الأجانب على أراضيها من مزاولة شعائرهم الدينية، التي وصلت تكلفتها 15 مليون دولار تبرع  الشيخ حمد بن خليفة بالأرض لإقامتها.

يقول الأب توماسيتو الذي خدم 7 سنوات في قطر “قبل تشييد هذه الكنيسة، كنا ننظم القداديس في المدرسة الفيليبينية أو الأميريكية أو حتى في الملاعب بضواحي الدوحة، على غرار المسيحيين الأوائل”.

ويعيش في قطر نحو 200 ألف مقيم مسيحي، بينهم 70 ألف كاثوليكي، ويقدر أتباع الكنيسة الإنجيلية بين 7 إلى 10 آلاف عضو، وافتتحت الكنيسة الكاثوليكية الأولى عام 2008، وتتكون الجالية المسيحية في قطر من خليط متنوع من الفلبينيين والهنود والأوروبيين والفلسطينيين والمصريين والسوريين واللبنانيين والأميركيين.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد