محمد صلاح عبد الجواد 7
محمد صلاح عبد الجواد 7

2,510

في عام 2014، أعلنت حكومة سنغافورة إدراج «التنمر» المدرسي ضمن قانون العقوبات الخاص بالتحرش والذي يعاقب المتنمر أو المذنب بغرامة مالية قد تصل إلى 10 آلاف دولار، فضلًا عن عقوبة الحبس التي تتراوح بين شهر وسنة. والتنمر هو ظاهرة عدوانية تنطوي على ممارسة السلوك العدواني اللفظي أو الجسدي من قبل فرد أو جماعة قوية جسمانيًا على فرد أو مجموعة آخرى هي أقل قوة لكي تتعامل مع التنمر.

وتنتشر ظاهرة التنمر بشكل كبير وواضح بين الأطفال في المدارس وعلى مواقع التواصل الاجتماعي مؤخرًا، ولا يؤثر التنمر على الطفل جسديًا فقط، بل نفسيًا وعقليًا وقد يدفعه أحيانًا للانتحار، وتشير الإحصاءات أن الأطفال الذين يتعرضون للتنمر هم عرضة للانتحار بنسبة تسع مرات أكثر من الأطفال العاديين، وفي كل عام يشهد العالم ما بين 15-25 حالة انتحار بين الأطفال بسبب التنمر.

كيف تعرف أن طفلك يتعرض للتنمر؟

نسبة قليلة من الأطفال قد يشكون من التنمر، وذلك لعدة أسباب منها أن التنمر يجعل الطفل يشعر بالعجز مما يدفعه لإخفاء حقيقة تعرضه للتنمر حتى يتمكن من استعادة قوته لكي يواجه التنمر بنفسه، وقد يخاف الطفل من الإفصاح عن تعرضه للتنمر حتى لا يتهمه أبواه أو أصدقاؤه بالضعف في مواجهة المتنمرين، وفي بعض الأحيان يخاف الأطفال من الشكوى حتى لا يكون للمتنمرين رد فعل وسلوك أكثر عنفًا. لذلك إن لم يعِر الأب أو المعلم انتباهًا لأي تغير غريب في سلوك الطفل، فبنسبة كبيرة لن يفصح الطفل عن تعرضه للتنمر.

دائمًا ما تظهر بعض الأعراض المختلفة على النواحي البدنية والنفسية والعقلية للطفل حال تعرضه للتنمر من زملائه في المدرسة، على سبيل المثال يمكن أن تظهر في جسد الطفل جروح جديدة ومختلفة كلما عاد من المدرسة، بعد أن تعرض للتنمر من قبل أحدهم الذي من الممكن أن يكون قد جرحه أو مزق ملابسه أو أتلف كتبه وأدواته المدرسية. وعلى الناحية النفسية قد تظهر العديد من الأعراض الأخرى مثل: معاناة الطفل من التغير المزاجي والأرق والكوابيس المتكررة، مصحوبة بتغير في العادات اليومية المرتبطة بالأكل والاستيقاظ. ولعل أشهر دلائل تعرض الطفل للتنمر، هو تدهور مستواه الدراسي وفقدانه الاهتمام بالواجبات والأنشطة المدرسية واختلاقه أسبابًا غير مقنعة لعدم الذهاب للمدرسة.

كيف تحمي طفلك من التنمر؟

الوقاية دائمًا خير من العلاج، ومن أجل تجنب تعرض طفلك أو تلميذك لأي من الاضطرابات النفسية؛ يجب أن تكون على اتصال معه وعلى دراية كاملة بما يحدث في فترة غيابه عن المنزل وبالأخص في الفترة التي يختلط فيها مع أقرانه في المدرسة أو في أي بيئة أخرى يتجمع فيها الأطفال، ولا تقع في خطأ أن تجعل الطفل يشعر بأنه مجبر على إخبارك بتفاصيل حياته، فهذا يمكن أن يجعله يخشى إخبارك بتفاصيل قد يعتقد أنها سوف تجعلك تعاقبه، ولكن الطريقة المثلى هي أن تحاول أن تكون صديقه بقدر الإمكان.

في إحدى المقابلات التلفزيونية صرح الممثل الأمريكي «كيفن هارت» أنه عود أطفاله على السخرية، حتى أنه في بعض الأوقات يحاول أن يستفز ابنه ويصف رأسه بأنها كبيرة، أو يقول له بشكل ساخر إن شكله يبدو متسخًا للغاية، ويبرر هارت ذلك بأنه يريد أن يسمع ابنه هذا منه قبل أن يسمعه من أحد المتنمرين عندما يذهب إلى المدرسة ويتأثر سلبًا بذلك، ويوضح أن ابنه لم يعد يبالي عندما يحاول والده استفزازه أو السخرية من شكله أو أفعاله، لذلك فهو مستعد لمواجهة أي محاولة للتنمر من أقرانه. بالطبع طريقة كيفن هارت ليست المثالية بالنسبة للعديد من خبراء التربية في التعامل مع الأمر، لكنها تظل طريقة مبتكرة وجريئة ولها من يؤيدها من خبراء التربية.

من الجيد أن يتعلم الطفل من أبويه عن التنمر قبل أن يشاهده أو يتعرض له، ومن المهم أن يتعلم الطفل الفرق بين الشجارات المعتادة بين الأطفال وبين التنمر الذي يعني أن يمارس عليه شخص آخر أذى جسديًا أو نفسيًا بشكل متكرر. ويرجح بعض أخصائيي التربية أن يتعلم الطفل كيف يحدث التنمر الذي غالبًا ما يبدأ بشكل شفهي  والذي يحدد إن كان الطفل أو الشخص الآخر سوف يزيد في التنمر إلى درجة الإيذاء الجسدي أم فقط سوف يكتفي بالتحرش اللفظي.

كما ذكرنا من قبل فإن إفصاح الطفل عن تعرضه للإيذاء الجسدي هو قرار صعب عليه للغاية، ولكن إن بدأ بالحديث يجب على الأب أو المدرس أن يحتوي مشاعره السلبية وأن يقدم له الدعم النفسي والعاطفي، ولا يلومه أو يُرجِع أسباب تعرضه للعنف أو للتنمر إلى ضعف شخصيته، ففي هذه الحالة من الممكن أن يفقد الطفل ثقته فيك كداعم له. ولا تتأخر عن  التدخل في حال علمك بتعرض طفلك للتنمر، ويكون التدخل فقط في شكل الحديث مع المدرس الخاص بالطفل في المدرسة أو أخصائي الشؤون الاجتماعية أو مدير المدرسة، ولا تحاول بأي شكل من الأشكال أن تتعرض للطفل أو المراهق الذي يمارس التمارض على طفلك، لأن هذا يمكن أن يزيد الأمر سوءًا.

ماذا لو كان طفلك هو المُتنمر؟

تظهر أعراض معاكسة تمامًا مع الطفل المتنمر، فهو دائما طفل يحب المنافسة ويقلق كثيرًا حول مظهره وسمعته، عادةً ما يعود إلى المنزل ومعه أموال أو أغراض ليست ملكه، ولا يتحمل عواقب ومسؤولية أخطائه الشخصية ودائمًا ما يلوم الآخرين عنها. يمتاز سلوكه بالعنف ويتشاجر كثيرًا مع أقرانه بشكل لفظي وبدني. والسبب الأساسي الذي يدفع الأطفال إلى التنمر على أقرانهم هو «الانتباه»، لأن كثيرًا منهم لا يحصل على الانتباه الكافي من أبويه في المنزل، وعلى الرغم من كون الرغبة في لفت الأنظار سببًا أساسيًا مشتركًا بين الكثير من الأطفال المتنمرين، إلا أن هناك أسبابًا أخرى من الممكن أن تدفع هؤلاء الأطفال للتنمر مثل: وجود أخ أو أخت كبيرة تمارس عليه التنمر في المنزل دون وجود رد فعل حازم من الأبوين، وفي أوقات كثيرة يشعر بعض الأطفال بالغيرة من الأطفال الآخرين فيمارسون عليهم التنمر لكي يثبتوا لأنفسهم أنهم أفضل وأقوى، وأحيانًا قد يمارس الأطفال التنمر لأن ذلك هو أفضل طريقة لإثبات الذات.

وبالطبع عزيزي القارئ قد يدور في مخيلتك الآن سؤال «ماذا إن كان طفلي من المتنمرين؟»، هناك الكثير من الحلول؛ أسوأها هو تعنيف الطفل سواء كان التعنيف لفظيًا أو جسديًا، وذلك لأن الأخصائين النفسيين يقولون إن العقاب العنيف يضعف من شخصية الطفل، وكما ذكرنا أن ضعف الشخصية هو من أحد الأسباب التي تدفع الأطفال نحو التنمر على الآخرين لكي يثبتوا لأنفسهم أنهم أقوياء، ولكن بدلًا من العنف، يمكنك استخدام لغة المحادثة الودية التي تختفي منها كل أشكال اللوم على الطفل، حاول أن تركز في محادثتك معه على العواقب التي تقع على الطفل ضحية التنمر، ومن المهم أن تسأله مجموعة الأسئلة التي قد تكون اعتيادية في مثل هذه المواقف «ماذا لو كنت أنت الضحية؟ كيف سيكون شعورك؟ هل كنت ستقبل بذلك؟».

هذه الأسئلة قد تجعله يدراك عواقب ما فعل وبالتأكيد سوف تسهم في تغيير فكرته عن التنمر. وإن نجحت في إفهامه العواقب؛ لا تفوت فرصة أن تتحدث معه عن أهمية تقدير الآخرين، وكيف كانت ستصبح نظرة أقرانه له إن لم يكن المتنمر، بل هو الشخص الذي دافع عن الطفل الذي كان يتعرض للتنمر، حاول أن تقنعه أن الأهم هو بناء الروابط الاجتماعية مع الأصدقاء من خلال ودهم وليس تحطيم تلك الروابط بالتنمر عليهم.