نعيش في عالم مصمم ليمنحنا ما نعتقد أننا نريده، يُمجد قول «نعم» بمعانٍ مثل الانفتاح والشجاعة والمجازفة، ويحقر من قول «لا» ويصفه بالسلبية والأنانية والجبن أحيانًا؛ عالم لا يعترف بالخطوط الفاصلة بين المصلحة الذاتية والأنانية والضرورة، ونادرًا ما يحتفي بمن يضعون حاجزًا بين ذواتهم وتأثير الآخرين المؤذي، بل يحتفي بمن يفني حياته لإرضاء الآخرين.

رغم ذلك، يستحيل العيش في «عالم الكبار» دون تعلم مهارة قول «لا»، فهي واحدة من أكثر العادات الصحية التي يمكننا اتباعها في حياتنا؛ لأن الاستسلام لابتزاز الآخر لن يولد سوى مشاعر القلق والغضب، والضغط النفسي، والندم، والشعور بالعجز، بدءًا من ألاعيب العائلة والأصدقاء، وزملاء العمل، وحتى مندوبي المبيعات.

لماذا يصعب علينا قول «لا»؟

كتبت سوزان نيومان، عالمة النفس الاجتماعي، عن أسباب مواجهة معظمنا صعوبة في رفض طلبات الآخرين، في كتابها «250 طريقة لتقل لا واضحة، والتوقف عن إرضاء الآخرين إلى الأبد». فعندما كنا أطفالًا ومراهقين لم ننطق «لا» بحرية، تعلمنا أن نفعل ما يأمرنا به آباؤنا، وما يمليه علينا المدرسون، وغير ذلك يعرضنا للعقاب والهجر.

Embed from Getty Images

بالإضافة إلى ذلك يعتقد الناس غالبًا أن قول «نعم» سيجنبهم الظهور كأشخاص أنانيين أو كسولين، أو على الأقل يقيهم من المواجهة المحرجة التي قد تتبع قول «لا»، كما يفضل الكثير أن يكون محبوبًا على أن يكون سعيدًا، ويواصل السير في الطريق الخطأ، لأنه ببساطة لن يقوى على قراءة لافتات الطريق وهي تنذره «احذر.. من تحبهم يستغلونك.. ما تفعله ليس لصالحك».

وتقول نيومان، إن قول «نعم» يصبح عادة وإدمانًا، فالبعض ببساطة لا يستطيع  قول «لا»، ويضع المزيد والمزيد من الضغط على نفسه، تلبية لمتطلبات السلطة الأعلى، متمثلة في الحب والأمان والمال والعمل، بالضبط كما يمثل قول «لا» تحديًا أكبر للنساء بسبب الضغوط المجتمعية التي تصنفهن فضليات إذا امتثلن للأوامر، في حين لا يزال يُنظر إلى الرجال بشكل أفضل إذا كانوا حازمين.

هذه النصائح ستساعدك في قول «لا» دون تجريح

لقد اخترعنا طرقًا للإشارة إلى أننا نميل للرفض، دون الحاجة إلى النظر في أعين أي شخص وقول «لا»، وستندهش من عدد البدائل المقبولة اجتماعيًّا لهذه الكلمة البسيطة المكونة من مقطع واحد.

والآن، لأولئك الذين قالوا «نعم» مرات عديدة، ويحتاجون إلى التخلص من الاستغلال والشعور بالذنب، إليك عدة نصائح قدمها المعالجون النفسيون حول كيفية وضع حد لرغبتك في إرضاء الآخرين:

1– أنت بحاجة لمعرفة حدودك قبل أن يخمنها الجميع، وستحتاج لتأكيدها كلما شعرت بعدم الارتياح، والذنب، والاستياء.

نعرف أنه ليس سهلًا أن نضع حدودًا أمام الأصدقاء والعائلة، لكن إذا شعرت بالذنب وأنت بصدد قول «لا» لطلبهم، فستكون «لا» متوترة، رغم أنه مسموح لك أن تقول «شكرًا، لكن لا يناسبني ذلك الموعد»، وهذا لا يعني أنك لن تراهم ثانية أو أنك لا تحبهم.

2- حاول الانتصار على صراعاتك الداخلية، واضبط رغباتك المؤذية لنفسك أولًا، بقول «لا» لما يتعارض مع مصلحتك، ثم فكر في الخط الفاصل بين حب الذات والأنانية، وبين وفائك لمبادئك وقيمك وبين ابتزازك تحت مظلة الصداقة والعائلة.

تأكد أنه إذا أحبك من حولك لكونك سهلًا، بسيطًا، تُكثر من قول «نعم»، فإنهم سيحبونك لشخصك أكثر إذا قلت «لا» عندما يتعارض القبول مع مصلحتك الخاصة؛ ما سيشعرهم بأنك شخص مسؤول ومحل ثقة.

3- تنصحك «الجمعية الأمريكية للطب النفسي-APA» بتحديد أولوياتك، لأنها المفتاح لمعرفة الالتزامات التي ترغب في تحملها، بدلًا من تحمل أولويات الآخرين.

كن واضحًا وصادقًا مع نفسك بشأن ما تريده حقًّا، واكتب أولوياتك وأهدافك الأسبوعية والشهرية، ليمكنك المقارنة بين أهمية حضور عرس وإنهاء مهامك المجدولة في اليوم نفسه، مع وضع الجوانب الإيجابية المحتملة لما يطلبه منك الآخرون في الاعتبار، سواء كان أستاذًا أو مشرفًا أو فردًا من العائلة أو صديقًا، واسأل نفسك: هل يتماشى هذا الطلب مع أهدافي؟

4- في بعض الأحيان سيطلب منك الناس أن تفعل شيئًا لمجرد أنهم يعرفون أنك ستقول «نعم» بدافع الخجل، وينتهي بك الأمر إلى تلقي المزيد والمزيد من الطلبات التي لا تحلم أنت بأن تطلبها من أحد، بل تضعها في بند الرفاهيات في حياتك الخاصة، وعندها يجب أن تواجه رغباتهم بحزم وقول «لا» واضحة، لحماية نفسك من استغلالهم.

5- قل «لا» ببساطة وإيجاز، ولا تشعر بأنك مضطر لتقديم أعذار مسبقة عن سبب رفضك، واشكر الشخص على دعوته، لأنك إذا أعطيت شرحًا مطولًا، وبدأت بسرد المبررات والأعذار، سيعرف الشخص أن بإمكانه دفعك للقبول بقليل من الإقناع.

كذلك، لا تنفعل وتقول «هذا ما أنا عليه، هذا ما سأفعله، ليس من شأن أحد السؤال عن سبب اختياراتي»، وخفف من لغتك الحادة، فالهدوء الخارجي يساعد على تهدئة الاضطرابات الداخلية، وسيقلل من التأثير السلبي للرفض في ذهن من حولك.

Embed from Getty Images

6- اقترح تقرير بمجلة «سيكولوجي توداي (Psychology Today)» تصميم عبارتك الخاصة للرفض، والاستمرار في تكرارها، بغض النظر عما يأتي في طريقك، بقولك «أفضل العمل على مهامي هذا الأسبوع»، «تلك فكرة جيدة، لكنني لن أتمكن من كذا»، أو أية صياغة يمكنك فيها استخدام نظرية «الشطيرة» للرفض اللبق، وفيها تبدأ بشيء إيجابي، ثم تمرر عبارة الرفض بهدوء، وتختم بشيء إيجابي آخر مثل «لقد استمتعت جدًّا بالوقت الذي قضيناه معًا».

وجدير بالذكر، أنك إذا تدربت على ذلك لفترة طويلة، ستصبح هادئًا بما يكفي للاستماع إلى أي طلب غير مناسب وغير مريح، والتوقف لالتقاط الأنفاس، ثم قوْل ردك المكون من كلمة واحدة دون تبرير: «لا».

7- امنح نفسك وقتًا تفكر فيه بعناية في قول «نعم» أو «لا» للطلب، واستبدل بـ«نعم» الخجولة عبارة «سأفكر في الأمر» ضمن خطتك لتمهيد الرفض؛ فالرفض الذي يتبع قرارًا مدروسًا أهدأ من الرفض الذي يغذيه الدافع العاطفي.

8- لا تعد السؤال عن سبب رفضك تدخلًا في شؤونك، فإذا كنت تحب التسكع على انفراد وتكره الحفلات، أخبرهم بذلك، ويمكنك أيضًا الاعتذار عن عدم قدرتك على الإفصاح عن السبب، لكن دون توتر قد يؤثر في العلاقة.

9- تذكر أنك ترفض طلبًا وليس شخصًا، فعادة ما يتفهم الناس رغبتك في الرفض إذا كان من حقهم الطلب، كما أنك لست مسؤولًا عن رد فعل الآخرين تجاه حدود حياتك الخاصة، ففي بعض الأحيان سيشعر الناس بالأذى وخيبة الأمل عندما يصطدمون بحدودك، وتلك مشاعر طبيعية، نشعر بها عندما لا نحصل على ما أردناه أو كنا نأمله.

علوم

منذ 3 شهور
ربما لن تصدق.. جيناتك قد تكون مسئولة عن نجاح علاقاتك العاطفية أو فشلها!

10- من المحتمل أن ترفض بحزم أكبر إذا أدركت أو تخيلت أن عواقب القبول لن تضر بمصلحتك أنت، بل ستضر بأسرتك، وأنت هنا موكل للرد نيابة عنهم، فلا يمكنك استضافة أصدقائك بالمنزل لأن أطفالك ينامون مبكرًا، ولا يمكنك تقبيل أحد لأنك تخشى على صحة والدتك المسنة من التقاط عدوى.

11- فكر في حل وسط يناسبك أنت ومن يطلب منك شيئًا إذا كنت ترغب في ذلك. تجنب المساومة إذا كنت تريد القبول أو الرفض، فلا تجعل الشخص الآخر معلقًا في انتظار ردك، ففي حين أنه من الجيد أن تطلب بضعة أيام للتفكير في طلب ما، لا يصح أن تتحول الأيام لأسابيع أو تتجاهل الطلب على أمل نسيانه، لأن الرد بالرفض لن تكون تداعياته أسوأ من عدم احترام الآخرين والهروب من مواجهتهم.

12- قد تواجه حربًا من بعض الأشخاص الذين يرون خصوصية الآخرين على أنها إهانة شخصية، فيتحدونك، ويضغطون عليك لتبرير موقفك، واختبار قدرتك على الصمود.

قد تتردد قبل خوض تلك المعركة، لأنك سرعان ما ترى الألم الذي خلفه رفضك، من نظرة جريحة، ودموع، وخيبة أمل، لكن قد تكون تلك أسبابًا وجيهة لعدم التنازل عن الرفض في مواجهة الابتزاز الفج.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد