مع استمرار الفوضى التي أحدثها فيروس كورونا وإصابة الملايين به في جميع أنحاء العالم، أصبح العامة مهتمين بالدراسات الطبية التي تقدم أي توضيح أو توجيه، لكن الدراسات الخاطئة أو الأبحاث العلمية غير الكاملة أدت إلى الارتباك وظهور بعض نظريات المؤامرة، بل حتى الموت أحيانًا، عند تداولها دون التحقق منها أو فهم ما هو جيد منها وما هو سيئ.

وتعد الدراسات والأبحاث المنشورة في الدوريات والمجلات العلمية هي العمود الفقري للطب والقطاع الصحي، سواء بالنسبة لمتخصصي الرعاية الصحية مثل الأطباء، أو عامة الناس. والمجلات العلمية هي بمثابة الحارس الأمين لهذه الأبحاث بما يضمن الدقة والنزاهة والتوثيق.

هنا، نقدم دليلًا للتعرف إلى كيفية نشر الدراسات، ومتى نأخذ بنتائج دراسة ما؟ ونشرح عمليات المراجعة التي تخضع لها.

مشكلات الأبحاث العلمية الضعيفة.. ترامب نموذجًا

بالطبع فإن أي دراسة غير موثوقة حول فيروس كورونا الجديد – على سبيل المثال – يمكن أن تكون لها عواقب وخيمة. في مارس (آذار) 2020، أشارت دراسة فرنسية متفائلة في المجلة الدولية لعوامل مضادات الميكروبات، إلى أن عقار الكلوروكين يمكن أن يساعد ضد فيروس كورونا، لكن المجموعة التي خضعت للاختبار كانت صغيرة جدًّا.

وللأسف روَّج لهذه النتائج أشخاص مثل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وآخرون، بل حذف «تويتر» تغريدة للرئيس البرازيلي حول الأمر ذاته، وسمَّم بعض الأشخاص أنفسهم عبر تناول مادة كيميائية تشبه الكلوروكين، تستخدم لتنظيف أحواض السمك، ولها آثار جانبية شديدة.

وذكرت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية أنه لم يثبت أن الكلوروكين آمن وفعال لعلاج أو منع الإصابة بفيروس كورونا. وبعد شهر ربطت دراسة في مجلة «ذا لانسيت» المرموقة الكلوروكين بمعدلات وفيات أعلى، قبل أن يسحبها الباحثون القائمون عليها، لعدم قدرتهم على مراجعة البيانات المستخدمة في الدراسة بشكل مستقل.

تسبب هذا التخبط، الذي كان أحد أسبابه نشر دراسة ضعيفة لم تراع المنهجية العلمية المتكاملة، في تراجع ثقة الجمهور في الأبحاث العلمية، خاصة ما يتعلق منها بجائحة كورونا.

دراسات ما قبل النشر.. مجرد بحث أولي وغير مؤكد

المشكلة الأكبر التي تحدث ونواجهها كثيرًا في جائحة كورونا تحديدًا هي تلك الدراسات التي تكون في مرحلة «ما قبل الطباعة» أو «ما قبل النشر».

يطلق مصطلح «ما قبل الطباعة» (preprint) على أي مسودة كاملة لورقة بحث جرى مشاركتها علنًا قبل مراجعتها أو نشرها، وغالبًا ما تظهر هذه الدراسات على مواقع معروفة مثل «arXiv» و«medRxiv» و«bioRxiv».

هذه الممارسة تحدث بغرض السماح للباحثين بمشاركة النتائج مع الزملاء، وتحديد النواقص أو الادعاءات المختلفة. المشكلة هنا أن هذه الممارسة أيضًا يمكن أن تؤدي إلى وقوع معلومات لم يجر التحقق منها، وليست نهائية في أيدي الصحافيين، أو أصحاب نظريات المؤامرة؛ مما يتسبب في نشر معلومات غير دقيقة بين العامة.

على سبيل المثال: أفادت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية بأنَّه في نهاية شهر يناير (كانون الثاني) 2020 أشارت نسخة ما قبل الطباعة من دراسة على موقع «bioRxiv» إلى وجود تشابه غريب بين البروتينات في فيروس نقص المناعة البشرية وفيروس كورونا الجديد، لكن بعض النقاد شعروا بأن الدراسة كانت تغذي نظريات المؤامرة حول فيروس كورونا، وأنه جرى هندسته في مختبر، كما اشتكى آخرون من المنهجية المتسارعة والصدفة غير الدقيقة التي اعتمدت عليها الدراسة للتوصل إلى نتيجة لا تعني الكثير.

Embed from Getty Images

ولو كانت هذه الدراسة لمراجعة النظراء الخارجيين، لكانت هذه العيوب كافية للتسبب في رفض سريع لها، وما كانت لتساهم في نظريات المؤامرة والخوف من تفشي متعمد للمرض.

يشعر كثير من الخبراء بالقلق من احتمال إساءة الاستخدام، عندما ينشر المحتوى بسرعة في مثل هذه المواقع، ويؤخذ على أنه حقيقة عندما لا يكون مؤكدًا بعد. وتصدر المجلات ذات السمعة الطيبة طبعات مسبقة مع بيان ينص على إخلاء المسؤولية صراحةً، والقول بوضوح: «إن الطبعات المسبقة لا تخضع لمراجعة الأقران، ولا يجب استخدامها لصنع القرار في القطاع الطبي، أو إبلاغ النتائج إلى عامة الناس دون الإشارة إلى أنها مجرد بحث أولي وغير مؤكد بعد».

كيف تدقق المجلات العلمية الدراسات والأبحاث؟

نحصل على دراسة علمية سيئة عندما ترسل مجلة ما الدراسة للمراجعين، الذين ليسوا خبراء حقيقيين في مجال الدراسة، وعندما تفرض ضوابط غير كافية، أو تنشر دراسة في موضوعات غير تخصصها، أو ليس بها اختبارات غير عشوائية بدرجة كافية لتأكيد وجود علاقة ما.

أيضًا الاستنتاجات المكتوبة على عجل، والتي لا تستند كليًّا إلى النتائج العلمية والطبية، يمكن أن تؤدي إلى نتائج خاطئة، وكذلك سوء عملية التقييم الإحصائي للبيانات.

الدراسة العلمية الجيدة يجري كتابتها واختبارها باستخدام خطوات المنهج العلمي: العثور على مشكلة، وجمع البيانات، وطرح الفرضية، ثم تختبر تلك الفرضية تحت ضوابط صارمة، وتسجل النتائج، سواء أكانت تؤكد الفرضية أم تنفيها، حتى نصل إلى نتيجة.

تبدو كل هذه الخطوات مطمئنة ومعتادة في كل الدوريات العلمية، لكن ضوابط هذه الخطوات تختلف من مجلة لأخرى.

بالنسبة للمجلات الطبية أو العلمية ذات السمعة القوية، يكون عائق دخول دراسة ما ونشرها فيها مرتفعًا للغاية؛ إذ تقبل مجلة الجمعية الطبية الأمريكية (JAMA)، على سبيل المثال، 4% فقط من إجمالي أكثر من 5300 ورقة بحثية تتلقاها سنويًّا. ولكل مجلة طاقم مخصص للمراجعة تمر عليه هذه الدراسات أولًا، وإذا ما جرى قبولها، فإنها توضع تحت المراجعة من قبل نظراء وباحثين خارجيين.

مجلات علمية قوية وأخرى ضعيفة

بالنسبة لمجلة الجمعية الطبية الأمريكية، فإن ثلثي الأوراق البحثية يرفض من خلال طاقم المراجعة الأولي بدون الحاجة لمراجعة باحثين خارجيين، وثلث الأوراق البحثية فقط هو الذي يخضع لعملية مراجعة النظراء والباحثين الخارجيين، لنصل في الآخر إلى نسبة الـ4% فقط التي تقبل وتنشر في المجلة.

الطاقم المتخصص يقول بمراجعة الدراسات أولًا قبل أن يقوم خبراء خارجيين من نفس مجال كل دراسة بتحليلها والنظر في صحة النتائج، وكذلك أصالة البحث وأهميته، وآلية البحث المعتمدة وغيرها من المعايير.

المجلات الراسخة والقوية مثل «مجلة الجمعية الطبية الأمريكية (JAMA)» ومجلة «نيو إنجلند» الطبية (NEJM) ومجلة «ذا لانسيت»، تعتمد بقوة على مراجعة الخبراء والنظراء. يأتي هذا في وقت يحاول فيه العديد من المهنيين والخبراء الطبيين القيام بعمليات المراجعة في مثل هذه المجلات، لكن خبرتهم يجب أن تتوافق مع الدراسة عن كثب.

وبعد أن يراجع هؤلاء الخبراء الورقة البحثية ويضعون ملاحظاتهم، يحررها ويتحقق من الحقائق ويراجعها محرر مشارك، ونائب محرر، وكبير المحررين في المجلة. ووفقًا لموقع مجلة الجمعية الطبية الأمريكية، فإن متوسط​​الوقت الذي يستغرقه إرسال الدراسة حتى قبولها هو 30 يومًا. ثم 25 يومًا أخرى من القبول حتى تنشر عبر الإنترنت.

Embed from Getty Images

يكون الحكم على مدى قوة المجلات الطبية من خلال جودة مراجعة الخبراء، وجودة تحرير الدراسة التي يجرونها، والتحقق من الحقائق فيما يتعلق بالأرقام والإحصاءات، لتكون الأرقام في الدراسة المرسلة هي نفسها الأرقام الموجودة في الملخص المنشور على الإنترنت.

تلاحظ في المجلات القوية أيضًا أن اللغة التي تصف النتائج دقيقة، بما في ذلك ما إذا كانت النتائج يجب أن تمثل علاقات سببية أو غير عارضة أم لا. كذلك يجب فهرسة المجلة الطبية الموثوقة في المكتبة الوطنية للطب في الولايات المتحدة على سبيل المثال. ويجب أن يكون لديها أيضًا هيئة تحرير تتألف من خبراء في المجال الذي تغطيه المجلة. كما تعد القدرة على توزيع دراسة سواء مطبوعة أو إلكترونيًّا أمرًا بالغ الأهمية.

كذلك، فالوجود الكبير والنشط على وسائل التواصل الاجتماعي هو سمة مميزة متزايدة الأهمية لمجلة عالية الجودة. بالعودة لمجلة الجمعية الطبية الأمريكية نلاحظ أنها تغرد عدة مرات في اليوم إلى حوالي 367 ألف مشترك على «تويتر»، وهو رقم كبير في المجال الطبي العلمي.

تمويل الأبحاث العلمية.. عامل مهم

ربما لا يهم دائمًا من يمول الدراسة، فغالبًا ما يكون هناك الكثير من التدقيق حول مصادر التمويل للدراسات الطبية، خاصة إذا كانت تأتي من شركة أدوية أو مجموعات صناعية أخرى. ولكن إذا كانت الدراسة تستند إلى بحث أصلي وتستخدم تجارب سريرية عشوائية، فمن السهل إلى حد ما على المحررين التحقق من النتائج.

صحة

منذ 5 شهور
«جاء ليبقى».. دراسة حديثة تتوقع سلوك فيروس كورونا خلال السنوات الخمس القادمة

عندما لا تكون الدراسات مبنية على تجارب سريرية، أي عندما تكون طبيعتها الملاحظة والرقابة، فإن القراء بحاجة إلى أن يكونوا أكثر إدراكًا لمصدر التمويل. فكما يفعل المراجعون والمحررون، قد يكون مصدر التمويل ذا صلة. على سبيل المثال إذا وجدت دراسة تقول: «إن التدخين لا يرتبط بسرطان الرئة وأن الدراسة تعتمد على ملاحظة شريحة من المدخنين في دولة مثل الكونغو»، هنالك عليك أن تسأل من خلف هذه الدراسة، فإذا ما كان الممول شركة تبغ، أو مركزًا ما تموله شركة تبغ، فعليك بالتأكيد النظر إلى نتائج الدراسة بكثير من الشك.

هذا ينطبق على تمويل القطاع الصناعي، وكذلك المصادر الأكاديمية ومراكز الفكر؛ لأن كل هذه المؤسسات قد يقوم عليها جهات يوجد منافع أو تضارب في المصالح بينها وبين نتائج الدراسة. المجلات العلمية المرموقة توثق بالتفصيل أي تضارب محتمل في المصالح في التمويل المرتبط بالدراسات التي تنشرها.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد