هل تتخيل أن يلومك شخص ما على كل ما تقوم به؟ هل تتخيل أن يعتبر هذا الشخص لومك وتقريعك الدائم هو الطريق لجعلك تُصبح أفضل وأكثر تميزًا؟ ماذا يكون شعورك لو كان تصوّر هذا الشخص عنك أن كلمات الإطراء والإيجابية لن تصنع معك فرقًا، وأنك لا تحتاجها؟ ماذا بعد كل هذا لو كُنت تستمد قدرتك على الحديث الذاتي الإيجابي مع نفسك من هذا الشخص؟ هل شعرت بشعور بالغ السوء من مُجرد تصور الوضع السابق؟ أنت الآن مكان طفلك تمامًا الذي تنتقده.

يحتاج الأطفال إلى الشعور بالإيجابية مثل البالغين، عندما يتحقق لهم هذا تنفتح عقولهم ويُساعدهم هذا على الاكتشاف والتعلم والتميز. الحديث الذاتي الإيجابي هو رُبما أهم درجات الإيجابية التي يحتاجها طفلك، وهو الأمر الذي ربُما يستمده منك ومن إيمانك به ومن الكلمات التي تُلقيها على مسامعه دومًا، فقط تابع قراءة السطور التالية للتعرّف على الحديث الذاتي الإيجابي، وما هي أهميته، وكيف يُمكنك تشجيع طفلك على القيام به.

ما هو الحديث الذاتي الإيجابي؟

هل تسمع الصوت الدائم في رأسك الذي لا ينقطع؟ ذاك الصوت الذي يلومك أو يُقرعك أو يُحفزك؟ هذا هو الحديث الذاتي، وفي لفظ آخر يُمكن اعتبار الحديث الذاتي هو تحدثنا إلى أنفسنا. طفلك يُحدث نفسه أيضًا، ويدور في رأسه هذا الصوت مثلك.

يمكن تدعيم الحديث الذاتي بإيجابية عند طفلك مما يدعم احترامه لذاته وزيادة ثقته بنفسه. عندما تُشجع طفلك على الحديث الذاتي الإيجابي، فإنك تضمن له أن يُصبح أكثر سعادة، وأكثر ثقة، بالإضافة إلى دعم صحته العقلية والبدنية.

Embed from Getty Images

لا يعني الحديث الذاتي الإيجابي تعليم طفلك كبح مشاعره السلبية، ولا يعني أيضًا إجباره على التفكير بإيجابية طوال الوقت، فهذا ما يُطلق عليه الإيجابية السامة، وهي أمر بالغ الخطورة، فالإيجابية السامة تُعلّمنا أن نرفض المشاعر السلبية، وهي جزء من ذواتنا وطبيعة حياتنا على أي حال، هذا الرفض يزيد حالة المشاعر السلبية سوءًا، ويؤدي إلى تدهور الصحة العقلية والجسدية.

الحديث الذاتي الإيجابي هنا يعني كيفية التعامل الفعّال مع المشاعر السلبية وإدارتها، وكيفية تحفيز الذات بدلًا عن إحباطها وقمعها، فيمكن للأفكار السلبية عندما تتحكم في طفلك أن تستنزفه وتثبط ثقته بنفسه. الأطفال، وخاصة في مرحلة ما قبل سن المراهقة والمراهقين، عُرضة للشك في ذواتهم. فيمكن أن يكون لديهم الكثير من الأفكار السلبية التي تُرهقهم، وتُقلل من ثقتهم بأنفسهم. إذا علّمت طفلك كيفية الحديث الذاتي الإيجابي، فيمكن أن يمنحهم هذا القدرة على تغيير مشاعره من «لا أستطيع» إلى «نعم، يمكنني ذلك».

أهمية الحديث الذاتي الإيجابي للأطفال

الحديث الذاتي الإيجابي يُمكّن طفلك من تحقيق بعض الفوائد، منها:

اكتساب الثقة بالنفس

تخيل أن يكون الصوت الذي بداخلك هو أول من يضطهدك، ويُخبرك كم أنت سيئ، أو عاجز، أو ضعيف، فكيف ستكون حال ثقتك بنفسك؟ إذا كُنت أنت أول من يرفض ذاتك، فكيف ستفكر في أن الآخرين سيقبلونك؟ هذا هو الحال مع طفلك أيضًا. على النقيض من هذه الصورة، عندما يتعلم طفلك الحديث الذاتي الإيجابي، فإنه سيُصبح داعمًا لذاته وأكثر ثقة بنفسه.

يُطوّر موقفًا إيجابيًا تجاه الحياة

مؤكد أن الحياة ستُصبح أكثر صعوبة على طفلك إذا كان حديثه لنفسه سلبي بشكل دائم، هذا الأمر قد يجعله ينظر إلى الأمور حوله من أسوأ نقطة مُمكنة، وقد يجعله هذا لا يتخيل إلا السيناريوهات الكئيبة والمُحزنة، فإذا أردت تجنب هذا وجعل طفلك يُطوّر موقفًا إيجابيًا تجاه الحياة فعليك تعليمه الحديث الذاتي الإيجابي.

تعلم التعامل مع المواقف الصعبة

يحتاج التعامل مع المواقف الصعبة إلى قوة ذاتية كبيرة، فإذا كُان طفلك غارقًا في دوامة الأفكار السلبية فلن يستطيع الخروج من رأسه للتفكير في المُشكلات بشكل عملي ومنطقي ومُحاولة إيجاد الحلول اللازمة لها، أما إذا كان حديثه لنفسه من هذا القبيل: «سأستطيع فعل هذا، يحتاج الأمر فقط إلى بذل المزيد من الجهد» فمؤكد أنه سيُصبح أكثر فعّالية ونجاحًا في التعامل مع المواقف الصعبة وحل المُشكلات.

سيمتن لك طفلك ويُدرك قيمتك كوالد

هل سمعت من قبل عن تلك الأزمات التي يمر بها بعض الأبناء مع والديهم؟ هل رأيت أحدهم غاضبًا من أحد والديه؛ لأنه كان قاسيًا عليه، أو لأنه لم يُعلمه كيف يُحب نفسه؟ هل أخبرك أحدهم أن الكلمات السلبية التي كان يُلقيها على مسامعه أحد والديه وكان يغضب منها، أصبحت هذه الكلمات هي صوته الداخلي الذي يُكرره لنفسه مرارًا وتكرارًا؟

عليك والدًا تجنب كل هذا، علّم طفلك كيف يُحب نفسه ويحترمها، هذا هو الطريق لبدء تعلم الحديث الذاتي الإيجابي، عند تحقيق هذا سيمتن لك طفلك كثيرًا، ويدرك قيمتك والدًا.

طرق لتعليم طفلك وتشجيعهم على الحديث الذاتي الإيجابي

إذا كان طفلك متشائمًا ويتحدث لنفسه بشكل سلبي دومًا، فلا داعي للقلق. هناك بعض الطرق التي يُمكنك من خلالها تشجيعهم على التفكير بإيجابية، وبالتالي تحسين الحديث الذاتي الإيجابي، منها:

عرّف طفلك ما هو الحديث الذاتي وأهمية أن يكون إيجابيًا

الخطوة الأولى لمساعدة طفلك في بدء حديث ذاتي إيجابي، هي جعله يعرف من الأساس ما هو الحديث الذاتي، وما هي الأفكار السلبية، وما هي الأفكار الإيجابية، وما ضرر الاستسلام للأفكار السلبية؟ وما أهمية التحلي بالأفكار الإيجابية؟

Embed from Getty Images

اطلب من طفلك التعرّف على الأشياء التي يشعرون بالضعف حيالها، والأشياء التي يتمتعون فيها بالقوة. اسألهم ما المشاعر التي تنتابهم عند القيام بمهمة معينة، ستجعلهم هذه الأسئلة على دراية بأفكارهم ومشاعرهم الداخلية.

اشرح كيف تؤثر الأفكار على المشاعر

الآن بعد أن فهم طفلك الفرق بين الأفكار الإيجابية والسلبية، وضح له كيف أن التفكير السلبي يمكن أن يجعله يشعر بطريقة معينة، فمثلًا اسأله عما سيشعر به إذا فكر أنه سيخفق في التمرين القادم، سيُخبرك مثلًا أنه سيشعر بالخوف والقلق، اسأله ماذا لو كان جيدًا إلى الحدّ الذي جعل مُدربه يمدحه، سيُخبرك أنه سيشعر بالفرح والسعادة. حدثه أن المشاعر التي قالها قد شعر بها من مُجرد الفكرة، وأنه لم يحدث أي شيء في العالم الواقعي، اشرح له كيف تملك الأفكار وحدها قدرة مذهلة على تكوين المشاعر.

تحليل الأفكار والمشاعر

بمجرد أن يفهم طفلك ما هو الحديث الذاتي، ابدأ بتعريفه الوسيلة التي يُمكنه من خلالها ملاحظة وتتبع هذا الحديث، يُمكن أن تكون هذه الوسيلة هي الكتابة، ويمكنك أن تطلب منه تدوين مشاعره في يوميات أو جدول حتى يتمكن من ملاحظة التغييرات لاحقًا. اجعله يكتب ما لا يقل عن خمس فِكَر داخلية في اليوم، واعمل معه على تحليل ومُحاولة فهم هذه الأفكار بما تحمله من مشاعر.

على الرغم من أن الأطفال لديهم أفكار عشوائية دائمة، لكن هناك أوقات يكون لديهم خلالها نفس الأفكار بشكل متكرر. قد يكون نمط الأفكار المُتكررة هذا هو الخجل أو الرغبة في العزلة أو السعادة بعد أداء التمرينات الرياضية، وبمرور الوقت ستتمكن من رؤية هذه الأنماط.

قم بتسمية الصوت الداخلي السلبي

تسمية الصوت الداخلي السلبي لدى طفلك يساعده على التغلب على أفكاره السلبية. يُمكنك منح هذا الصوت اسمًا مضحكًا، وهو ما سيُضفي على الأمر الكثير من المرح لطفلك. حين تقوم بتسمية الصوت السلبي، سيبدأ طفلك بالتفكير في عواطفه السلبية كشيء منفصل عن ذاته؛ مما يُمكنه من التعامل معها وعدم التوحد معها.

عرّف طفلك أن الحديث الذاتي الإيجابي يحتاج إلى ممارسة

قد يُحبط طفلك من أن الأفكار والمشاعر السلبية تُطارده بسهولة وبشكل تلقائي، ولا يستطيع في المقابل أن يستحضر فكرة إيجابية بسهولة، دع طفلك يعرف أن استخدام الحديث الإيجابي مع الذات يتطلب ممارسة. تمامًا مثلما تحتاج تقوية العضلات إلى الجري باستمرار وعدم التوقف عن أداء التمارين. أخبره أن التوصل إلى الحديث الذاتي الإيجابي يحتاج إلى تمرين وممارسة ليصبح عقله أقوى، ويتمكن من اتخاذ خيارات صحية.

اطلب من طفلك أن يقول شيئًا إيجابيًا عن نفسه

اطلب من طفلك أن يقول شيئًا إيجابيًا عن نفسه. علّمه أن هذه الأشياء الإيجابية التي أصبح يعرفها عن نفسه يُمكنه تكرارها في أي وقت يكون فيه على وشك تجربة شيء جديد أو صعب، ويشعر بالخوف والقلق والتردد، يمكن لهذه العبارات الإيجابية أن تصبح لبنة بناء للثقة.

علّمه كيفية إضفاء لمسة إيجابية على الأشياء السلبية

حتى عندما يُخطئ طفلك، أو يفعل شيئًا سيئًا، علّمه كيف يُضفي على هذا لمسة إيجابية، فمثلًا إذا لم يستطع أن يحلّ مسألة رياضية بواجبه المدرسي، فبدلًا عن أن يقول «لا أستطيع حلّها، أنا سيئ» اطلب منه إعادة صياغة الجملة على النحو التالي: «سأتعلم كيف يُمكن حلّها، لأنجح في حل المسائل التالية». عرّفه أنه لا يُمكنه التحكم فيما يحدث له، لكن يمكنه تمامًا التحكم في الطريقة التي ينظر بها إلى الأمور، هذه الطريقة التي ينظر بها ستُمكنه من تغيير كل شيء بعد ذلك للأفضل.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد