كتب راشد الغنوشي، مؤسس وزعيم حزب النهضة الإسلامي التونسي، لصحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، مقالًا بعنوان «كيف ستنجح تونس»، قال فيه:

في الوقت الذي تمر فيه المنطقة العربية بتغيير هائل، يُنظر إلى الخلافات السياسية عادةً بمنظور أيديولوجي فقط، لتُعطي مظهرًا زائفًا بأن الخيار محصور بين الإسلاميين والعلمانيين. لكن الخيار الأصعب أمام المواطنين الذي يعيشون في هذه الفترة المتقلِّبة في تونس، ومصر، وتركيا، والعراق، وليبيا، ليس بين الأيديولوجية الإسلامية أو العلمانية، بل بين الديمقراطية والاستبداد.

هذه الرؤية الأحادية تُغفل أيضًا التعددية الملحوظة التي تتمتع بها التيارات السياسية في تونس والدول العربية الأخرى. الإسلاميون ليسوا فقط متنوعين في آرائهم، لكنهم أيضًا تطوَّروا كثيرًا خلال القرن الماضي. كان تركيزهم الأول قبل ذلك على حماية الحقوق الدينية، والدفاع عن الهوية التي تتعرض إلى القمع؛ لكن العديد من الإسلاميين الآن يشاركون في الأحزاب السياسية التي تهتم في المقام الأول بالبرامج الاقتصادية والاجتماعية التي تطالب بحماية الحقوق الشخصية، وتحقيق العدالة الاجتماعية.

ويضيف: لم تكُن الانتخابات التشريعية في السادس والعشرين من أكتوبر الماضي، بالنسبة إلى حزبي، حزب النهضة، ميدانًا للصراع بشأن دور الإسلام في المجتمع. لقد كانت فرصة لطرح رؤيتنا بشأن البطالة، والنمو الاقتصادي الشامل، والأمن، وتنمية المنطقة، وعدم المساواة في الدخل: بكلمات أكثر دقة، الهموم اليومية للمواطن التونسي العادي. حين اعترف حزب النهضة بخسارته أمام حزب نداء تونس في الانتخابات، لم يكُن الجو العام في المقر الرئيسي للحزب محبطًا، بل كان احتفاليًا. إنه اختبار حقيقي لاعتقادنا بأن الانتخابات كانت انتصارًا للديمقراطية التونسية.

كان تأسيس مفهوم السيادة للشعب يمارسها من خلال صناديق الاقتراع من أهم أهداف ثورة 2011، وأهداف حزب النهضة كذلك. كان إجراء انتخاباتنا الحرة والعادلة للمرة الثانية، بصرف النظر عن نتيجتها، خطوةً مؤثرة لضمان مستقبل تونس الديمقراطي على المدى الطويل.

استمر نظامي الحبيب بورقيبة، وزين العابدين بن علي، الديكتاتوريين لحوالي 50 عامًا؛ فأديا إلى الفساد الاقتصادي، وقمع المعارضة، وضعف كارثي للتنمية. يشمل الانتقال الديمقراطي في تونس بناء المؤسسات التي ستحمي مصالح المواطنين. لذا لم يكن من الممكن أن تصبح تونس «الجزيرة الهادئة» الوحيدة في المنطقة العربية المضطربة لولا التزام الإسلاميين، وبينهم حزب النهضة، بالحوار، والتعاون، وتقديم التنازلات.

ويقول الغنوشي: لكن معنى الديمقراطية أكبر من صناديق الاقتراع. يدعم حزب النهضة تأسيس سلطة مدنية قوية، كما في الدستور التونسي، حيث تضمن الدولة كافة الحقوق والحريات. هذه الصيغة بعلامتها المميزة «صنع في تونس» هي ما تجعل الانتقال الديمقراطي ناجحًا. تشمل هذه الصيغة إسهامات الإسلام الإصلاحي، الذي يلتزم به حزبي، عبر 150 عامًا أكدت فيها أن الإسلام والديمقراطية ليسا متعارضين. نثبت في تونس الآن أن هذا صحيح.

تتجه معظم ألوان الطيف السياسي في بلدنا تونس سياسات أكثر وسطية وبراجماتية. لا يفيد أحدًا الاختصار المُخل للانتخابات في ثنائية إسلامي/علماني. في الحقيقة، ترفض معظم الأحزاب العلمانية، مثل نداء تونس، صفة «اللائكية»، أي العلمانية التي تعزز الاستقطاب.

سيكون خطأً فادحًا أن نواجه خطر الإرهاب والتطرف بتنحية القيم الدينية عنوةً من الحياة العامة. كان هذا النوع من القمع محركًا أساسيًا للإرهاب في منطقتنا. أُغلقت المؤسسات الإصلاحية الإسلامية الوسطية في عهد الرؤساء التونسيين السابقين، أو ضيَّقت السلطات عليها؛ فتركت الباب مفتوحًا للأفكار المتطرفة لتملأ هذا الفراغ.

ويرى الغنوشي أن الشباب الذين نشأوا في عهد بن علي لم يكن لديهم مرجعية للأفكار الإسلامية التونسية المعتدلة؛ واتجه بعضهم إلى التطرف. أمسى خطر الإرهاب بطاقةً رابحةً وسهلة في يد النظام، يُلقيها في كل مرة يضغط المجتمع الدولي فيها عليه لاحترام حقوق الإنسان، أو تبني إصلاحات سياسية. أدت المقايضة الفاسدة بين حفظ الأمن والتضحية بالحرية إلى تقويض الاثنين معًا في العالم العربي.

لا يمكن حل مشكلة التطرف بخفض هامش الحرية، بل بتعزيزها. لا يمكن مواجهة الإرهاب بعزل الدين عن الحياة، بل بإطلاق الحريات الدينية ودعم الفكر الديني الوسطي المعتدل. يجب أن ينهض الديمقراطيون الإسلاميون بدورهم في محاربة انتشار التفسيرات المتطرفة بالتمسك بالقيم الديمقراطية مثل الحرية والتعددية.

كانت النتيجة الوحيدة لخسارة الانتخابات في بلادٍ عديدة في منطقتي – سواء عبر الانتخابات أو غيرها – هي السجن والقمع الشديد. ما يزال هذا الوضع مستمرًا في بعض البلاد، لكن لدينا الآن تونس جديدة؛ السياسة فيها تعددية؛ نحل اختلافاتنا فيها عبر الوساطة؛ ولا يحتكر السلطة فيها حزب واحد.

ويقول: أظهر حزب النهضة التزامه بالديمقراطية. كنا نتشارك السلطة مع غيرنا حين كانت في أيدينا؛ وسلمناها إلى حكومة تكنوقراط لنضمن إقامة انتخابات حرة. قررنا ألا نطرح أو ندعم أي مرشح في الانتخابات الرئاسية التي تُعقد في الشهر القادم؛ سيساهم غيابنا عن الانتخابات في حفظ التوازن الضروري لتطور ديمقراطيتنا بشكل صحيح.

ستواجه تونس مهمة شاقة. لم يُطبق بعد الدستور التونسي، برؤيته في فصل السلطات والرقابة على المؤسسات. بدأت لجنة «الحقيقة والكرامة» عملها للتو في توفير العدالة لضحايا ديكتاتورية نظام بن علي؛ هذه مهمةٌ لا غنى عنها في مداواة جروح الماضي.

ستحتاج تونس إلى تعاون كل الأحزاب السياسية للنهوض بالإصلاحات المطلوبة بشدة في مجالات الدعم، والإدارة العامة، والقطاع البنكي، وقوانين الاستثمار. لقد أوصلنا الإجماع إلى هنا، لكن تونس ستحتاج إلى منهج ديمقراطي شامل إذا أرادت حل المشكلات التي ورثناها من الاستبداد.

مرت أربعة أعوام تقريبًا منذ أن أدى اليأس من الحياة برجل يُدعى محمد البوعزيزي إلى حرق نفسه احتجاجًا. في كل قرار نأخذه، يجب ألا ينسى السياسيون في تونس ما مات البوعزيزي من أجله. يجب أن نحمي الحرية والكرامة، وأن نفتح أبواب الأمل والفرص. كان هذا هو حلم الصحوة التونسية؛ وهذا هو ما سيقود تونس إلى النجاح اليوم.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد