بعد مرور أكثر من خمسة أعوامٍ على اندلاع حرب اليمن التي تدورُ مفرداتها حول «إعادة الشرعية اليمنية»، تعقدت الأبعاد السياسية والعسكرية لكل الأطراف؛ فالحرب الرئيسية ضد الحوثيين الذين انقلبوا على العاصمة صنعاء في سبتمبر (أيلول) عام 2014 باتت أضعف حلقات الصراع في ظل انضمام خصوم جدد، فرضوا بقوة السلاح ما عجزوا عنه بمنطق السياسة، وهي المعادلة التي أفرزت بالمقابل عدة حروبٍ داخل حرب واحدة ممتدة لا تلوح نهايتها في الأفق القريب أو البعيد.

يصفُ مراسل صحيفة «الجارديان» البريطانية سير المعارك ميدانيًّا على الأرض، بأنه: «لا يمكن لأحد معرفة عدوه، لأنه لا يوجد زيٌّ مخصص لأحد»، بينما الفوضى الحقيقية يبرزها الواقع السياسي المضطرب على وقع شبكة مُعقدة من التحالفات الخفية والمتغيرة بين أبطال الصراع الستة: (السعودية، والإمارات، والحوثيون، والحكومة اليمنية، وحزب الإصلاح، والمجلس الانتقالي). التقرير التالي يبسط لك من البداية خريطة الصراع اليمني بعيدًا عن خيوطها المتشابكة.

الفصل الذي لا يُحكى عادةً.. خيانة وصراع مذهبي وخُدعة ساذجة

في فبراير (شباط) عام 2012، وبعد عامٍ كاملٍ من الثورة اليمنية، وصل الرئيس المؤقت هادي إلى السُلطة لمدة عامين انتقاليين في انتخاباتٍ لم تسع أكثر من مرشحٍ واحدٍ، ليمثل صعوده بعدها انتصارًا رمزيًّا للجنوب اليمني الذي تخلى للتو عن أحلامه الانفصالية بوصول أحد أبنائه للحكم منذ الوحدة اليمنية عام 1990.

وصول الجنوب اليمني السُني إلى صدارة السُلطة المركزية، أفرز مخاوف مذهبية لدى أقلية الشمال الزيدي الذي كان يمثله طيلة عقدين الرئيس السابق علي عبد الله صالح، ولأن العهد الجديد شهد سيطرة مُطلقة لنخب سياسية ممثلة في حزب التجمع اليمني للإصلاح، المحسوب على جماعة الإخوان المسلمين، خشي الحوثيون من زحفٍ سُنيٍ صوب معاقلهم، فبدأت مُبكرًا مواجهات مسلحة في محافظة صعدة -شمال غرب صنعاء وقلعة الحوثيين السياسية – انتهت بإجبار السلفيين على مغادرة المحافظة صوب العاصمة.

امتدت الاشتباكات بعدها في عدة محافظاتٍ شمالية مع دخول خصم جديد ضد الجماعة الزيدية الشيعية، هو حزب الإصلاح، وفي المقابل أعلن الحوثيون الحرب على نائب الرئيس اليمني، علي محسن الأحمر، حليف السعودية وقطر المحسوب على حزب الإصلاح، وقائد الفرقة الأولى مدرع التي دمرتها جماعة الحوثي فيما بعد.

وصل الحوثيون إلى قناعة مفادها أنّ وجود صنعاء خارج سيطرتهم يمثل خطرًا على مستقبلهم السياسي في اليمن في ظل الحكم الجديد، لذا فقد سيطروا في سبتمبر عام 2014 على العاصمة صنعاء، لتتوصل الحكومة اليمنية بعدها معهم لاتفاقية سياسية عرفت باسم «اتفاق السلم والشراكة الوطنية» لتقاسم السُلطة، وأعلنت الجماعة حينها أن تحركاتها داخل العاصمة كانت تستهدف الفرقة الأولى مدرع، بالإضافة إلى جامعة الإيمان السلفية، لكن يبدو أن قصة سقوط صنعاء كانت ذات أبعاد أخرى كاشفة.

تقاطعت الأحداث في صنعاء مع سياسة إقليمية جديدة شكَّلتها ثورات الربيع العربي، وهدفت إلى تقليم أظافر قطر في المنطقة، والقضاء على كل حلفائها، بما في ذلك الإخوان المسلمون في اليمن، وبحسب التسريبات، وقَّع الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح اتفاقية سرية مع زعيم الحوثيين، نصَّت على حياد قوات الحرس الجمهوري التابعة له.

في الوقت نفسه حصل هادي على ضماناتٍ ووعودٍ بأنَّ تحركات الحوثي داخل صنعاء ستنحصر في التخلص من حزب الإصلاح والسلفيين وليست إطاحته، لذا التزم هادي الصمت رسميًّا أملًا في خروج الحوثيين من العاصمة بعد تحقيق أهدافهم، واللافت أن الولايات المتحدة لم تصف أحداث الاستيلاء على العاصمة بالانقلاب، إلى جانب الصمت السعودي الذي استمر ستة أشهرٍ حتى قررت المملكة خوض الصراع تحت شعار «إعادة الشرعية»، بعدما حصدت مكاسب استراتيجية من المشهد دون أن تطلق رصاصةً واحدة، وكان الخاسر الوحيد مما حدث هو هادي وحزب الإصلاح.

الحوثيون والسعودية.. من يمسك طرف العصا؟

لم يكن للحوثيين حتى ذلك الوقت في ظل قيادة زعيم ثلاثيني شاب – عبد الملك الحوثي – خبرة كافية تمكنهم من العمل السياسي وفق الوضع الجديد، خاصةً أنَّ نجاحهم العسكري ارتبط باعتباراتٍ إقليمية ودولية مكنتهم من كسب المعركة العسكرية على الأرض، لذا عمد الحوثيون الذين سيطروا سيطرة كاملة على 12 محافظة من أصل 22، للدفاع عن مكتسباتهم مهما كلف الأمر.

(مندوب الحوثيين يسار مع ممثل الحكومة اليمينة يمين في السويد عام 2018)

مع دخول السعودية اليمن في مارس (آذار) عام 2015، استطاعت قوات التحالف العربي السيطرة على أماكن واسعة دون خسائر تُذكر، حتى وصلت إلى مديرية «نهم» التي تبعد عن صنعاء 20 كيلو مترًا فقط، لكنَّ المعارك توقفت طيلة أربعة سنواتٍ، رغم أنّ تلك الجبهة يُشار إليها بأنها البوابة الشرقية لصنعاء، وأضعف ثغرة للحوثيين.

رفضت المملكة التقدم بجيشها داخل العاصمة، كما رفضت تقديم الدعم العسكري لقوات المقاومة، لأنه في حالة طرد الحوثيين من صنعاء، فسيستفيد حزب الإصلاح من الانتصار الذي لم يكن شريكًا فيه، والسعودية في ذلك الموقف في مواجهة اثنين من أعدائها – عدوها السني والشيعي – وفي الوقت نفسه كانت المشاورات السرية تحاول إقناع صالح بفض شراكته مع الحوثيين، وأن تضمن السعودية له العودة للحكم مرة أخرى، مقابل أن يقطع الطريق على الحوثيين والإخوان معًا، لكنّ الخُطة فشلت باغتياله في أواخر ديسمبر (كانون الأول) عام 2017.

اغتيال صالح وعدم وجود شريك جديد، إضافة إلى تطوير الحوثيين ترسانتهم العسكرية التي مكنتهم من قلب موازين القوى ومسار المعارك على الأرض، دفع السعودية مضطرة للتفاوض مباشرةً مع الحوثيين، واعتبارهم لأول مرةٍ جزءًا من الحل السياسي، لكن التفاوضات السرية في فترة عدم التصعيد، وما تبعها من أكثر من هدنة معلنة، لم تفض إلى أية حلول؛ لأنَّ الرؤى بين الطرفين ما زالت متباعدة.

عربي

منذ شهر
لماذا عاد التصعيد مُجددًا بين الحوثيين والسعودية؟ 4 أسباب تشرح لك

يبحث الحوثيون عن حلٍّ نهائي لوجودهم وتمثيلهم السياسي في زمن ما بعد الحرب، بينما ترفض السعودية الاعتراف النهائي بهم وتراهم خطرًا إقليميًّا على حدودها، وتصر على الحسم العسكري في وقتٍ تنامت فيه القدرات العسكرية للحوثيين؛ بما يشكلُ نوعًا من الصعوبة في المفاوضات، لذا فبينما يرفض الحوثيون الهدنة لأنها لا تدفع لمسار سياسي جاد ونهائي، تجد فيها السعودية استراحة محارب لترتيب قواتها. لكنَّ السعودية التي رتبت أوراقها جيدًا في اليمن، لا ترغبُ في مواجهة فاصلة مع الحوثي، قبل إيجاد حل لحزب الإصلاح، واقتلاعه من المشهد اليمني المستقبلي على ما يبدو، لذا فإعادة الشرعية اليمنية ربما لا تكون حاليًا من أولويات التحالف العربي.

الحكومة اليمنية والإصلاح.. حلفاءٌ في مركب غارق

انتهج هادي الحياد الرسمي ضد توغل الحوثيين وإسقاطهم المعقل الرئيس لحلفائه – حزب الإصلاح – الذين تعاظم دورهم في المشهد السياسي في مقابل أن يستمر وجوده مستقبليًّا، لكنَّ كافة الوعود لم تتحقق، ووجد هادي نفسه مضطرًّا إلى الهرب من اليمن متوجهًا إلى عُمان، ومنها إلى الرياض، حيث بات فيها حبيسًا، وأقل شرعيةٍ من ذي قبل.

عقب انقلاب الحوثي، أجبر الرئيس هادي على الاستقالة من منصبه بعد اقتحام القصر الرئاسي، تزامنًا مع الهزيمة العسكرية التي مُنيت بها ميليشيات حزب الإصلاح، وهو المشهد الذي رسم مصيرًا جديدًا في علاقة الرئيس اليمني مع الحزب الذي بات حاليًا يُتهم بالتحكم في القرار اليمني عبر نائب الرئيس علي محسن الأحمر، صاحب النفوذ الواسع داخل الجيش اليمني، وهي العلاقة التي تحاول السعودية فك ارتباطها دون جدوى، بعدما ارتبط كل واحدٍ بمصير الآخر.

طلب هادي من السعودية المساعدة ضد الحوثيين، والتدخل تحت شعار إعادة الشرعية، وبعد خمس سنوات من الحرب، أصبح هادي يواجه عدوًّا في الشمال، وآخر في الجنوب ممثلًا في المجلس الانتقالي المدعوم إماراتيًّا، والطامح أيضًا في الانفصال، إلى جانب أن التحالف العربي نفسه بات يدعم خروج حزب الإصلاح من المشهد السياسي، وهي المقاربة التي جمعت كل أطراف الصراع ضد هادي، الذي بات يواجه حربًا من كل الجهات لانتزاع كافة المناطق التي يسيطر عليها.

تبرز القصة بوضوح في أحدث التطورات العسكرية على الأرض، ففي مارس (آذار) الماضي، سقطت محافظة الجوف – شمال اليمن – في أيدي الحوثيين في معركةٍ قلبت موازين القوى في تلك الجغرافيا تحديدًا، وانتصار الحوثي لم يكن راجعًا لتفوق عسكريٍ لافت وحسب، فالسعودية لم تتدخل لمنع إسقاط ثاني أكبر المحافظات اليمنية التي يوجد فيها حزب الإصلاح، بحسب اتهاماتٍ رسميةٍ لم ترد عليها السعودية حتى الآن.

لم يتبق في الشمال تحت سيطرة الحكومة سوى محافظة مأرب النفطية، المعقل الرئيس لحزب الإصلاح، والتي تعد المقر الرئيس للحكومة، حيث تحتضن مقر وزارة الدفاع والكليات الحربية، وتتمركز فيها أكبر الألوية العسكرية منذ اندلاع الحرب، ما يعني أن سقوطها يكتب بامتياز الفصل الأخير في القصة، ومنذ مطلع الشهر الجاري، يفرض الحوثيون حصارًا على أهلها بعدما تمكنوا أخيرًا من الوصول إلى ضواحيها.

في الجنوب اليمني الذي يتكون من ثماني محافظات، لا تسيطر الحكومة اليمنية سيطرة مُطلقة سوى على محافظة المهرة التي تحظى بحضور عماني واسع، وفي أبريل (نيسان) الماضي، قاد المجلس الانتقالي محاولة انقلابٍ في عدن – العاصمة المؤقتة – لمحاولة إعلان الحكم الذاتي وسط صمتٍ سعوديٍ رسمي في البداية.

عربي

منذ 9 شهور
بعد اتفاق جدة.. كيف أصبح تقسيم اليمن هو السيناريو الأقرب لوقف الحرب؟

اتفاق الأهداف غير المعلن بين الشمال والجنوب على الهجوم على معاقل حزب الإصلاح، دعا المجلس الانتقالي مؤخرًا لانتزاع محافظة سقطرى، بعد عزل محافظها المحسوب على الإصلاح، وسط صمتٍ سعودي، وهو السيناريو الذي تكرر سابقًا في محافظة الجوف، بينما الجيش اليمني غير قادر على الحسم في ظل تنامي قوة الحوثيين والمجلس الانتقالي، ووفق ذلك السيناريو المستقبلي ستقبل حكومة هادي بأي مسار تفاوضي بعد كسر شوكة حلفائها، وخسارتها المحافظات التي تسيطر عليها.

حزب الإصلاح اليمني.. أين هو مما يحدث؟

رغم أنَّ الحزب يرفض اتفاق الرياض ضمنيًّا، وخسر مؤخرًا كافة قياداته التنفيذية والفرعية في معارك محافظة الجوف بعد مقتلهم، فإنَّ الحزب الذي يحمل عداءً باطنًا للسعودية كونها سبب هزيمته السياسية، ما زال يمتلك علاقات ملتبسة معها على عكس الإمارات.

التماهي السياسي بين الطرفين يبرز بوضوح خلال اللقاء الأخير الذي جمع علي محسن الأحمر، نائب الرئيس اليمني المحسوب على حزب الإصلاح، والذي يُشار له بالعقل المدبر للحكومة اليمنية، والمتحكم الفعلي في الجيش اليمني، إلى جانب الآلية العسكرية للحزب، وتصفه صحف يمنية بأنه: «الحليف العدو للسعودية».

وترغبُ السعودية في إطاحة خصمها السياسي السني وحليفها التاريخي الذي أفرزته في اليمن، دون أن تفقد علاقتها به في الوقت نفسه، وهي في ذاك في خلافٍ مع الإمارات التي اعترفت بوضوح بقتاله واستهداف قادته عبر أداوتها الممثلة في المجلس الانتقالي، وهو أحد أنواع الخلاف الذي يفرق أبو ظبي والرياض في حرب اليمن.

العداء الذي وحَّد جميع الخصوم صوب حزب الإصلاح، دفع الأخير لمحاولة عقد تفاهماتٍ منفردةٍ مع الجميع كلًّا على حدة، فعقب سقوط  محافظة الجوف، وتفاديًا لهزيمة أخرى في معقل القوات الحكومية، بادر محافظ مأرب، سلطان العرادة، المحسوب على حزب الإصلاح، للتفاوض مع الحوثيين عبر لجنة الوساطة، في محاولة لتجنيب المدينة مصير الجوف، مقابل تفاهماتٍ بعدم التصعيد في مناطق نفوذهم والدفع تجاه صنعاء، وسبق أن أقرَّ عضو المكتب السياسي للحوثيين، محمد البخيتي في يناير (كانون الأول) الماضي بوجود هدنة سابقة مع الإصلاح لتجميد دوائر القتال في نهم ومأرب والجوف، أدى خرقها إلى حدوث المعارك الأخيرة.

عربي

منذ شهرين
بعد ليبيا.. هل تنقل تركيا ساحة معاركها إلى اليمن؟

وترى السعودية أن تلك كافة انتصاراتها في اليمن، حال أعادت صنعاء سيحصدها حزب الإصلاح في النهاية، حال ظل متحكمًا في الشرعية اليمنية، لذا فدعم الشرعية متوقف إلى حين إخراجهم من المشهد، بينما يرى الرئيس هادي أن التخلي مجددًا عن الإصلاح، سيكون انتحارًا؛ كون الحزب بآلياته العسكرية والبشرية يدعم جيش اليمن الضعيف من جهة، وتمنحه بالمقابل نفوذًا واسعًا داخل القرارات الحكومية.

المجلس الانتقالي.. سببٌ واحدٌ يمنع الانفصال

ارتبط تأسيس المجلس الانتقالي اليمني – هيئة غير سياسية تشكلت عام 2017 – بالتحركات الإماراتية في جنوب اليمن، فأبو ظبي التي دخلت شريكًا رئيسيًّا وبارزًا ضمن التحالف العربي، كانت لها أجندة توسعية لم يكن ضمن أهدافها – بحسب اتهاماتٍ رسمية – القضاء على الحوثيين، ولا استعادة الشرعية، وإنما بناء دولة منفصلة في الجنوب اليمني، ولتحقيق هذا المشروع أوجدت ميليشيات يمنية انضوت تحت لواء ما يعرف بـ«قوات المجلس الانتقالي».

(جندي يحمل علم المجلس الانتقالي في الجنوب)

إلى جانب تحالفه الاستراتيجي بالإمارات، يرتبط قائد ما يعرف المجلس الانتقالي عبيدروس الزبيدي، بعلاقاتٍ مع السعودية التي استضافته غير مرةٍ على أراضيها، رغم أنه يتبنى أجندةً سياسيةً صريحة تقوم على تشكيل حكومتين؛ واحدة في الشمال لجماعة الحوثي، وأخرى في الجنوب لهم، ما يعني «سياسيًّا» السلام مع الحوثيين، و«عسكريًّا» الدفع بالقوة نحو سيناريو تقسيم اليمن.

 قام المجلس بانقلابه الأول في عدن في أغسطس (آب) عام 2018، بمساعدة إماراتية بعد معارك بالدبابات ضد القوات الموالية لحكومة الرئيس هادي، في تحدٍ صريحٍ للسعودية التي تدخلت بغاراتٍ جوية لقمع الانقلابين، ورغم أنَّ الانقلاب لم يصمد سوى 17 يومًا عقب تدخل المملكة عسكريًّا، فإن المجلس الانتقالي مرر رسالةً ناجحة إلى الرياض مفادها: «أبعدوا حزب الإصلاح أو اخسروا الحرب»، وهي التفاهمات التي كررت نسخة خسارة الحكومة اليمنية معاقلها في الجنوب بعد الشمال.

سياسة

منذ سنة واحدة
من يذهب إليها لا يعود.. لماذا سُمّيت اليمن «فيتنام»؟

بعد مفاوضاتٍ استمرت أشهرٍ، قادت السعودية الحكومة اليمنية مضطرة لتوقيع «اتفاق الرياض» في نوفمبر (تشرين الثاني) العام الماضي مع المجلس الانتقالي، والاتفاق يقضي بتقاسم الجانبين السلطة وإعادة الحكومة لعدن، لكن حزب الإصلاح رفض مشروع السلام، الذي رأى فيه أنه يكرر سيناريو إخراجه من صنعاء عام 2011، إضافة إلى أنه يكرس للانفصال عبر اعتبار المقاومة الجنوبية قوات شرعية، وأن يكون المجلس الانتقالي الجنوبي شريكًا ممثلًا للجنوب في مفاوضات السلام، وأن تتولى النخب المدعومة إماراتيًّا الأمن في الجنوب.

دفَعت بنود «اتفاق جدَّة» المُعلنة حتى الآن إلى توحيد الأراضي تحت سُلطة مركزية موحدة، حتى تُصبح الحكومة اليمنية – بعد دمج الانفصاليين فيها – مؤهلة ومدفوعة للتفاوض مع الحوثيين في أي عملية سياسية، أو حتى قرار عسكري، واللافت أنَّ المجلس الانتقالي الذي حصد للتو مكاسبه الجديدة قاد في أبريل الماضي محاولةً انقلابية ثانية على عدن، لكن هذه المرة في ظل صمتٍ سعودي، لكنَّ الذي أفشل الانقلاب، هو رفض ست محافظاتٍ جنوبية الإعلان الذاتي، وتمسكها بالشرعية اليمنية، وهو المأزق الوحيد الذي يُهدد أحلام الانفصاليين.

ويجمع الحوثويين والمجلس الانتقالي أهداف ودوافع واحدة، وخلال انقلاب عدن الأخير، منحت قوات المجلس الانتقالي جماعة الحوثي فرصة لالتقاط أنفاسها على جبهات القتال مع الجيش اليمني في عدد من محاور حدود القتال الجنوبية، كما مكنتها من إعادة ترتيب صفوفها من جديد، في محاولةٍ لتشتيت قوات الحكومة اليمنية، وهي التعقيدات التي ترسم مسارًا مُشابكًا للأزمة.

وحاليًا يرسم المشهد عدة حروبٍ داخل حربٍ واحدة ترسمها مسارات معقدة، وتفاهمات متشابكة، وقوى متصارعة تفرض سيطرتها عبر أدوات الحسم العسكري على الأرض، وهو ما يمنح كل طرفٍ مواطن ثقلٍ عسكري وتفوق سياسي من شأنه إطالة أمد الحرب إلى حين سقوط أحد أطراف الصراع الست، وحينها ستتغير موازين القوى.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد