751

بدأت العديد من المدن مثل ستوكهولم وأمستردام وملبورن وفي المدن الذكية في الولايات المتحدة بتعديل قوانين البناء باعتبار تصميم الشوارع والمباني مسألة صحة عامة.

يُصمِّم لنا المعماريّ العَالَم الذي نراه كل يوم، كما يعمل من يزيِّن الكعكعة التي نأكلها. في عام 1400 كان أبرز منظّري الهندسة المعمارية في عصر النهضة ليون باتيستا ألبيرتي يقول: إنّ «توازن الأشكال الكلاسيكية يمكن أن يحوِّل الغزاة البربريين إلى مواطنين متحضِّرين»، وبعده كان فرانك لويد رايت أشهر المعماريين الأمريكيين في القرن العشرين يقول: إن «العمارة الجميلة يمكن أن تُنقذ الولايات المتحدة من الفساد».

إنَّنا نحقق من خلال التصميمات المعماريَّة احتياجاتنا المادية والجمالية في السَّكن الذي نأوي إليه، مثلما يأوي الإنسان إلى اللغة ليضمن حاجاته التواصلية والرمزية فيستأمنها على الأفكار والمعتقدات والأساطير، فإنَّ وجودنا الرمزيّ لا يقلُّ أهمية عن وجودنا المادي في العمران، وما يمنحه لنا بعناصره الفنية من عالمٍ مرئيّ.

كانت العمارة لعصورٍ طويلة تستوحي تصميماتها من الطبيعة: النباتات، والحيوانات. إذ أثبتت العديد من الدراسات النفسية انجذاب البشر إلى تكوينات الطبيعة، وقدرة المياه والمساحات الخضراء على التقليل من التوتر والإجهاد لدى الإنسان، لكنَّ حصار المزيد من المنشآت الإسمنتية الحديثة في مقابل غياب العناصر الطبيعية غيّر إلى الأسوأ الطريقة التي يدير بها الناس حياتهم، فكيف تؤثر عمارة المدن على جوانب حياتنا المختلفة؟

السلوكيَّات والصحة النفسية

للتعرف على تأثيرات الهندسة المعمارية على الدماغ، استخدم الدكتور خوليو بيرموديز الرنين المغناطيسي الوظيفي ليتابع كيفية تأثير الهندسة المعمارية في قدرة الأفراد على التأمُّل، وتوصَّل إلى أنَّ التواجد في نوعٍ مُعيَّن من التصميمات الهندسية المعمارية يوميًا ينتج عنه فوائد صحية، وأوضح أن هناك عناصر معينة تدعم القدرة على التأمل، وهي التي وظَّفها في العصور القديمة بناة المساجد والمعابد، ويعتبر قصر الحمراء وتاج محل مثالين بارزين عليها.

قصر الحمراء – المصدرhttps://es.aleteia.org

في حوالي عام 2008 اكتشف مجموعة باحثين بريطانيين وجود علاقة بين التصميمات المعمارية والناس، إذ لاحظوا ازدياد الأعراض الذهانية لدى مرضاهم بعد قضائهم 10 دقائق في السير في مدينة لندن، وتنبَّأوا بنتائج أسوأ إذا كان السير في ولاية فلوريدا مثلًا خلال ساعة الذروة.

لا يؤثِّر تصميم المدن فقط في عدد الكيلومترات التي نمشيها أو الوقت الذي نقضيه في السيارة. فهي تُحدث أيضًا تغييرات في نظامنا الغذائي والذي يعتبر عمودًا أساسيًا في العادات الفارقة في الوقاية من الأمراض، وفقًا لدراسة أجراها مرصد الصحة والبيئة في جنوب إسبانيا.

كان المعماري الدنماركي يان جيل يشير إلى أنَّ الناس يسيرون بشكلٍ أسرع عندما يمرون بواجهات لا يمكن وصفها أو لا تزيِّنها الزخارف، على عكس «الواجهات المثيرة». وكان يرى أنه في التصميم الجيد لمدينة ما يجب أن يرى الناس أثناء تنقلهم بمتوسط ​​خمسة كيلومترات في الساعة شيئًا مثيرًا للاهتمام كل خمس ثوانٍ.

عمارة المدن

اليوم تُستخدم النظريات المعمارية في تصميم الفنادق والمتنزَّهات والمحلات التجارية؛ إذ يؤثر تصميمها على سلوك المشترين، وقد أوضح الباحث باوندستون من خلال تجربة أُجريت في الولايات المتحدة لتحليل سلوكيات الناس في المجلات الكبرى، واستنتج من خلال مراقبة عدد كبير من المستهلكين أنهم في حالة التجوُّل بالعربة من جهة اليمين إلى اليسار كانوا ينفقون بمعدَّلٍ أكبر بنحو دولارين عن غيرهم ممَّن يقومون ببدء الجولة من اليسار إلى اليمين، ولهذا تم تصميم أغلب المحلات التجارية ليكون مدخلها إلى اليمين ليبدأ المستهلك جولته مع عقارب الساعة، ويحقق التجَّار ربحًا أكبر.

تأثير في القدرة على الإبداع

في مختبرٍ مظلم في بيترسبورج كان جوناس إدوارد سولك يعمل لإيجاد علاج لشلل الأطفال، ظل تقدمه بطيئًا جدًا إلى أن انتقل إلى ديرٍ إيطاليّ في أسيزي حيث سادت أشكالٌ مستديرة خضراء. ولم يمضِ وقتٌ طويل حتى كان قد توصَّل لرؤيةٍ واضحة يصلُ بها إلى لقاح شلل الأطفال، وكان سالك مقتنعًا بأنَّ «الإنارة» وتغيُّر البيئة والهيكل المعماري هو ما نجح في تحفيز إبداعه.

وبدراسة تأثير ارتفاع السقف على معالجة الدماغ للمعلومات، استنتج مايرز ليفي الأستاذ في جامعة مينيسوتا من خلال تجربة أجراها عام 2007 أن السقف المرتفع يعزز التفكير الحر والأكثر مرونة مع الاتجاه نحو التجريد بينما يساعد انخفاض السقف في التفكير المحدد الأكثر صلابة وملموسة.

ووفقًا لمايرز، فإنَّ القيود المادية التي يمكن أن يسبِّبها السقف المنخفض تجعل الناس أكثر دقة وأميل إلى وجهة نظر واقعية. ولذا يكون مثاليًا لغرف العمليات مثلًا، بينما السقف العال يكون مثاليًا لاستوديوهات الفنّ حين يكون الإبداع مطلوبًا.

لون المباني يؤثّر في درجات الحرارة

في عام 2011 كان قطاع البناء في إسبانيا متأثّرًا بالأزمة الاقتصادية التي مرت بها البلاد بحيث كان على الخبراء إعادة تأهيل المباني القائمة أكثر من بناء أخرى جديدة، عقدت جمعية المهندسين المعماريين مؤتمرًا في كاتالونيا ناقش فيه عدد من الخبراء العلاقة بين العمارة والمناخ والصحَّة، وأوضح وزير البيئة والاستدامة حينها كيف يؤثِّر انعكاس الأشعة الشمسية على أسطح المباني بشكلٍ مباشر على درجة الحرارة. وأنَّ التقديرات تشير إلى إمكانية انخفاضها درجة واحدة إذا تم طلاء جميع أسطح مدينة برشلونة باللون الأبيض.

Embed from Getty Images

مدينة برشلونة

وأوضح الطبيب بابلو أرنولد أنّ التفاعل غير المباشر للفرد مع البيئة المحيطة به يلعب دورًا في إصابته بالأمراض وشفائه منها؛ إذ يؤثِّر على التكوين النفسي والعصبي والمناعي للجسم، فضلًا عن ضغط الدم ودرجة حرارة الجسم، مؤكدًا التأثير العاطفي للهندسة المعمارية وضرورة مراعاتها عند تصميم المباني بحيث توظِّف التقنيات والألوان ومواد البناء.

المدن العربية في حصار الأسمنت

كما يوضح المفكر  والباحث الدكتور «إدريس مقبول» في بحثه عنها فقد أصبحت المدينة العربية نموذجًا لتدهور العمارة؛ إذ تشكل في النهاية مجموعة من الصناديق الإسمنتية الضيقة الخالية من كل تعبير ثقافي أو لمسة جمالية، إنه سكن فقير ثقافيًا لا يمكن للإنسان أن يستوحي من خلاله أي معنى، تتوارى خلفه قيمة الغش، وتبدو على الجدران والواجهات لغة الاستغلال الرأسمالي الذي يفصل بين «المكان» و«القيمة»، وبين «العمران» و«المعنى»، وهو مدفوعٌ دومًا بالاحتكار و«تسليع» كل مناحي الحياة، لا يترك مساحة للاسترخاء فكل الفراغات يجب أن تمتلئ بالأسمنت، لتكون النتيجة فسادٌ بصري يسبب أمراضًا بصرية تضاعف الاضطرابات النفسية والعصبية وتنحدر بالذوق العام.

Embed from Getty Images

لقد تحوَّلت حياة الإنسان في المدينة الحديثة – وفقًا لإدريس مقبول – إلى مجالٍ يستغلُّه ويستثمره رأس المال المتوحِّش، وأضحت المشكلات اليومية والمصيرية سمةً بارزة للمدينة العربية في المشرق والمغرب، وهي في النهاية نتاج فوضى عارمة و«مدينة معتقلة داخل الإسمنت» حيث تمتد أعراض التمدن من التناقضات العمرانية إلى نقص المياه والتضييق على الحريَّات والتلوث البيئي.

الزجاج يفصلنا

كما يشير الباحث الاجتماعي «زياد توبة» في مقاله «العمارة الضامرة» في جريدة المدن  ففي مدينة مثل بيروت سادت ثقافة الأسمنت والزجاج وما كان سائدًا وقت الحرب من وسائل حماية امتد واستمر ليكون السائد بعدها إذ تغطى الشرفات بالزجاج وكأنها تحمي ساكنيها من «الآخر» ومن مشهد الحياة في المدينة.

Embed from Getty Images

مدينة بيروت

ويوضح الكاتب أن منظومة التخطيط المدني وتنظيم العمارة في المدينة كلها لم تعد تقيم اعتبارًا للمساحات العامة، فصارت هذه المساحات نهبًا للحركة التجارية العقارية، بينما تحولت الشرفات المفتوحة والمزينة بـ«الزريعة» لأبنية قائمة على مفهوم الانغلاق، يفصل الزجاج فيها بين المساحة الخاصة والعامة وأُخليت الشرفات إلى البيوت بحيث تُطل على الداخل، أو تتحول إلى غرفة إضافية، فيما صارت النباتات داخلية لتؤلف المشهد الحديث الذي يحيل كل العمارة إلى الداخل في انعزال عما يجري خارجها، وهو ما لم يعد فقط واقعًا عمرانيًا فقد ألقى بظلاله على الحياة الاجتماعية والاقتصادية للناس.

ويضيف أنه بينما تزداد المؤسسات الرياضية المغلقة في العمارة نفسها «كالأقبية تحت الأرض بدلًا عن مواقف السيارات، وأندية أخرى في الشقق السكنية» تحولت بعض جدرانها الإسمنتية إلى واجهات زجاجية تقدم مساحة واهية أمام الرياضيين الجدد تعويضًا عن فقدان المساحة العامة، وتقدم هذه الأماكن كلها خدمات مدفوعة الأجر كانت سابقًا متاحة في المساحات العامة التي يزداد تقلصها، فيما تزداد واجهات الزجاج التي تفصل الناس عن الضجيج والتلوث والزحام بحيث أصبح الزجاج «جدارًا يفصلنا عن أنفسنا».

من يبني المدن؟

لقد أصبح الإنسان كما يصور عالم الاجتماع الإنجليزي «ديزموند موريس» المشكلة أشبه بحيوان مفترس في حديقة حيوان تضم الناس داخل أقفاص حديدية ضيقة، تزداد عدوانيتها بسبب وجودها في مكان ضيق وحرمانها من المساحات الشاسعة، وهكذا يـفـتـقـد الناس الإحـسـاس بـالـحـريـة ويتسبب تواجدهم في مـسـاحـات ضئيلة في ظهور العدوانية والأنـانـيـة، فتتحول طبيعة الإنسان من المسالمة المتعايشة إلى التوحش.

إن دراسة الجانب النفسي في تصميم المدن أبرزت أن مواقع مثل ماكدونالدز أو ستاربكس تنتج نوعًا معينًا من الرتابة في المشهد اليومي، فهي مصممة لإلغاء الشخصية التي تجعلها قابلة للتكرار وللاستهلاك السريع وتثير مشاعر مختلطة من الملل واللامبالاة والحزن،والفرح والفضول والرغبة في الاختلاط بالآخرين.

وبسبب هذه التأثيرات بدأت العديد من المدن مثل ستوكهولم وأمستردام وملبورن وفي المدن الذكية في الولايات المتحدة في تعديل قوانين البناء باعتبار تصميم الشوارع والمباني مسألة صحة عامة.

في النهاية إن مصممي المدن يحددون بشكل ما الحالة الصحية لنا؛ النفسية والجسدية، ويبدو أن تصميم المدن ولكي يكون وفقًا للمعيار العالمي عملية يجب أن يشارك فيها الأطباء أيضًا. كما تقول ماريا نيرا، مديرة قسم الصحة العامة والبيئة في منظمة الصحة العالمية فالعوامل البيئية مسؤولة عن 25%من أسباب الوفيات والأمراض وتشير إلى إن هذا يعني 12.6 مليون حالة وفاة كل عام، وتضيف «سيكون على الأطباء التفكير في تصميم المدن لأنه بقدوم عام 2020 سيكون 90٪ من سكان العالم يعيشون في المراكز الحضرية».