2,527

يقضي البشر كثير من الوقت في محاولات محمومة لمعرفة ما سيجعلهم سعداء، لكنهم لا يقضون ما يكفي في محاولة التشبث بما اكتشفوه، ما يمكن تشبيهه بشخص يسعى ويبذل جهدًا وطاقة لكسب مزيد من المال دون التفكير في ما سيفعله بهذه الأموال التي كسبها بالفعل.الحل هنا أن يكون مفتاح السعادة مثل مفتاح المال؛ فأهم ما في جني المال معرفة طرق استخدامه، بالضبط كما أن مفتاح السعادة ليس فقط في البحث عن فرص جديدة، ولكن تحقيق الاستفادة القصوى من تلك التي حصلت عليها.

وفي الوقت الذي لا تدوم فيه السعادة ومشاعر الإثارة التي تغمرنا عند شراء سيارة جديدة، أو فقدان وزن، أو تناول طعام مميز، أو فرصة سفر، تقفز الأسئلة داخل عقلنا، وسرعان ما تقتل مشاعر القلق سعادتنا من التعامل مع الأمور بعد حدوثها، فكم المبلغ الذي تحتاجه السيارة لعمل صيانة دورية؟ وكم من الأطعمة اللذيذة لن نتناولها بعد اليوم من أجل الحفاظ على هذا الوزن المثالي؟ وهل سيكفي مرتب الشهر لطلب هذا النوع المميز من البيتزا أسبوعيًا؟ ومتى ستمل منها؟ وكل تلك الأسئلة التي تقتل سعادتنا بأشياء كانت لتجعل حياتنا أفضل، ولكن لماذا يحدث هذا؟ وهل هناك سبيل لتداركه؟

لماذا لا يمكننا الحفاظ على مشاعر السعادة لوقت أطول؟

يطلق علماء النفس على هذه الظاهرة اسم «التكيف مع المتعة»، وفيها نغض النظر عن أكثر الأشياء التي تشعرنا بالراحة والسعادة وهي في حوزتنا، ونعود «عاطفيًا» كما كنا قبل امتلاكها، وكأنها لم تحدث. فقد أظهرت إحدى الدراسات أنه في كثير من الأحيان تتساوى مشاعر الفائزين باليانصيب بالخاسرين فيه بعد 18 شهرًا، على الرغم من نشوتهم العارمة الأولى، وقد ظهر في الدراسة أيضًا الاتجاه للعودة بمشاعر السعادة لخط البداية بعد الزواج، ومعه كانت التغيرات في الوظائف والترقيات، وتلك الأشياء التي نتوقع منها عادة أن تجعل حياتنا مفعمة بالسعادة والرفاهية.

هذا «التكيف مع المتع» التي رغبنا فيها بشدة قبل ذلك، يحدث لأسباب ذكرها عالما النفس كينون شيلدون، وسونيا ليوبوميرسكي. فعندما يحدث التغير الإيجابي لأول مرة، عادة ما تحدث توابع إيجابية له، سواء كان ذلك في المنزل، أو في العمل، أو في امتلاكك شيئًا جديدًا، ولكن مع الوقت ستقل هذه التوابع، ومعها الأحداث الإيجابية والتجارب التي تبعتها، حتى أنك قد لا تلاحظها بعد فترة، وتقل هنا مشاعرك الإيجابية بالفخر والسعادة والرفاهية والإثارة.

هناك سبب آخر لضياع السعادة من بين أصابعنا، حتى مع الأحداث الإيجابية التي تستمر معنا، ونراها كل يوم، مثل فقداننا كثيرًا من الوزن؛ ما قد يوفر لنا شعورًا دائمًا بالرضا عند النظر للمرآة، وفرصًا أفضل لحيازة إعجاب الجنس الآخر، فما يحدث بعد ذلك هو أنك تشعر أن الإنجاز الذي حققته في فقدان الوزن هو «الطبيعي»، ويرتفع مستوى طموحك ورغبتك في أن تبدو أفضل، وهو ما أشار له عالم النفس الحائز على جائزة نوبل، دانييل كانيمان، باسم «طاحونة الرضا»، في تفسير لرغبتنا الدائمة بتغيير مساراتنا في الحياة، والارتقاء عما نصل له كل مرة، ليصبح علينا الاستمرار في العمل من أجل الشعور بالرضا مرة أخرى، ونستمر كذلك بلا نهاية.

مترجم: هكذا تحولت فنلندا إلى أسعد دول العالم

كيف يمكننا خداع دواخلنا؟

هناك أمل، يكمن في أنه مازال بمقدورنا جعل سعادتنا أبدية من خلال إبطاء عملية التكيف هذه، وحتى إيقافها تمامًا؛ ففي دراسة جديدة وجد شيلدون وليوبوميريسكي أداتين لمكافحة التكيف، وهما فعالتان في الحفاظ على مكاسبنا من السعادة مع مرور الوقت، وكانتا: التغيير، والتقدير، كنكهتين للحياة، ليس فقط فيما نفعله، بل وكيف نفعله، ومعرفة هذا يمكن أن يساعد العديد من الشركات لتسويق منتجاتها بشكل أفضل، وقبل ذلك سيحقق لنا أقصى قدر من المتعة.

وأيد هذه الرؤية لهذين المعنيين سلسلة من التجارب النفسية والاجتماعية التي وجدت أن استهلاكنا للأشياء بطريقة غير تقليدية يعزز من درجة تمتعنا بها:

التجربة الأولى: لا تتناول الفشار بيديك ثانية

في إحدى التجارب طلب الباحثون من 68 مشاركًا تناول الفيشار، على أن يتناول نصفهم الفشار بالطريقة العادية، على أن يتناولوا حبة واحدة بأيديهم في المرة، في الوقت الذي يتناول فيه النصف الآخر حبة الفشار بأعواد تناول الطعام. كانت نتيجة هذه التجربة أن أولئك الذين تناولوا الفشار مع أعواد تناول الطعام أبدوا استمتاعًا أكبر بكثير من النصف الأول بطريقته العادية، على الرغم من أن المجموعتين تناولوا نفس الكمية، وبنفس السرعة البطيئة لحبة في المرة.

Embed from Getty Images
تم تفسير ذلك بإجابة معروفة لدى علماء النفس، وكانت أن كل شيء يبدو لنا جديدًا يدفعنا للاهتمام به أكثر، وعندما نوليه هذا الاهتمام فإننا نميل إلى الاستمتاع به أكثر من الطبيعي، وهذا ما يدفع الكثير للبحث عن التنوع فيما يستهلكونه، فيشترون أشياء تبهجهم لوقت؛ حتى يعتادوا عليها؛ فيتحولون لشراء أشياء أخرى أملًا في أن تشعرهم بالبهجة ثانية، ولكن المؤسف هنا أن هذه الطريقة مع تكلفتها العالية، إلا أنها لن تصلح مع السيارات والمنازل والوظائف والأزواج، وهنا كانت الإجابة بأنه بدلًا عن استبدال الأشياء، والاستمرار في الشراء والاستبدال، يمكننا فقط محاولة التعامل مع ما اعتدنا عليه بطريقة غير تقليدية.

تفسر هذه التجربة قيمة التغيير في حياتنا، فنحن لا نعتاد على الأحداث الإيجابية طالما تجددت تجاربنا باستمرار، أو أتت بطرق غير متوقعة، وبمعنى آخر عندما تتكرر التجارب الإيجابية بنفس النمط فإننا نعرف بالضبط ما سيحدث، ووقتئذ لن تصيبنا السعادة والإثارة، لذا فمن المرجح أن تؤدي التغيرات الإيجابية التي تحدث لنا بطرق متنوعة ومختلفة لسعادة حقيقية ومستمرة مع كل مرة.

سنكون أكثر سعادة إذا شاركنا رفيق حياتنا تحضير الطعام، أو تغيير ديكورات المنزل بتحريك بعض الأشياء من أماكنها، عن قضاء الوقت في روتين ممل دون تجديد. نفس الأمر مع العمل، فستكون أكثر قبولًا لعملك ورضا عن ما تؤديه إذا كنت قادرًا على التعامل مع المهام والتحديات الجديدة مع مزيد من التنوع في ما تقوم به كل يوم. وبذلك وبأبسط الأدوات يمكنك الاستمتاع بطعامك أو ملابسك القديمة فقط بابتكار طرق جديدة للتعامل مع ما اعتدت عليه.

سيكيولوجية السعادة أو كيف تصبح أقل حزنًا

التجربة الثانية: فن إيلاء الاهتمام للأشياء من حولنا كل لحظة

في تجربة أُجريت على 300 شخص، تم اختبارهم وهو يشربون الماء، حيث طُلب منهم أن يأتوا بطرق غير تقليدية في شرب الماء. اقترح المبحوثون طرقًا غريبة تراوحت بين شرب الماء من زجاجة خمر، أو من كوب حصل عليه أثناء سفره بالطائرة، أو وضعه في إناء ولعقه مثل القطة، حتى أن أحدهم اقترح شرب الماء من مظروف الشحن، ومنهم من اختار طريقتنا العادية لشرب الماء من الزجاجة، وآخر اختار أن يغير طريقته لكل رشفة.

بعد ذلك طلب الباحثون منهم تناول خمس رشفات من الماء بالطريقة التي يختارونها، ثم تقييم استمتاعهم بعد كل مرة، وكانت النتيجة أن الأشخاص الذين يشربون الماء بطريقة مختلفة في كل مرة يستمتعون به أكثر، ولم يتراجع قدر استمتاعهم بمرور الوقت، أو عدد المرات، في حين أن من اختاروا طريقة واحدة واستمروا عليها أبدوا استمتاعًا أقل مع كل رشفة.

Embed from Getty Images

تمثل هذه النتيجة حلًا مدهشًا لظاهرة التشبع، أو انحسار المتعة بالألفة، والتي يمكنك استعادتها بالبحث عن طرق جديدة ومثيرة للاهتمام وللتفاعل مع الأشياء والأشخاص وضمان عدم الشعور بالملل ثانية، ومنها ابتكرت بعض المطاعم طريقة يجلس فيها الزبائن في أركان مظلمة، أو معصوبي الأعين؛ من أجل شعور مختلف بالطعام، وبقيمته، وبالمتعة التي فقدناها باعتيادنا على وجوده وتوفره.

وهنا تأتي قيمة التقدير التي تحدث عنها شيلدون وليوبوميريسكي كأداة ثانية لمكافحة التكيف، حيث يأتي تقديرنا للأشياء من حولنا بالتركيز عليها بدلًا عن اعتبارها أمرًا مفروغًا من وجوده، حتى نتركها تتلاشى في خلفية حياتنا.

فقيمة الانتباه والملاحظة التي نوليها للأشياء من حولنا تأتي عندما نتذوقها أو نلمسها ونستعيد إدراكنا لما تتركه بنا من مشاعر أو أهمية أو امتنان لوجودها، وأننا محظوظون بامتلاكها في هذه اللحظة التي تعز فيه على الآخرين، أو مقارنة بماض طويل عشنا فيه محرومين منها، وقتئذ لن نشعر فقط بالسعادة، بل سنثبت هذا الشعور لأطول وقت في حياتنا.

تلك السعادة التي نتمناها في الحياة البسيطة

إذا كنت تسعى باستمرار لمواكبة الحديث في السوق والشراء بشكل كثيف، فمن المرجح أنك أصبحت مدمنًا على التسوق وتشعر بدرجة أقل من المتعة والسعادة في كل مرة تشتري شيئًا لطالما وددت الحصول عليه. العكس هنا أيضًا صحيح، فإن خفض استهلاكك والعيش بطريقة أكثر بساطة، والتركيز على التجربة والخبرة التي تحصل عليها من الشراء بدلًا عن فعل الشراء، سيؤدي في نهاية المطاف إلى شعورك بسعادة أعمق وحياة أبسط وأسهل.

Embed from Getty Images
نقطة أخرى قد تقف عقبة في طريقك لعيش حياة بسيطة، وتكمن في عدم قدرتك على رؤية ما لديك وما تملكه بالفعل بسبب الفوضى التي تعيش بها، وكثرة ما تقتنيه، والذي تشعر بالتكيف معها بالوقت حتى أنك لا ترى ما لديك، رغم أنك محصن في وجودها، مثل أولئك الذين يكنزون أشياء لا يقدرون قيمتها، لكن يخشون فقدانها علهم يشعرون بوجودها، ويشبه الباحثون هذا بأن الأنف لا تشعر بالروائح الكريهة كلما طالت مدة بقائها في بيئة كريهة الرائحة، أو تأقلم السجناء مع زنازنهم بمرور الوقت، مع الاختلاف بالطبع في السياق، ولكن يبدو أن التعود قادر على قتل المشاعر السلبية والإيجابية معًا.

البحث عن السعادة مجرد وهم.. فالحزن أهم مما تتخيل