كثيرون منا تعرضوا لتجربة الفقد، وتعرضوا للألم الحاد الذي تُسببه هذه التجربة، خاصةً وأننا نقف أمامها مكتوفي الأيدي، لا نجد حيلةً أو فعلًا يُمكننا القيام به للتخلص من الأمر. نجد أنفسنا أمام واقع علينا التعامل معه مهما رفضناه أو لم نستطع تقبله، وكلما كان الفقد لشخص مُقرب، ازداد الألم والإحساس بالعجز، ويكون الأمر تجربةً مؤلمةً للغاية، خاصة إذا كنّا نكن للشخص مشاعر قلبية أو تعلقًا نفسيًا، أو حتى اعتمادًا حياتيًا أو ماديًا.

لكي تتغلب على مشاعر الفقد وتتمكن من مواجهته؛ يجب فهم وإدراك طبيعة المشاعر التي تشعر بها، إذ ربما ستشعر بالذنب ربما على كل شيء سلبي فعلته أو شيء إيجابي لم تفعله تجاه من فقدت. الأمر ليس خاصًا بك، هذا جزء من المشاعر الطبيعية التي ستمر عليك خلال هذه الفترة، فلا تُبالغ في جلد ذاتك، ولتعلم أن الأمر لا يتجاوز كونه شعورًا إنسانيًا طبيعيًا، ويستجيب الجميع بشكل مختلف للتعامل مع ألم الفقد، وأن كل ما عليك فعله خلال هذه المرحلة أن تكون لطيفًا مع نفسك وتعرف أنك ستستيقظ ذات يوم وستجد أن الألم قد قلّ، وأن الحياة يمكن أن تستمر.

الكثير يلجأون في هذه الفترة للصمت والانغلاق، لكن يُعدّ هذا الأمر سلبيًا؛ إذ يجب عليهم التحدث، حتى وإن بدا الحديث بلا أية فائدة تُذكر، فبمجرد سماع نفسك تتكلم سيُساعدك في إدراك الواقع، ومحاولة التعامل معه.

ربما تبدو زيارة المقابر أمرًا غير صحي بالنسبة للكثيرين، لكنه في حالات أخرى يُساعد على الشعور بالإرتياح، وأنه بإمكانك على أية حال زيارة الفقيد حتى وإن لم تره أو تلمسه. السطور التالية تستعرض الخطوات النفسية الصحيحة والصحيّة للتعامل مع تجربة الفقد، ومن ثم كيفية التعامل معها.

مترجم: لماذا نفتقد الأشخاص والأشياء؟ الأمر لا يتعلق بالحب فقط

1. أطلق لمشاعرك العنان!

التعامل مع فقدان أحد أفراد الأسرة، أو أحد المُقربين، يُثير كل المشاعر التي يمكن تخيلها تقريبًا، هناك الكثير والكثير من العواطف والمشاعر التي تظهر خلال هذه المرحلة، وقد تشعر كما لو أنك أُصبت بالجنون، ربما يُطمئنك ولو قليلًا أن تعرف أنه من الطبيعي أن تشعر بكل هذا، وأن كل مشاعرك على تعددها واختلافها؛ طبيعية أيضًا.

ذكّر نفسك بلطف في وقت الألم والحزن أن مشاعرك أمر خاص بك وحدك، وأنها مهما بلغت غرابتها بالنسبة لك فهي في نهاية المطاف طبيعية وإنسانية، ولن تقودك إلى الجنون كما تظن، من المهم أن تفهم أيضًا أنه لا يوجد صواب أو خطأ عندما يتعلق الأمر بمشاعرك.

2. لا تحرم نفسك من الحصول على دعم

في الوقت الذي تواجه خلاله فجيعة آلام الفقد قد تشعر بالرغبة في أن تكون بمفردك، لكن من المهم نفسيًا أن تحيط نفسك بمجموعة دعم من الأصدقاء أو العائلة أو الأشخاص الذين تثق في آرائهم ومشورتهم ويستطيعون أن يمدوك بالدعم والسند الذي تحتاجه، ربما تحتفظ بمعالج نفسي بين مجموعة الدعم التي تُعينك على مواجهة الأزمة.

يمكن أن تكون مجموعة الدعم مصدرًا للمساندة العاطفية أو مساعدًا في الاحتياجات المادية، فغالبًا ما تؤدي وفاة أحد أفراد الأسرة إلى إحداث فجوة كبيرة في حياة الأحياء من الأسرة، هذه الفجوة يمكن أن تملأها مجموعة الدعم ولو مؤخرًا.

3. تعرف على مراحل الحزن الطبيعية

رغم أن كل شخص لديه طريقته الخاصة في التعامل مع الحزن الذي يُسببه ألم الفقد، إلا أن الحزن شأن أي شعور إنساني يمر بمجموعة ثابتة من المراحل، ورغم أن هذه المراحل تتفق لدى الكثير من الناس، إلا أن الفترة الزمنية التي تستغرقها هذه المراحل هي التي تختلف، ويجب على من يمر بالأزمة أن يسمح لنفسه بأخذ مساحتها الزمنية التي تحتاجها في كل مرحلة من مراحل الحزن.

تقول إليزابيث كوبلر روس، وهي طبيبة نفسية وكاتبة عملت في المجال الأكاديمي ولها دور كبير في مجال الدراسات النفسية، في كتابها «عن الموت والفقد» إن هناك خمس مراحل للحزن الذي يولده الفقد:

  • الإنكار: ففي البدء أنت تنكر ما حدث، وتجد أنه من المستحيل تصديق أن أمر فقدان شخص عزيز عليك هو أمر حقيقي وواقعي وحدث بالفعل.
  • الغضب: عندما تبدأ في التبين والتثبت من حقيقة الموقف، تأتي المرحلة الثانية وهي الشعور بالغضب، قد تقوم بتوجيه هذا الغضب إلى نفسك لأنك ترى أنك قصرت في أمر ما يخص الأحباء الراحلين، وقد تشعر بالغضب من الأحباب الراحلين أنفسهم لأنهم تركوك وذهبوا، وقد توجه الغضب إلى الأطباء لأنهم لم يتمكنوا من تقديم الشفاء لعزيزك الفقيد، أو حتى تجاه «الله» لأنه لم يتدخل ويمنع حدوث الأمر.
  • المُساومة أو محاولة التفاوض: ليس من غير المألوف أن يتغلب الأحياء الذين يُعانون من ألم الفقد على معاناتهم هذه من خلال المُساومة والتفاوض مع القوى العليا التي يؤمنون بوجودها، فيبدأون في التفكير أن رحيل الأحباب أرحم بهم من الاستمرار في الحياة والمعاناة من المرض أو الشيخوخة، أو عاهة مستديمة إذا كانوا قد رحلوا عن الحياة إثر حادث مروري.
  • الاكتئاب: أثناء كل المراحل السابقة وقبلها وبعدها، أنت تشعر بحزن عظيم، هذا الحزن الكبير الذي تشعر به هو أمر طبيعي، وعليك أن تعرف أنه لن يستمر إلى الأبد، وشعورك بأن الحياة توقفت، وأنها لن تعود أبدًا إلى سابق عهدها قبل رحيل الأحباب، أو إنك لن تستطيع أبدًا أن تتخطى، هو شعور شائع أيضًا لدى أغلب – أو أكثر – من يمر بهذا الألم.
  • القبول: وهي المرحلة الأخيرة من مراحل الفجيعة والحزن، في هذه المرحلة تصبح مؤهلًا نفسيًا لقبول ما حدث، والتوصل إلى حيثيات تُمكنك من التعامل مع الفقد والمُضي قُدمًا في حياتك، وهذا لا يعني أن المراحل السابقة قد انتهت، هي فقط هدأت، لكنها ستطل برأسها بين الحين والآخر، ولكن حينها سيصبح ألمك تجاه الفقد أكثر قابلية للإدارة، وخاضعًا لسيطرتك وتحكمك بدرجة أكبر مما كان عليه الأمر في البدء.

يساعدك التعرف على مراحل عملية ألمك وحزنك تجاه الفقد، أن تتعامل بوعي وفهم مع نفسك خلال كل مرحلة، وأن تعرف أن ما تمر به طبيعي، وأن حدّة مشاعرك لن تقودك للجنون، أو أنها قد خرجت عن حدود المشاعر الإنسانية المألوفة والطبيعية.

4. لا تستسلم واستأنف الحياة من جديد

يرى المؤلف ديفيد ك. سويتزر، في كتابه «ديناميات الحزن.. مصدرها وألمها وشفاءها» أنه بعد المرور بألم الفقد فإن المرء يحتاج إلى إعادة اكتشاف حياته من جديد، وعلى الرغم من كون ألمك الناجم عن الفقد حقيقيًا تمامًا، لكنه ينبغي أن يأتي الوقت الذي تبدأ فيه حياتك مرة أخرى، ومن خلال التغلب على صدمة وفاة أحد أفراد الأسرة أو المقربين والاستمرار في الحياة، ستتعلم أن تتقبل الموت حقيقةً، وأمرًا واقعًا، لا يمكنك مُحاربتها والوقوف في وجهها، وستجد نفسك قادرًا على المضي قدمًا واستئناف حياتك رغم عدم وجود من تحب.

5. اطلب المساعدة النفسية عند الحاجة

في بعض الحالات قد يتطور الحزن الطبيعي إلى شيء يصعب التعامل معه، ويتحول إلى مشكلة في الصحة العقلية، والتي يمكن أن تشمل اضطراب الاكتئاب الشديد، واضطراب ما بعد الصدمة، والتي تُعطل عادة الأداء الحياتي اليومي.

يتميز الحزن المعقد بأعراض بالغة القسوة وطويلة الأجل، كما يتميز بعدم القدرة على قبول الفقد والانشغال الدائم بأفكار حول المتوفى، فإذا كنت أنت أو أحد أفراد أسرتك تُعاني من أي من هذه الأشياء فمن المهم طلب المساعدة من إخصائي علم نفس مؤهل، أو طبيب نفسي.

كيف تتعامل مع الآخرين خلال الفترة التي تعاني فيها من ألم الفقد؟

قد تشعر وأنت تُعاني من آلام الفقد أنك لا تستطيع التعامل أو التحدث مع أي شخص، وإن كنّا ننصح بوجود مجموعة دعم تستطيع أن تقدم المساندة، إلا أن هناك أيضًا الكثير من الأشخاص خارج مجموعة دعمك، الذين تتعامل معهم خلال هذه الفترة العصيبة الضاغطة، وحتى لا تُحمل نفسك المزيد من الضغوط، عليك أن تعرف الآتي في التعامل مع الآخرين خلال هذه الفترة:

  •  لست مضطر لإعطاء تفاصيل

بشكل الطبيعي الناس يشعرون بالفضول تجاه سبب الوفاة، خاصةً عندما يكون المتوفى صغير السن، فستجد نفسك تُسأل في كل مرة عن سبب الوفاة، قد يُشكل حكي هذا مرارًا وتكرارًا ألمًا بالغًا بالنسبة لك خاصة خلال الأيام الأولى من الصدمة، أنت لست مُضطرًا لهذا، وقد تكتفي بقول إنك لا تستطيع التحدث حاليًا.

  • اجعل أحد أصدقائك المُقربين هو من يُبلغ الآخرين

عند وفاة أحد أفراد أسرتك قد تكون مُكلفًا بإبلاغ عائلتك أو غيرهم بالخبر، هذه مهمة صعبة وقاسية، لأنك تتلقى رد الفعل الأولي وصدمة كل شخص منهم عند سماع الخبر، خاصةً إذا كان المتوفى صغيرًا في السن، أو أن الوفاة جاءت مُفاجئة، قد يُذهل المستمع إلى الدرجة التي تضطرك لتكرار النبأ عدة مرات حتى يتمكن من استيعابه.

حاول الهرب من هذه المهمة بكاملها، يمكنك أن تعطي هاتفك لأحد أصدقائك المقربين وتطلب منه أن يؤدي هو الأمر؛ لأن رد فعل كل شخص على تلقي الصدمة سيُزيد من ألمك على فقيدك.

  • كن حازمًا في طلب عدم نشر الخبر على وسائل التواصل الاجتماعي

يُمكنك إخبار الأصدقاء والعائلة بعدم نشر الخبر على وسائل التواصل الاجتماعي بشكل فوري، على الأقل حتى تتمكن من إخطار باقي أفراد الأسرة والعائلة عن طريق الاتصال المباشر، فالناس يتعرضون لصدمة كبيرة عندما يقرأون على وسائل التواصل الاجتماعي خبر وفاة أحد أفراد أسرتهم، تجعل المُباغتة صدمتهم أكبر من الصدمة التي تحدث لهم بالتواصل المباشر.

  • توقع أن يقول الناس كلمات غير لائقة

بعض المُعزين الذين لا يمسهم ألم الفقد بشكل مُباشر قد يقولون أشياء غير لائقة، عليك تقبّل أن الأمر يُحزنك ويُحزن من ينتمي إليك، وأنه ليس ألم أي شخص آخر؛ مما يجعل البعض يقول بشكل غير واع أشياء غير لائقة.

فقط لأن الألم لا يخصه فقد يخونه التعبير، مثل أن يقول لك شخص عند وفاة جدك العزيز إن الفقيد كان كبير السن، ويجب أن تكون مُتوقعًا فقده، في هذه الحالة يُمكنك الرد أو عدم الرد كما تشاء، لكن في الحالتين عليك ألا تعطي أحدًا المساحة ليُزيد من آلامك بسلوكه أو كلامه غير اللائق.

في فهم الحزن والكآبة.. ليسا سيئين كما يبدو!

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد