في العديد من الديمقراطيات الدستورية، ثمة افتراض بأن الدساتير والقوانين إذا حظرت الانقلابات، فإن الديمقراطية تصبح آمنة من الاستبداد العسكري. هذا ليس صحيحًا على الإطلاق، بحسب جين شارب وبروس جنكينز من معهد ألبرت أينشتاين وقد توصل العديد من الدول لهذا الاستنتاج بالطريقة الصعبة. ألم تكن بعض الديمقراطيات التي لديها أحكام دستورية وقوانين مناهضة لمحاولات السيطرة على الدولة عن طريق الانقلابات نفسها من ضحايا الانقلابات؟

معظم الدول لديها قوانين تحظر تورط الجيش في السياسة -سواء نصت على ذلك صراحة في دستورها أو أدرجته في تشريعات أخرى- ناهيك عن الاستيلاء التام على السلطة. علاوة على ذلك، أصدر عدد من المنظمات الدولية والإقليمية قرارات تهدف إلى ردع الانقلابات.

على سبيل المثال، تتبنى كل من «منظمة الدول الأمريكية OAS»، و«رابطة الكومنولث»، و«الاتحاد الأفريقي»، مبادئ مناهضة للانقلاب، كما فرضت -وإن بمعدلات متباينة- مجموعة متنوعة من العقوبات على أعضائها الذين استولوا على السلطة بالقوة العسكرية أو حتى حاولوا ذلك.

على الرغم من ذلك، فإن الانقلابات لا تزال تحدث في عالم اليوم. ووفقًا لبحث أجراه نونيهال سينج عام 2016، فإن 55% من الدول التي يزيد عدد سكانها عن 100 ألف قد قامت بمحاولة انقلاب واحدة على الأقل بين عامي 1950 و2000. خلال الفترة ذاتها، شهدت الدول غير الغربية محاولات الانقلاب أكثر من الانتخابات الديمقراطية بنسبة لا تقل عن 30%. ومنذ بداية الألفية الجديدة، شهد العالم 66 انقلابًا أو محاولة انقلاب في أفريقيا وآسيا وأوروبا والمحيط الهادي وأمريكا الجنوبية.

يجب أن تكون المحظورات القانونية موجودة، لكنها كثيرًا ما عجزت عن منع وقوع الانقلابات. يرجع ذلك إلى حقيقة أن مهندسي الانقلابات يكونون عادة على أتم استعداد لاجتياز الحواجز الدستورية والقانونية مع سبق الإصرار والترصد. هذا لا يعني أن مثل هذه الأحكام الدستورية والقانونية ليست مفيدة، لكنها ليست كافية، وثمة حاجة واضحة لإيجاد وسائل قادرة على فرض تلك المحاذير.

الجهود المبذولة لإزالة المظالم المبررة في المجتمع ضرورية أيضًا، لكنها غير كافية. لأن المظالم قد تعمل باعتبارها حوافز جوهرية للانقلابيين المحتملين، وتكون مجرد أعذار للانقلاب المدفوع بأسباب أقل نبلًا.

الإدانة الدولية والعقوبات من غير المرجح أيضًا أن تكون رادعًا للانقلابين إذا عقدوا العزم على التنفيذ. من السذاجة توقع أن التأثيرات الدولية ستكون قادرة على منع أو إلغاء الاستيلاء الداخلي على السلطة. في أحسن الأحوال، قد يدعم الموقف الدولي الرافض للانقلاب قوة محلية فعالة لمنع محاولة اغتصاب السلطة. في أوقات أخرى، قد تدعم بعض التأثيرات الدولية الانقلاب، أو حتى تكون قوة رئيسية في التحريض عليه، مثلما فعلت حكومة الولايات المتحدة في العديد من الحالات.

«ناشيونال إنترست»: ماذا حدث حين حاول أحد ضباط المخابرات النازية إسقاط هتلر؟

الوقاية خير من المقاومة

من الواضح إذًا أن هناك حاجة إلى شيء أكبر: حواجز أقوى في وجه  الانقلابات أو الاستبداد العسكري. هذا ما يسميه جين شارب وبروس جنكينز «سياسة دفاعية ضد الانقلابات»، ليس فقط لديها القدرة على هزيمة الانقلابات، بل أيضًا بمثابة رادع محتمل لهذا السطو، تكون متجذرة في القدرات الدفاعية الفعالة للدولة.

بدون الاستعدادات الجادة المبكرة لمقاومة الانقلاب، فإن تشكيل نظام ديمقراطي دائم يصبح أمرًا مشكوكًا فيه تمامًا في العديد من البلدان، خاصة تلك التي لديها تاريخ من الانقلابات. حتى في البلدان التي حققت وضعًا سياسيًا ديمقراطيًا نسبيًا، فإن تدابير مكافحة الانقلاب تكون مهمة على الرغم من وجود تصريحات عامة عن النوايا البريئة يدلي بها الأفراد والجماعات القادرين على القيام بانقلاب.

تُكَرَّس جهودٌ ضخمة ومبالغ باهظة بانتظام من أجل الاستعداد لمقاومة العدوان الأجنبي، لكن الباحثين جين شارب وبروس جنكينز يحذران من خطورة عدم بذل جهود كافية من أجل تأهيل المجتمعات للتعامل مع مشكلة الانقلابات نظرًا لتواترها على الساحة العالمية.

ما الذي يمنع حدوث انقلاب؟

في بعض البلدان، لا يمكن تصور حدوث انقلاب داخلي؛ إذ تميل الظروف إلى إعاقة الانقلابات. يضرب جين شارب وبروس جنكينز على ذلك مثلا النرويج وسويسرا. فحين توجد الإجراءات الدستورية الديمقراطية وتحظى بالاحترام، وتتوافر الوسائل المؤسسية السلمية لحل الصراعات الداخلية المتعلقة بتغيير الحكومات وتشكيل الحكومة ومساءلة المسؤولين، تتراجع احتمالية وقوع انقلاب.

وإذا كانت المجموعة القادرة على تنفيذ انقلاب -مثل الجيش- تؤمن بالعملية الديمقراطية وتحترم الحدود التي تقيد سلطتها، من غير المحتمل أن تحاول الانقلاب. كما أن الهيكل الاجتماعي للمجتمع له دور مؤثر في تحديد ما إذا كان من المحتمل حدوث انقلاب. فحين تكون المؤسسات المدنية غير الحكومية قوية وتدار بطريقة ديمقراطية، وفي المقابل تكون المؤسسات العسكرية والسياسية المعادية للديمقراطية أضعف، من غير المرجح أن يحدث انقلاب.

وعندما يعمل المجتمع سويًا في وئام نسبيًا، لا يُرجح حدوث انقلاب. بيد أن هذا الموقف نادر وليس ضروريًا لمنع الانقلاب. فإذا كانت المشكلات الداخلية محدودة ويمكن التعامل معها عبر الإجراءات المؤسسيةالسلمية الأخرى، تقل احتمالية وقوع انقلاب. إذا كانت هناك نزاعات حادة، لكنها غير عنيفة ولم تنزلق إلى مستنقع العنف الداخلي، فلن تكون الساحة مهيأة لانقلاب مجموعة تتعهد بإنهاء العنف الداخلي واستعادة القانون والنظام.

كما أن استفراغ السياسيين وسعهم في خدمة المجتمع، وعدم التورط في الفساد، ينزع أحد الفتائل المحتملة لوقوع انقلاب. وفي المجتمعات التي تُعبأ فيها الجماهير وتشارك سياسيًا وتتمتع بالقوة، هذا الافتراض لا يمكن أن يحدث.

استنادًا إلى أدلة مستقاة من 16 دراسة حالة، تخلص إيريكا دي بروين من كلية هاميلتون، إلى أن تحقيق التوازن بين الجيش وبقية المؤسسات الأمنية يقلل من احتمالية نجاح محاولات الانقلاب؛ عن طريق تحفيز بعض الجنود للمقاومة. ومع ذلك، لا يرتبط هذا التوازن بوقوع عدد أقل من محاولات الانقلاب. بل في الواقع، يزيد إنشاء قوة أمنية جديدة من احتمالات وقوع محاولة انقلاب في العام التالي.

ما الذي يدفع الجيوش للانقلاب؟

الشرط الأساسي للانقلاب هو الاعتقاد بأن القوى التنظيمية والقمعية للانقلابيين أقوى من المؤسسات الأخرى ومن قوى المجتمع مجتمعة. باختصار، أن يكون المجتمع المدني أضعف من القوات العسكرية. في الواقع، توسعت قوات الجيش في العديد من البلدان خلال العقود الأخيرة لتكون هي أقوى مؤسسة على الإطلاق في المجتمع بأسره. وغالبًا ما انقلبت هذه القوات العسكرية على المجتمع والسكان، الذين يعتمد وجودها عليهم، وكان يفترض أن يدافعوا عنها. مثل هذا النوع من الانقلاب العسكري يصبح أكثر ترجيحًا عندما يكون الجنود أكثر ولاءً لضباطهم من الحكومة الديمقراطية، كما يقول الباحثان شارب وجنكينز.

أضف إلى ذلك حين تكون جذور النظم الديمقراطية السياسية هشة أو متآكلة، وتفتقر الحكومة إلى الشرعية، ويوجد استياء واسع النطاق من أدائها، وربما اتهامها بعدم الكفاءة أو الفساد أو عدم الحسم في أوقات الأزمات. فضلاً عن تراجع الثقة في قدرة الإجراءات الديمقراطية على علاج الأزمة، أو غياب الإجراءات المتفق عليها لتعاقب الحكومات.

وقد تكون المؤسسات المدنية غير الحكومية -أحزاب سياسية ومؤسسات تعليمية مستقلة وهيئات دينية ونقابات وغيرها- ضعيفة أو غير موجودة تقريبًا. كما قد يحجم عامة السكان عن المشاركة الفعالة في النظام السياسي. نتيجة لذلك، لن تكون هناك مجموعات ومؤسسات قادرة على معارضة الاستيلاء على جهاز الدولة.

وتتفاقم حالة الارتباك والشعور بالعجز التي تصاحب الانقلابات في كثير من الأحيان بسبب غياب التخطيط والاستعدادات والتدريب لمنع الانقلابات. وعندما تكون القوات المسلحة- المدافع المفترض عن المجتمع الذي لا يمكن لأي قوة عسكرية أخرى أن تكبح جماحه- داعمة للانقلاب، يزداد ألم السكان ويتفاقم يأسهم.

ونجاح محاولة الانقلاب، لا يعني بالضرورة أنها تحظى بتفضيل عامة السكان. في كثير من الحالات قد يكون السكان معارضين في الواقع للانقلاب، لكنهم لا يعرفون ماذا يفعلون. والمؤمنون بالإجراءات الدستورية والعدالة الاجتماعية عادة لا يعرفون كيف يمكنهم هزيمة انقلاب مدعوم عسكريًا باستخدام أدوات غير تلك التي اعتادوا العمل من خلالها.

قد يواجه المجتمع مشاكل داخلية خطيرة للغاية بسبب العنف. وقد تدفع الاضطرابات الاجتماعية الخطيرة، والمشاكل الاقتصادية الحادة، والصراعات السياسية الشديدة، أو العنف الداخلي والاغتيالات، الشرائح الرئيسية في المجتمع لقبول الاستبداد الذي تجلبه حكومة جديدة قوية تتعهد بالعمل على «استعادة النظام» وإنهاء الأزمة.

الظروف الاقتصادية غير المواتية، والتفاعل مع العوامل السياسية، قد يجعل المجتمع عرضة للانقلابات. وثمة من يقول بأن قلة تنويع الصادرات والتبعية المفرطة على السوق الدولية المتغيرة؛ يمكن أن يخلق الظروف التي تجعل الانقلاب أكثر ترجيحًا. ويرى إدوارد لوتواك (2016) أن أحد أسباب انتشار الانقلابات هو قبول البعض لهذا النهج باعتباره وسيلة فعالة للتغيير، وإن لم يكن يحظى بما يكفي من المشروعية.

في بعض الأحيان، يكون هناك ببساطة شهوة للسلطة والهيمنة -خلف ستار من الأهداف النبيلة أو بشكل سافر- لدى الأفراد أو المجموعات القوية أو الحزب الديكتاتوري أو الزمرة العسكرية. لكن مثل هذه الظروف لا تؤدي بالضرورة إلى انقلاب. فحتى عندما تكون ظروف الانقلاب مواتية، ويفتقر الانقلابيون المحتملون إلى فضيلة ضبط النفس، قد لا يقومون بهذه المحاولة لأنها من المرجح أن تفشل، بحسب الباحثين شارب وجنكينز.

لماذا قد تفشل محاولة الانقلاب؟

يرصد الباحثان عدة عوامل تؤدي عادة إلى فشل محاولات الانقلاب:

  • أقسام مهمة من الأفراد العسكريين والشرطة والموظفين المدنيين، فضلًا عن المستويات الحكومية الأدنى، غير داعمين للانقلاب ومن المحتمل أن يقاوموا المحاولة. وقد تميل المؤسسات المستقلة في المجتمع لمعارضة الانقلاب، وتكون قوية بما يكفي للتصرف بقوة ضدها.
  • قدرة هؤلاء المعارضين المحتملين للانقلاب على التصرف بقوة ضد محاولة انقلاب يمكن أن تؤثر بشكل كبير على قرار صناع الانقلاب المحتملين المتعلق بما إذا كان يجب خوض المحاولة أم لا.
  • إذا كان من المرجح أن يقاوم المجتمع بحزم محاولة الاستحواذ على السلطة، فإن حدوث الانقلاب يصبح أقل احتمالًا. من يحاولون الانقلاب يجب أن يكونوا قادرين على افتراض أنهم بمجرد استيلائهم على السلطة سوف يواجهون مقاومة ضئيلة من أجهزة الدولة البيروقراطية والشعب.

ساعة المواجهة.. نصائح لإسقاط الانقلابات

من رحم الانقلابات الأفريقية، يستمد أليكس دي وال، المدير التنفيذي لمؤسسة السلام العالمية، 10 نصائح موجزة، ها هي بتصرف:

  • المعلومات هي أهم ما لديك، والإعلام هو أفضل حليف لك. بمجرد كشف ستار السرية عن فساد المستبد وعائلته تصبح أيامه في السلطة معدودة، وإذا أخرس الديكتاتور ألسنة الإعلام في الداخل، ففي وسائل الإعلام الدولية بديل أرحب.
  • معظم الموظفين المدنيين ورجال الشرطة وضباط الجيش سيستمرون في أداء وظائفهم وحماية مستقبلهم المهني؛ فلا تلمهم على هذا، بل احترمهم وتحدث إليهم. في نهاية المطاف، قد يعمل هؤلاء المواطنون المحترمون على كبح جماح السياسات المتطرفة أو حتى يقدمون خدمات شخصية في بعض الأحيان. وفي لحظة حرجة مستقبلًا، قد يقررون الوقوف إلى جانب الشعب وليس مع الاستبداد.
  • الدولة العميقة ليست حليفتك. قد يتمتع مسؤولو الدولة العميقة المجهولون بالقدر ذاته من الجشع والقسوة مثل أي ضابط يافع يلوح بمسدسه. وأي طمأنينة تجلبها تصريحات رجال الأمن المحترفين الأكثر هدوءًا الواثقين من أنفسهم تكون مضللة. مؤسسات الأمن تفعل فقط ما تتقن فعله: تحمي نفوذها وتوسع نطاقه.
  • لا تصبح مهووسًا بشخصية الديكتاتور؛ هذا غير صحي وقد يغذي غرور الرجل الكبير. لا تركز على صفات المستبد الشخصية المثيرة للاشمئزاز؛ كيلا تجد نفسك في مأزق إذا حل مكانه مستبد آخر، دون تغيير النظام الذي يديره.
  • اكتشفت الشعوب، في كثير من الأحيان، أن الرجل الثاني في الدولة، بعدما بدا للوهلة الأولى هادئًا ويفتقر إلى الطموح السياسي لدرجة استهانة الجميع به، هو نفسه الذي سيتقن لاحقًا فن البقاء أطول مدة في السلطة، وسينجو من أعظم المخاطر.
  • لا تسقط مؤسسات الدولة؛ لإحداث تغيير في النظام. قد تظن أن شيئًا لا يمكن أن يكون أسوأ من ديكتاتورك البغيض، لكن الفوضى شيء أسوأ. (أثار تحذير مشابه الكثير من السخرية في العالم العربي؛ لأنه يصدر عادة على لسان المستبدين، لكن هذا لا يعني أن خطر الفوضى ليس حقيقيًا).
  • امنح الاستبداد دائمًا طريقًا آمنًا للخروج. إذا اعتقد أنه مضطر للاختيار بين البقاء في السلطة والسجن، فسوف يفعل أي شيء للبقاء في السلطة. أما الطهارة الأخلاقية للمعارضة التي تلاحق كل من ارتكبوا انتهاكات، فقد تقف في طريق البراجماتية اللازمة لاغتنام فرصة التسوية.
  • التصويت.. التصويت.. التصويت. مقاطعة الانتخابات لا تكاد تكون استراتيجية جيدة. استخدِم البرامج البرلمانية لفضح الانتهاكات والدعوة إلى التغيير. انتخب رؤساء بلديات يمكن أن يكونوا بعد ذلك أبطال التحول الوطني.
  • السخرية سلاح جيد، تضغط على نقطة الضعف الأكثر حساسية لدى الرجل الكبير: إحساسه بأهميته. لكن الفكاهة تعمل بشكل أفضل إذا كانت تسير جنبًا إلى جنب مع النقد المنطقي، بموازاة سياسات بديلة معقولة.
  • الديمقراطية تتغذى على النضال من أجل الديمقراطية. لا توجد طرق مختصرة أو حلول سحرية، ولا بديل عن الاعتماد على سعة حيلة المواطنين. الديمقراطية حق، لكنه حق يجب انتزاعه.

«أغنية راب» أسقطت حكم العسكر.. عندما هُزمت الطغمة العسكرية في تايلاند بالقافية

تحديات بناء الديمقراطية بعد الثورات اللاعنيفة

استنادًا إلى أبحاث إحصائية شملت 78 تحولًا سياسيًا بدأت بمقاومة لاعنيفة منذ 1945 إلى 2011، إلى جانب مقابلات شخصية وفحص متعمق لثلاث عمليات انتقالية: انتقال البرازيل من الحكم العسكري في الثمانينيات، وانتقال زامبيا من حكم الحزب الواحد في التسعينيات، وانتقال نيبال من الملكية في الألفية الثانية؛ تخلُص الدراسة التي أعدها جوناثان بينكني، من «الجامعة النرويجية للتكنولوجيا والعلوم (NTNU)»، إلى أن المقاومة اللاعنيفة تحفز التقدم صوب الديمقراطية، حتى في الظروف غير المواتية. من بين 78 عملية تحول سياسي بدأت بمقاومة عنيفة، انتهى 60 منها على الأقل بمستوى أدنى من الديمقراطية. هذه النسبة أعلى بكثير من التحولات السياسية التي استهلت باتباع أي وسيلة أخرى. هذا يعزز نتائج بحث سابق وجد أن المقاومة اللاعنيفة تمخضت عن قدر أكبر من الديمقراطية مقارنة بالمقاومة العنيفة.

وعندما تفشل الثورات اللاعنيفة في جلب الديمقراطية، يحدث هذا عادة بسبب تحديين:

التحدي الأول: التعبئة الانتقالية

غالبًا ما تتراجع التعبئة الشعبية بشكل ملحوظ بعد حدوث تقدم ديمقراطي أولي. هذه مشكلة؛ لأن إقامة الديمقراطية تنطوي على أكثر من مجرد إزالة الديكتاتور. هناك العديد من المعالم البارزة على طريق الديمقراطية، وإذا لم يكن هناك ضغط شعبي لتحقيق كل هدف؛ يمكن أن تنحرف التحولات بسهولة عن مسارها.

للحفاظ على التعبئة أثناء التحولات، يمكن تطبيق المقترحات الثلاثة التالية:

  • الحفاظ على بعض الأصوات المستقلة، التي لا تتنافس على السلطة، حتى تتمكن من مواصلة الضغط أو التصعيد من أجل التغيير الديمقراطي.
  • عدم الإفراط في الإيمان بقيادات المعارضة، والحكم عليهم-أثناء تواجدهم في السلطة- بناءً على تصرفاتهم لا تاريخهم.
  • صياغة رؤية إيجابية للمستقبل. غالبًا ما تركز الحركات المؤيدة للديمقراطية على الأهداف السلبية لتعبئة الناس ضد الطغاة، لكن بمجرد رحيل الزعيم يحتاج الناس إلى سبب لمواصلة المشاركة في المستقبل.

التحدي الثاني: تطرف الشارع

على عكس تحدي التعبئة الانتقالية، قد تلجأ الفصائل السياسية إلى تكتيكات أكثر تطرفًا لاكتساب نفوذ أكبر على المدى القصير. يمكن أن يعرقل ذلك تشكيل المؤسسات الجديدة وخلق مسار سياسي طبيعي، وغالبًا ما يؤدي إلى عودة الاستبداد إذا سئم الشعب من الاضطرابات واللايقين السياسي.

لمنع التطرف من التفشي في الشارع، يمكن تطبيق هذه المقترحات الثلاثة:

  • توخي الحذر عند استخدام تكتيكات الاحتجاج؛ لأنها إذا استخدمت لتحقيق أهداف ضيقة أو بعشوائية، فإنما قد تؤدي إلى نتائج عكسية.
  • توجيه التعبئة إلى القنوات المؤسسية الجديدة؛ من أجل تطوير قواعد منتظمة للتفاعل والمشاركة.
  • عدم استبعاد كافة أعضاء النظام القديم. المساءلة عن الجرائم الماضية حق، لكن الانتقام الشامل يحرم المجتمع من الأشخاص الذين يتمتعون بمهارات سياسية وقد يستعدي آخرين ضد السياسات والمؤسسات الديمقراطية الجديدة.

– إذا عولجت هذه التحديات بنجاح، ستزيد احتمالية أن يقود هذا النوع من المقاومة إلى الديمقراطية. وإلا فالعودة إلى الأنظمة غير الديمقراطية، أو التحوُّل إلى نظام هجين يمزج بعض عناصر الديمقراطية والاستبداد.

– هذان ليسا التحديين الوحيدين اللذين تواجههما التحولات السياسية بعد الثورات غير العنيفة، ومعالجتهما بنجاح لا يضمن أن يظل البلد قويًا في المستقبل إلى أجل غير مسمى، كما لا توجد وصفة بسيطة للوصول إلى الديمقراطية. لكن إنقاذ البلد من حالة عدم اليقين خلال مرحلة الانتقال السياسي من خلال التعبئة العالية وكبح جماح تطرف الشارع كفيل بحث خطى الدولة نحو مستقبل أكثر حرية وديمقراطية.

دروس مستفادة من التحولات الديمقراطية الناجحة

أجرى أبراهام لوينثال وسيرجيو بيطار عبر دورية «فورين أفيرز» مقابلات مطولة مع 12 رئيسًا ورئيس وزراء سابقين أسهموا بأدوار حيوية في التحولات الديمقراطية الناجحة في البرازيل وتشيلي وغانا وإندونيسيا والمكسيك والفلبين وبولندا وجنوب أفريقيا وإسبانيا، كان بعضهم مسؤولًا في أنظمة الاستبداد لكنهم ساعدوا في توجيه دفة بلادهم صوب الديمقراطية، وكان لبعضهم الآخر دور بارز في حركات المعارضة التي أنهت الحكم الاستبدادي وساعدت بعد ذلك في بناء ديمقراطيات مستقرة، بالإضافة إلى فريق ثالث يتمتع بخليط من التجارب مع أنظمة استبدادية وديمقراطية.

لا يوجد نموذج واحد للتغيير الديمقراطي يناسب الجميع، لكن التحولات الناجحة تقدم بعض الدروس القابلة للتطبيق، أبرزها: أن يكون لدى الإصلاحيين الديمقراطيين استعدادًا لتقديم تنازلات، وأن يمنحوا الأولوية للتقدم التدريجي قبل الحلول الشاملة، وأن يبنوا تحالفات، ويتواصلوا مع بعض الأفراد داخل الأنظمة التي يسعون للإطاحة بها، ويتصدون للأسئلة المتعلقة بالعدالة والعقاب، وطبعًا وضع الجيش تحت السيطرة المدنية.

تجهيز الأرض للزراعة

يبدأ الانتقال الديمقراطي الناجح قبل وقت طويل من تولي السياسيين المنتخبين السلطة. يجب أن تحصل المعارضة أولاً على دعمٍ شعبيّ كافٍ لتحدي قدرة النظام القائم على الحكم، وترسيخ أقدامها باعتبارها منافسًا على السلطة جدير بالثقة. ويتعين على قادة المعارضة تعبئة الاحتجاجات والتنديد بسجن المعارضين وتعذيبهم وطردهم وتقويض شرعية النظام الوطنية والدولية. وغالبًا ما يتطلب ذلك تجسير الخلافات العميقة بين المعارضة حول الأهداف والقيادة والاستراتيجيات والتكتيكات.

عمل معظم قادة المرحلة الانتقالية محل الدراسة بجد مع مرور الوقت، للتغلب على هذه الانقسامات وبناء تحالفات واسعة من قوى المعارضة، وتوحيد الأحزاب السياسية والحركات الاجتماعية والعمال والطلاب والمؤسسات الدينية والمصالح التجارية الرئيسية حول جدول أعمال مشترك.

ففي بولندا مثلاً، عملت حركة «تضامن» العمالية عن كثب مع المنظمات الطلابية والمثقفين وعناصر الكنيسة الكاثوليكية. وأقنعت حركة المعارضة البرازيلية الصناعيين في ساو باولو بدعم قضيتها. وفي إسبانيا، تمكنت مجموعات المعارضة من حل العديد من خلافاتها عبر مفاوضات أدت إلى اتفاقيات مونكلوا عام 1977، حيث اتفقوا على كيفية إدارة الاقتصاد خلال الفترة الانتقالية.

على النقيض من ذلك، أينما فشلت المعارضة في الاتحاد، فإن احتمالات الديمقراطية تصبح بعيدة المنال. في فنزويلا، كانت الانقسامات الخطيرة حول كيفية مواجهة الحكومة حجر عثرة أعاقت المعارضة حتى اليوم عن الاستفادة الكاملة من سوء إدارة النظام الاقتصادي. وفي صربيا، تمكن سلوبودان ميلوسوفيتش من الحكم بطريقة الاستبداد على نحو متزايد بعد توليه السلطة في عام 1989، جزئيًا بسبب عجز المعارضة الصربية عن تشكيل جبهة موحدة. وفي أوكرانيا، قلبت الثورة البرتقالية 2004-2005 نتيجة الانتخابات التي اعتبرت مزيفة على نطاق واسع. لكن الانقسامات بين الإصلاحيين أعاقت تطوير المؤسسات الديمقراطية وسيادة القانون، مما أدى إلى عقد آخر من حكم الأقلية (الأوليجارشية) والفساد السياسي.

تحتاج حركات المعارضة الديمقراطية أيضًا إلى بناء جسور مع أولئك الذين تعاونوا في الماضي مع النظام، لكنهم قد يكونون الآن على استعداد لدعم التحول الديمقراطي. ولأن التركيز على المظالم السابقة يؤدي غالبًا إلى نتائج عكسية، ينبغي على الإصلاحيين الديمقراطيين بدلًا من ذلك أن يقدموا باستمرار رؤية انتقالية إيجابية وتطلعية لمواجهة الخوف السائد الذي تغرسه أنظمة الاستبداد السياسي. في الوقت ذاته، يجب أن يقوموا بتهميش أولئك الذين يرفضون نبذ العنف أو الذين يصرون على مطالب لا تقبل المساومة بالحكم الذاتي الإقليمي أو العرقي أو الطائفي.

لكن توحيد المعارضة وحده لا يكفي، بل يجب أن تفهم القوى الديمقراطية طبيعة الانقسامات داخل النظام وتستغلها لإقناع العناصر داخل النظام بالانفتاح على التغيير؛ يجب على الإصلاحيين تقديم ضمانات موثوقة بأنهم لن يسعوا للانتقام أو مصادرة أصول رجال النظام. ويجب على حركات المعارضة أن تعمل بجد للتحاور بفعالية مع أعضاء النظام الاستبدادي الراغبين في إيجاد استراتيجية للخروج، بموازاة عزل أولئك الذين يتشبثون بتعنتهم. مثلما كانت الاستراتيجية الأساسية للإصلاحي البرازيلي فرناندو هنريك كاردوسو هي حث عناصر الجيش على التواصل بحثًا عن مخرج.

يرى أبراهام لوينثال وسيرجيو بيطار أن المخاطر الكامنة وراء رفض التسوية كانت واضحة في حالة مصر. مستشهدَيْن بفترة حكم الإخوان المسلمين القصيرة، حيث أصرت الجماعة على أجندة إسلامية أثناء صياغة الدستور الجديد، مما أدى إلى عزل قطاعات كبيرة من السكان. وفي تشيلي، تبنى الأعضاء اليساريون المتطرفون في المعارضة «جميع أشكال النضال»، بما في ذلك العنف،ضد نظام بينوشيه. بحلول عام 1986، أدركت غالبية المعارضة أنهم لا يستطيعون إلغاء الديكتاتورية بالقوة، وأن هذا الارتباط باليسار المتطرف شوه المعارضة. تحولوا بدلاً من ذلك إلى الاحتجاج السلمي وتعهدوا ببناء «وطن للجميع». ساعد هذا النهج المعارضة على الانتصار على أوجستو بينوشيه في استفتاء عام 1988، وهي انتخابات أراد الكثيرون في المعارضة مقاطعتها في البداية.

كيف يتعامل المدنيون مع الملف الأمني؟

الإطاحة بالنظام الاستبدادي مسألة، والحكم مسألة مختلفة. غالبًا ما يواجه القادة الانتقاليون ضغوطًا لتنظيف البيت الداخلي تمامًا والبدء من جديد، لكن يتعين عليهم أيضًا أن يقاوموا. بيد أن الحكم يتطلب وجهات نظر وموظفين ومهارات مختلفة تمامًا عن تلك اللازمة للمعارضة.

بمجرد أن تتولى المعارضة السلطة، فإن الخطوة الأكثر أهمية هي: إنهاء العنف واستعادة النظام مع التأكد من أن جميع قوات الأمن تلتزم بالقانون. يتعين على الإصلاحيين إخضاع جميع الأجهزة الأمنية للسيطرة المدنية الديمقراطية في أقرب وقت ممكن، وفي الوقت ذاته الاعتراف بالأدوار المشروعة لهذه الأجهزة واحترامها، وتزويدهم بالموارد الكافية، وحماية قادتهم من الانتقام الشامل على ممارسات القمع الماضية.

لتحقيق ذلك، يجب فصل الشرطة والاستخبارات الداخلية عن القوات المسلحة. وأن يغرس القادة توجهات جديدة داخل الشرطة تجاه عامة السكان من خلال التأكيد على مسؤولية قوات الأمن عن حماية المدنيين بدلًا من قمعهم، دون تقليل قدرة القوات على تفكيك الجماعات العنيفة. وينبغي على الإصلاحيين إقالة كبار الضباط المسؤولين عن التعذيب والقمع الوحشي، ووضع كبار القادة العسكريين تحت السلطة المباشرة لوزراء الدفاع المدنيين، مع الإصرار على امتناع الضباط العسكريين الذين لا يزالون في الخدمة تمامًا عن المشاركة السياسية.

الحديث عن هذه الإجراءات سهل، لكن تطبيقها صعب، ويتطلب إصدار أحكام سياسية قوية وشجاعة. في بعض الحالات، يمكن معالجة هذه المسائل مبكرًا، وفي حالات أخرى، تستغرق وقتًا طويلًا. لكن يجب أن تُمنَح لها الأولوية القصوى منذ البداية، مع اليقظة المستمرة.

يجب أن يكون كبار المسؤولين المدنيين المكلفين بالإشراف على قوات الأمن على دراية بالمسائل الأمنية، وأن يحترموا أقرانهم في الجيش والشرطة وأجهزة الاستخبارات. قد يكون ذلك صعبًا، حيث كانت الحركات الديمقراطية تصطدم بعنف مع الأجهزة الأمنية، ولا يزال هناك انعدام ثقة متبادل، ولا يوجد احترام كبير للخبرة المدنية في الشؤون العسكرية.

كما يتعين على قادة المرحلة الانتقالية الموازنة بين الرغبة في مساءلة النظام السابق والحاجة إلى الحفاظ على انضباط قوات الأمن ومعنوياتهم. يتعين عليهم تعزيز القبول السلمي المتبادل بين الأعداء الألداء السابقين، وهذا ليس بالأمر السهل. لكن عندها فقط ستتعاون قوات الأمن تعاونًا تامًا مع المواطنين الذين كانوا يعتبرونهم في السابق قوة هدامة.

في قلب التحول الديمقراطي الفاشل في مصر، يكمن استمرار التفوق الذي يتمتع به الجيش المصري على أي مؤسسة منتخبة. وفي بلدان متنوعة مثل جامبيا وميانمار وتايلاند، يظل غياب السلطة المدنية على قوات الأمن أهم عقبة أمام التحول الديمقراطي الناجح.

كيفية التغلب على التحدي الدستوري

بسط السيطرة المدنية على الجيش يمكن أن يساعد قادة المرحلة الانتقالية على بث روح الثقة في الداخل واكتساب الشرعية على الساحة الدولية. الثمرة ذاتها يمكن جنيها من تطوير الإجراءات الانتخابية التي تعكس إرادة الأغلبية، وتُطَمْئِن الذين يخسرون الانتخابات بأن مخاوفهم الأساسية ستُحتَرَم بموجب حكم القانون. في معظم البلدان، تعد صياغة دستور جديد أمرًا ضروريًا، وإن كانت إندونيسيا احتفظت بدستور عام 1945 مع تعديل بعض الأحكام، ولم تعتمد بولندا دستورًا جديدًا كاملاً إلا بعد عدة سنوات من انتهاء الشيوعية.

يجب إشراك طيف واسع في صياغةِ دستورٍ يعالج الشواغل الرئيسية للقطاعات الرئيسية، حتى عندما يعني ذلك قبول الإجراءات التي تقيد الديمقراطية، على الأقل مؤقتًا. تأمّل النظم الانتخابية المتحيزة التي حافظت عليها شيلي لمدة 25 سنة بعد نهاية نظام بينوشيه؛ لاسترضاء الجماعات العسكرية والمحافظة، وقد منح منصب نائب الرئيس لزعيم المعارضة في جنوب أفريقيا.

كما قد يتطلب بناء دعم واسع للدستور الجديد دمج التطلعات المُحَلِّقة في آفاق أسمى، وهذه تحتاج إلى تقليص لاحق أو تنفيذها تدريجيًا، مثل: الأحكام الاجتماعية-الاقتصادية الطموحة التي تضمنها دستور البرازيل عام 1988، ودعت إلى زيادة حقوق العمل، والإصلاح الزراعي، والرعاية الصحية الشاملة.

على الرغم من أن الصياغة الدقيقة للدستور مهمة، إلا أن ما يهم أكثر قد يكون هو: كيف ومتى يوضع الدستور ومن يتبناه. يجب على واضعي الدستور أن يحظوا بقبول واسع والتأكد من أن تعديله ليس سهلًا بشكل مبالغ فيه ولا مستحيلًا عندما تستدعي الظروف ذلك.

يقول ثابو مبيكي، الذي رافق الزعيم نيلسون مانديلا في الكفاح ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا: «كان من المهم أن يكون الدستور مملوكًا لشعب جنوب أفريقيا ككل، وبالتالي أن تكون عملية صياغة الدستور حاضنة للجميع».

يجب أن تشمل هذه العملية مؤيدي النظام السابق، الذين سيحتاجون إلى ضمانات بأن حقوقهم ستُحتَرَم في ظل سيادة القانون. أما وضع كافة المسؤولين السابقين في سلة واحدة فتصرُّف غير حكيم. يجب على القادة الجدد بدلًا من ذلك تدشين عمليات قانونية شفافة للبحث عن الحقيقة بشأن الانتهاكات الماضية، وربما تعويض الضحايا، وتقديم الجناة الرئيسيين إلى العدالة عندما يكون ذلك ممكنًا. على الرغم من أن المصالحة الكاملة قد تكون مستحيلة، فإن التسامح المتبادل هو هدف أساسي. والحلول الوسط، مرة أخرى، ستظل مسألة حيوية.

التوازن بين التوقعات والضروريات

مع انتقال التحولات الديمقراطية، يلوم الجمهور في كثير من الأحيان القادة الديمقراطيين -وأحيانًا الديمقراطية ذاتها- على الفشل في تلبية التوقعات الاقتصادية أو السياسية. وعادةً ما ترث السلطات الجديدة أنماطًا عميقة من الفساد وعدم الكفاءة. وقد تتفتت الحركات التي توحدت في معارضة النظام الاستبدادي. وأحيانًا تتحلل منظمات المجتمع المدني التي ساهمت في حركات المعارضة التي تناهض الاستبداد أو تتبنى مواقف مُعَطِّلَة، خاصة بعد أن يدخل العديد من قادتها الأكثر موهبة في السياسة الحكومية أو الحزبية.

بناء علاقات بَنَّاءة بين الحكومة الجديدة والمعارضة الجديدة يبقى تحديًا مستمرًا. صحيح أن التنافس بين الحكومة ومعارضتها مفيد للديمقراطية، لكن حين تعوق المعارضة سير الحكومة تمامًا، أو تقمع الحكومة كل الانتقادات؛ يمكن أن يؤدي ذلك إلى تدمير التجربة بسرعة. كما يمكن أن يساعد القضاء المستقل، الذي يحاسب السلطة التنفيذية دون عرقلة الكثير من المبادرات الجديدة، إلى جانب وسائل الإعلام الحرة المسؤولة، في ترسيخ ديمقراطية مستدامة.

تلعب الأحزاب السياسية أيضًا دورًا مهمًا، طالما أنها لا تصبح مجرد أدوات في أيدي أفراد معينين وحاشيتهم. إذ توفر الأحزاب الديمقراطية المنظمة جيدًا والمعتمدة على برامج أفضل طريقة لإشراك المواطنين من جميع الطبقات، وتعبئة الضغط الفعّال، وتنظيم الدعم المستدام للسياسات، وتوجيه المطالب العامة إلى القنوات المناسبة، وتحديد القادة المهرة وتشجيعهم. يتطلب تطوير الأحزاب القوية اهتمامًا دقيقًا بالإجراءات والضمانات المتعلقة باختيار المرشحين وتمويل الحملات والوصول إلى وسائل الإعلام. وإلا فإن التحديات المستمرة للحكم الديمقراطي في غانا وإندونيسيا والفلبين ترجع جزئيًا إلى الأحزاب السياسية الضعيفة.

وعلى الرغم من أن التحولات عادة ما تكون ناجمة عن أسباب سياسية وليست اقتصادية، فإن التحديات الاقتصادية سرعان ما تصبح أولوية للحكومات الجديدة. قد يتعارض الحد من الفقر والبطالة مع الإصلاحات الاقتصادية اللازمة لتعزيز النمو طويل الأجل واستقرار الاقتصاد الكلي. لذلك يجب على الحكومة قبل تآكل الدعم الشعبي القوي أن تنفذ تدابير اجتماعية تخفف من المصاعب التي تتحملها أضعف الفئات، لكنها تحتاج في الوقت ذاته إلى ممارسة المسؤولية المالية. تبنى قادة جميع التحولات -التي درسها لوينثال وبيطار- نهجًا موجهًا نحو السوق وسياسات نقدية ومالية حكيمة للاقتصاد الكلي، لكن معظمهم فعلوا ذلك بحذر لتجنب تأجيج المخاوف الشعبية من بيع المصالح العامة لأصحاب الحظوة.

عالم متغير.. التدمير أسهل من إعادة البناء

يقول المصلح البرازيلي كاردوسو، الذي أصبح رئيسًا: «المشكلة هي أنه من السهل تعبئة الجماهير للتدمير، لكن من الصعب إعادة البناء». والتقنيات الحديثة لا تكفي وحدها لاتخاذ الخطوة التالية إلى الأمام. هناك حاجة إلى المؤسسات، إلى جانب القدرة على فهم القيادة ومعالجتها وممارستها مع مرور الوقت. وهو ما يؤكده رئيس غانا جون كوفور حين قال: «لا يمكن للجماهير بناء المؤسسات. لهذا السبب القيادة مهمة».

في السنوات المقبلة، ستضغط الحركات الاجتماعية ومنظمات المجتمع المدني على الأنظمة الاستبدادية بوتيرة وفعالية أكبر مما كانت عليه في الماضي، بدعمٍ من الشبكات الرقمية. ومع ذلك، لا يمكن لهذه الحركات أن تحل محل الأحزاب والقادة السياسيين. يجب أن تقوم هذه الجهات الفاعلة في نهاية المطاف ببناء المؤسسات، وتشكيل تحالفات انتخابية وحاكمة، وكسب الدعم العام، وإعداد وتنفيذ السياسات، وانتزاع التضحيات من أجل الصالح العام، وإلهام الناس للاعتقاد بأن الديمقراطية ممكنة، إلى جانب الحكم بفعالية.

يمكن تعبئة الشباب المتعلمين اليوم أكثر من أي وقت مضى للتظاهر في الساحات العامة من أجل الديمقراطية، لا سيما عندما تكون فرص العمل نادرة. ومع ذلك، ثمة تحدٍ يتمثل في إشراكهم باستمرار في بناء أحزاب سياسية دائمة ومؤسسات أخرى. والديمقراطية لا تخرج مباشرة أو بالضرورة من الحشود في الشارع. بل يتطلب بناء الديمقراطيات رؤية وتفاوضًا وحلولًا وسط وعملًا جادًا ومثابرة ومهارة وقيادة، وأيضًا بعض الحظ.

على الرغم من كل العقبات، إلا أن التحوُّلات الديمقراطية نجحت في الماضي. وتطبيق الدروس المستفادة من هذه التجارب الناجحة يمكن أن يساعد في إنهاء أنظمة الاستبداد وترسيخ أقدام ديمقراطيات مستدامة.

«نيويورك تايمز»: كتاب «في أيدي العسكر»: كيف أفشل ثوار يناير ثورتهم؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد