أحاول فى كتابى الجديد “علم الاقتصاد: دليل المستخدم” أن أبين للقارئ  “كيف” يفكر عن علم الاقتصاد و ليس  “ماذا” يفكر عن علم الاقتصاد. عند “استخدام” علم الاقتصاد يجب أن تنتبه لبعض الأشياء المهمة:

كوى بونو … من المستفيد؟

علم الاقتصاد هو وجهة نظر سياسية و ليس علما. ففى الاقتصاد لا يوجد حقائق موضوعية يمكن وضعها بعيدا عن التحيزات السياسية و الأخلاقية. و بالتالي, في أي نظرية أو وجهة نظر اقتصادية يجب أن نسأل السؤال المشهور -الذي اشتهر عن رجل الدولة و الواعظ الرومانى ماركوس تويوس شيشيرو – ’كوى بونو؟‘ أو ’من المستفيد؟‘.

أحيانا يكون من السهل رؤية الطبيعة السياسية لنظرية اقتصادية عندما تستند وجهة النظر إلى افتراضات تحابي مجموعة معينة بشكل واضح. على سيبل المثال, نظرية الانسياب من أعلى إلى أسفل “trickle down argument” تعتمد على فرضية أن الأغنياء عند إعطائهم نصيب أكبر من الناتج القومي, سيستخدمون هذا النصيب لزيادة الاستثمار. فى حين أن هذه الفرضية ليس لها أساس من الواقع.

و لكن في حالات أخرى, تحابى وجهة النظر الاقتصادية مجموعة من الناس بشكل غير مقصود. على سبيل المثال فإن المدرسة النيوكلاسيكية في الاقتصاد تستخدم معيار “باريتو” للحكم على التحسن الاجتماعى. هذا المعيار يشترط لكى يكون التغيير “تحسنا اجتماعيا” أن يؤدى إلى تحسن فى حياة مجموعة من الناس من دون أن يسبب أي ضرر لمجموعة أخرى. وبالتالى فإن هذا المعيار يحمى الأفراد من حدوث “تحسن” على حساب أحدهم .قد يبدو مبدأيا أن هذا المعيار لا يحابى أحدا. و لكن فى حقيقة الأالمطرقة يرىلمعيار يحابي المستفيدين من الوضع القائم حيث يسمح لهم بمعارضة أي تغيير للنظام القائم يؤدى إلى ضرر لهم.

الأحكام الأخلاقية و السياسية مؤثرة حتى في الأمور التي لا قيمة ظاهرية لها مثل وضع حدود للسوق. فتحديد ماذا ينتمى إلى مجال السوق هو أمر سياسي من الدرجة الأولى. فعندما تدخل شيئا إلى مجال السوق (المياه على سبيل المثال) فإنه يمكنك بعد ذلك تطبيق قاعدة السوق الشهيرة “دولار واحد يساوى صوت انتخابى واحد” فى القرارات المتعلقة بها و بالتالي يصبح للأغنياء قدرة أكبر على التأثير في النتائج. و بالعكس, إذا استطعت أن تخرج شيئا من مجال السوق (عمالة الأطفال على سبيل المثال) فإنه يصبح من المستحيل التأثير فيها باستخدام المال.

القول بأن النظريات الاقتصادية تخضع لوجهات النظر السياسية لا يعنى أن كل النظريات متساوية, فبعض النظريات أفضل تبعا للحالة تحت الدراسة. و لكن المقصود من ذلك هو أنك لا ينبغى أن تصدق أبدا أن عالم اقتصاد يزعم أنه يقدم تحليلا “علميا” بدون أي أسس من القيم و الأخلاق.

لا تكن كصاحب المطرقة

على عكس ما يقوله أغلب علماء الاقتصاد فإنه لا توجد طريقة واحدة صحيحة لعمل الاقتصاد. قد يكون المنطلق النيوكلاسيكى هو الأكثر شيوعا فى العقود الماضية, و لكن هناك على الأقل تسع مدارس مختلفة فى علم الاقتصاد لكل منها نقاط ضعف و قوة تميزها.

الواقع الاقتصادى معقد و لا يمكن تحليله عن طريق نظرية وحيدة. النظريات الاقتصادية المختلفة تنظر بشكل مختلف إلى الوحدات الاقتصادية ( مثل الأفراد مقابل الطبقات), و تركز على أشياء مختلفة (مثل الاقتصاد الكلى مقابل الاقتصاد الجزئى), و تسأل أسئلة مختلفة ( مثل كيف نحقق أعلى كفاءة فى استخدام أحد الموارد؟ مقابل كيف نعظم قدرتنا على إنتاج هذه الموارد لأطول مدة ممكنة؟) و تحاول الإجابة عن هذه الأسئلة باستخدام وسائل مختلفة (مثل العقلانية الكاملة مقابل العقلانية المحدودة).

يقول المثل ” حامل المطرقة  يرى كل ما حوله مسامير”. إذا نظرت إلى مشكلة ما من وجهة نظر معينة ستنتهى إلى أسئلة معينة و ستجيب عليها بطريقة معينة تتبع وجهة النظر تلك. قد تكون محظوظا و تكون المشكلة التي تواجهها “مسمارا” و تكون الأداة الأنسب للتعامل معها هي المطرقة التى تحملها. و لكن في أغلب الأحيان ستحتاج إلى مجموعة من الأدوات للتعامل مع المشاكل المختلفة التى تواجهك.

قد تكون لديك نظريتك المفضلة. ولا عيب فى أن تستخدم نظرية ما أكثر من غيرها –كلنا نفعل ذلك. ولكن أرجوك لا تكن “صاحب مطرقة” لا يعرف أنه توجد أدوات أخرى يمكن استخدامها.

الاقتصاد أكبر بكثير من السوق

يدور علم الاقتصاد هذه الأيام حول السوق. أغلب علماء الاقتصاد حاليا  يتبعون المدرسة النيوكلاسيكية التى ترى الاقتصاد كشبكة من علاقات التبادل – الافراد يشترون الأشياء من الشركات و يبيعون قدرتهم على العمل بينما تشترى الشركات و تبيع من الأفراد و الشركات الأخرى.

و لكن لا يجب مساواة الاقتصاد بالسوق. فالسوق ما هو إلا أحد أشكال تنظيم الاقتصاد و هو يستحوذ على جزء صغير من الاقتصاد الحديث. كثير من الأنشطة الاقتصادية يتم تنظيمها بتوجيهات داخلية فى الشركات و إلى جانب ذلك فإن الحكومة لها تأثير على – و تباشر بنفسها- الكثير من قطاعات الاقتصاد. الحكومات – و المنظمات العالمية مثل منظمة التجارة العالمية – ترسم حدود السوق و تضح قواعد العمل داخله. هربرت سايمون, مؤسس المدرسة السلوكية, قدر الأنشطة الاقتصادية التى تتم داخل إطار السوق في الولايات المتحدة الأمريكية بحوالي 20 % فقط.

التركيز على السوق أدى إلى تجاهل كثير من علماء الاقتصاد لمجالات كثيرة من الاقتصاد فى حياتنا, ما أدى إلى نتائج سلبية على جودة حياتنا. إهمال الإنتاج مقابل الاهتمام بالتبادل سهل على واضعى السياسات في بعض الدول أن يرتضوا انهيار الصناعة. النظر إلى الأفراد كمستهلكين, و ليس كمنتجين, أدى إلى إهمال مواضيع مثل جودة العمل ( على سبيل المثال هل العمل آمن, هل العمل ممتع, هل العمل ظالم … ) و التوازن بين العمل و العيش. إهمال هذا النواحى من الحياة الاقتصادية يفسر جزئيا عدم شعور أغلب الناس فى الدول الغنية بالرضا ،بالرغم من أنهم يستهلكون من المنتجات و الخدمات أكثر من أي وقت مضى.

الاقتصاد أكبر بكثير من السوق، و لن نستطيع بناء اقتصاد جيد – أو مجتمع جيد – إلا إذا نظرنا إلى ما هو وراء السوق.

عرض التعليقات
تحميل المزيد