تُعد الهيمنة البحرية جزءًا حيويًّا من الاستراتيجية العسكرية؛ ذلك أن السفن التي بمقدورها تسيير دوريات في المياه الدولية تطيل ذراع الدولة إلى أبعد من حدودها المادية، كما تسمح للعناصر الرئيسية في الترسانة العسكرية، مثل مجموعات الأسلحة النووية والطائرات، بالوجود خارج أراضي الدولة، مما يحول دون إصابة الجيش بالشلل نتيجة بعض الهجمات الرئيسية على البر الرئيسي.

وقد أصبحت هذه الهيمنة البحرية على محيطات العالم، أداة رئيسية لا غنى عنها، من أدوات السياسة الخارجية الأمريكية، بالإضافة إلى كونها ضامنًا للتجارة العالمية، لكن هذه الهيمنة تفرز في المقابل مزيجًا من التحديات، التي تثير بدورها أسئلة صعبة تتعلق بالمستقبل، حسبما يقول الباحث جوناثان ماسترز، وهو حاصل على الماجستير في العلوم السياسية من جامعة إيموري، والماجستير في النظرية الاجتماعية من جامعة نيو سكول. 

ومثلما كانت البحرية الملكية البريطانية قبل أكثر من قرن من الزمان، تتمتع البحرية الأمريكية اليوم بالهيمنة على بحار الكوكب؛ ما يمنح الولايات المتحدة نفوذا دوليًّا لا يُبارى، ومَكَّن قادة واشنطن، على مدى عقود، من نشر القوة الأمريكية على جزء كبير من الأرض، خلال أوقات الحرب والسلام.

ومع ذلك، يعتقد بعض الخبراء أن البحرية الأمريكية أمام مفترق طرق؛ إذ تواجه مجموعة من التحديات الجادة، بدءًا من ضغط الميزانية، وليس انتهاء بعمليات تحديث البحرية الصينية، التي يمكن أن تُضعِف التفوق الأمريكي قريبًا، حسبما خلص التقرير الذي نشره مجلس العلاقات الخارجية.

قوة هائلة تغطي ثلاثة أرباع الكوكب

لأن البحر، الذي يغطي حوالي ثلاثة أرباع الكرة الأرضية، هو ميدان عمل القوات البحرية؛ فإنها تستطيع القيام بأشياء قد تعجز عنها القوات البرية، ويمكن أن تتيح وصولًا استثنائيًّا إلى نقاط الاهتمام في العالم، وتسيير دوريات في الممرات المائية الحيوية، والمناورة وصولًا إلى الشواطئ البعيدة والمراكز السكانية.

والولايات المتحدة قوة عظمى بحرية؛ لأن سفنها الحربية المدججة بالسلاح يمكنها أن تسافر آلاف الأميال في غضون أيام، وتبقى حول نقاط الاهتمام دون انتهاك سيادة دولة أخرى، أو لفت الكثير من الأنظار، وهو ما يمنح البحرية قوة هائلة، خاصةً في الاستجابة للأزمات الدولية.

في الوقت ذاته، تتيح قدرة الرفع المتفوقة، التي تتمتع بها البحرية الأمريكية، نقل القوة النارية، والوقود، والمواد الغذائية وغيرها من المواد اللازمة لدعم العمليات القتالية البعيدة، حسبما يوضح الباحث جوناثان ماسترز. فيما ذكرت «قيادة القوات المشتركة الأمريكية» في وثيقة استراتيجية صادرة عام 2010 أن «الرافعة الأساسية للقدرة الأمريكية على إسقاط قوتها العسكرية خلال العقود الستة الماضية كان: سيطرتها شبه الكاملة على المشاعات العالمية».

القدرات التي تتمتع بها البحرية هي التي تحدد الأدوار التي تؤديها. والولايات المتحدة واحدة من الدول القلائل التي تمتلك ما يسمى بـ«بحرية المياه الزرقاء»، التي يمكنها العمل في المياه العميقة عبر المحيطات المفتوحة، بينما يقتصر آخرون، تحت قيود الجغرافيا أو الموارد، على إبقاء أساطيلهم في المناطق الساحلية (المياه الخضراء)، أو الأنهار ومصبات الأنهار (المياه البُنِّية).

وتكمن القوة الأساسية للبحرية في قدرتها على استخدام القوة أو التهديد بها، لكن لها أيضًا وظائف دبلوماسية وأمنية مهمة. ولأداء هذه المهام، تنتشر القوات البحرية الأمريكية بانتظام مع سلاح مشاة البحرية، وهي قوة هجومية برمائية، وخفر السواحل، الذي يفرض القانون البحري ويجري عمليات البحث والإنقاذ، من بين وظائف أخرى.

هذه الهيئات الثلاثة، التي تشكل القوة البحرية أمريكية، لديها العديد من القدرات المترابطة:

  • الوجود المتقدم: تنتشر القوات البحرية في مناطق مختلفة لدى الولايات المتحدة فيها مصلحة استراتيجية. وهذا يدل على التزام الولايات المتحدة المستمر، وليس الدائم.
  • الردع: تثبيط الأعداء عن العمل ضد الولايات المتحدة وحلفائها وشركائها. على سبيل المثال، مثل الدور الذي تؤديه غواصات الصواريخ البالستية، التابعة للبحرية الأمريكية.
  • السيطرة على البحر: بسط السيطرة على البحر، على الأقل في مناطق معينة لفترات زمنية محددة، بما يتيح حرية التصرف المطلوبة لتحقيق أهداف أخرى، مثل: حماية النقل البحري والسدود العسكرية، وفرض الحصار.
  • إسقاط القوة: يمكن أن تهدد أو تشن ضربات مباشرة – من هجمات الصواريخ الباليستية إلى الهجمات البرمائية- ضد أهداف على الشاطئ لفترات طويلة.
  • الأمن البحري: لحماية التجارة المنقولة بحرًا – حوالي 90% من التجارة العالمية تبحر على متن السفن- والمحافظة بشكل عام على النظام في البحر. تشمل هذه العمليات: مكافحة القرصنة، وحظر المخدرات، وحماية البيئة، وغيرها من مهام  تنفيذ القانون.
  • المساعدات الإنسانية: عبر الاستجابة للكوارث الطبيعية والبشرية بتقديم مساعدات طبية، وغذائية، ولوجستية، وأمنية.

«دبلوماسية الزوارق الحربية»

لطالما استخدمت الولايات المتحدة قواتها البحرية للتأثير في سلوك الحلفاء والخصوم في أوقات السلم. وتهدف هذه الأنواع من العمليات البحرية إلى دعم مختلف الجهات الفاعلة، أو طمأنتها، أو ردعها، أو تهديدها. ويستخدم البعض مصطلح «دبلوماسية الزوارق الحربية» للإشارة إلى الاستخدام القسري الأكثر خشونة للبحرية، فيما يصف محللون آخرون الاستخدام السياسي للقوة البحرية بأنه «الإقناع المسلح».

وتشمل التكتيكات التي تستخدمها البحرية للتأثير الدبلوماسي، ما يلي:

  • دخول الميناء: عندما أبحرت السفينة «يو إس إس كارل فينسن» إلى دا نانج عام 2018؛ كانت الولايات المتحدة تبعث برسالة إلى الصين بأن العلاقات بين واشنطن وفيتنام تتحسن، بصفتها أول حاملة أمريكية تزور فيتنام منذ الحرب التي خاضتها الولايات المتحدة مع القوات الشيوعية هناك منذ عقود.
  • العبور: حين عبرت المدمرة «يو إس إس كورتيس ويلبر»، وسفينة خفر السواحل «يو إس سي جي سي بيرثولف» من مضيق تايوان في مارس (آذار) 2019؛ كان ذلك استعراضًا أمريكيًّا لدعم تايوان، وإظهارًا لالتزام الولايات المتحدة بضمان حرية المحيط الهادئ الهندي وانفتاحه.
  • حرية عمليات الملاحة: تجري البحرية بانتظام مثل هذه العمليات؛ لتحدي ما تراه ادعاءات بحرية مفرطة من دول أخرى. وفي عام 2018، تحدى الجيش الأمريكي أكثر من 24 ادعاءً، شملت الصين، وإيران، وسلوفينيا.
  • استعراض القدرة القتالية: في خريف عام 2018، قادت القوات البحرية الأمريكية قوات من منظمة «حلف شمال الأطلسي (الناتو)» في مناورات «ترايدنت جنكتشر»، التي حشدت قوة عسكرية هائلة في النرويج لمحاكاة هجوم من بلد وهمي؛ بهدف ردع أي عدوان روسي في أوروبا.
  • تغييرات على مستوى القوة: في عام 2018، كثفت سفن «الناتو» وجودها في البحر الأسود بنحو 50% مقارنة بالعام السابق، استجابة للعمليات الروسية التي تضمنت الاستيلاء على سفن أوكرانية.
  • تغييرات في هندسة الأسطول: في العام الماضي، أعادت البحرية الأمريكية تأسيس أسطولها الثاني في المحيط الأطلسي تحسُّبًا لعودة «عصر المنافسة بين القوى العظمى».
  • وعلى نطاق أوسع، يمكن للبحرية بسط نفوذها بمجرد الوجود وإجراء عمليات طبيعية. على سبيل المثال، تعد البحرية حجر الزاوية في التحالفات العسكرية الأمريكية مع دول بعيدة، مثل اليابان والفلبين.

«الإندبندنت»: الأقمار الصناعية تظهر حشدًا عسكريًا أمريكيًا في السعودية

الأسطول البحري الأمريكي

تمتلك البحرية الأمريكية ستة أساطيل تغطي أجزاء مختلفة من العالم، وتحتفظ بأكثر من 10 منشآت دائمة خارج الولايات المتحدة المتجاورة، مع مواقع متعددة في إيطاليا واليابان.

(توضح الخريطة مواقع الانتشار المتقدمة التي توجد فيها البحرية الأمريكية- المصدر: البحرية الأمريكية/ مجلس العلاقات الخارجية)

بأسطول مكون من حوالي 290 سفينة، لا تعد البحرية الأمريكية القوة البحرية الأكبر في العالم، لكنها الأقوى، بحسب مجلس العلاقات الخارجية. وتمتلك الولايات المتحدة 11 حاملة طائرات، وهي أكبر السفن العسكرية في العالم، بينما تمتلك كل من الصين وروسيا واحدة فقط.

ومع ذلك، فإن مثل هذه المقارنات العددية ذات فائدة محدودة، ويحذر محللو الدفاع من أن المعيار الأمثل يجب أن يرتبط بما إذا كانت القوات البحرية، فضلًا عن الخدمات العسكرية الأخرى، مجهزة لتحقيق أهداف الأمن والسياسة الخارجية للدولة.

(تجهيزات البحرية الأمريكية بالأرقام– المصدر: المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، وزارة الدفاع الأمريكية، وزارة الأمن القومي الأمريكية، مجلس العلاقات الخارجية) 

كان هدف القوات الأمريكية في العقود الأخيرة هو التصدي لصعود الأعداء الذين يمكن أن يمنعوا الولايات المتحدة من الوصول إلى الحلفاء والأسواق المهمة في أوروبا وآسيا. «وكان الهدف الأمريكي التقليدي، المتمثل في منع ظهور هيمنة إقليمية في جزء أو آخر من أوراسيا؛ سببًا رئيسيًّا وراء تزويد الجيش الأمريكي بعناصر القوة التي تمكنه من عبور مساحات واسعة من المحيطات والمجال الجوي، ثم إجراء عمليات عسكرية مستدامة وواسعة النطاق عند الوصول»، بحسب تقرير حول البحرية الأمريكية صدر حديثًا عن «دائرة أبحاث الكونجرس». 

وفي أحدث استراتيجيات الأمن القومي الأمريكية، أدرجت إدارة الرئيس دونالد ترامب الصين، وروسيا، وإيران، وكوريا الشمالية على رأس التهديدات التي تواجه الولايات المتحدة. وذكر تقرير نشرته دورية «ناشيونال إنترست» أن سفينة «الشبح» الحربية الإيرانية، يمكن أن تشكل «التحدي الكبير التالي لسلاح البحرية الأمريكية». 

وابتداء من منتصف عام 2019، أصبح هدف البحرية الأمريكية هو بناء أسطول يتكون من 355 سفينة بحلول ثلاثينيات القرن الحالي. لكن في ظل بيئة تهديد ناشئة، يمكن أن تصبح فيها السفن الحربية الكبيرة أكثر عرضة للهجوم في المناطق المتنازع عليها، يمكن للبحرية أن تغير هذا الهدف قريبًا، وتنظر إلى بناء عدد أكبر من السفن السطحية الصغيرة والسفن غير المأهولة، بحسب تحليل «مجلس العلاقات الخارجية». وإن كان هذا الخيار أيضًا يواجه مجموعة من التحديات، بحسب تقرير نشرته مجلة «ديفينس نيوز». 

(تشكيلات البحرية الأمريكية- المصدر: البحرية الأمريكية، مجلس العلاقات الخارجية)

التحديات التي تواجهها البحرية الأمريكية

تواجه البحرية الأمريكية بعض الصعوبات أثناء تخطيطها للعقود القادمة. ويراقب القادة الأمريكيون غرب المحيط الهادئ مراقبة خاصة، حيث تتنافس البحرية الأمريكية مع الصين على النفوذ. صحيح أن الولايات المتحدة سيطرت منذ فترة طويلة على المياه الشاسعة في تلك المنطقة، لكن الصين تضغط بقوة من أجل السيطرة على العديد من الدول الجزرية الصغيرة؛ من خلال قروض التنمية والإغراءات الأخرى. ويقول المحللون إن أهمية هذه الجزر ذات الكثافة السكانية المنخفضة، لا تنبع من إمكانياتها التجارية، بل من قيمتها الاستراتيجية. 

ويقول خبير الأمن الدولي، إيوان جراهام، لصحيفة «فاينانشال تايمز»: «أصبحت منطقة المحيط الهادئ ذات أهمية استراتيجية مرة أخرى لأول مرة، منذ الحرب العالمية الثانية. وقد يتصاعد التنافس بموازاة تحديث الصين لقواتها البحرية، وبناء حاملات طائرات، وغواصات وفرقاطات جديدة».

ويعتقد بعض خبراء البحرية أن التهديدات التي تلوح في الأفق سوف تطلق عصرًا جديدًا من الحرب البحرية، لن يكون لحاملات الطائرات فيها مكان. ويستدرك كيفين براند، من البحرية الأمريكية: «قد يكون لحاملات المستقبل تصميمات وقدرات وحتى أسماء مختلفة، لكن حاجة الحكومة الأمريكية لنشر القوة من البحر لن تتغير».

ويرى بعضهم أن أكبر تهديد طويل الأجل للبحرية، وللجيش الأمريكي عمومًا، ليس أجنبيًّا بل محليًّا، وهو: الميزانية المتقلصة. إذ يتوقع الاقتصاديون أن يزداد التحدي مع تقدم عمر السكان في الولايات المتحدة، إذ تنفق البلاد أكثر على الرعاية الصحية، والضمان الاجتماعي، والفائدة على الدين الوطني، وهي الفاتورة التي ستتضاعف حتى 144% من إجمالي الناتج المحلي على مدى 30 عامًا القادمة.

وهناك تحديات أخرى أبرزها عبء العمل في أحواض السفن الذي أصبح أكبر وأكثر تعقيدًا، مما يؤدي غالبًا إلى تقليل كفاءة الأداء، وتراكم الصيانة (بين عامي 2012 و2018، اكتمل 30% فقط من مهام الصيانة في الموعد المحدد)، إلى جانب القوى العاملة الأقل خبرة وإنتاجية، وشيخوخة بعض السفن، لذلك ينصح تقرير بحثي نشرته مؤسسة «راند» بتوظيف موارد إضافية، واستمرار الاستثمار في برامج التدريب واستقطاب الأفراد ذوي الخبرة، بالإضافة إلى التفكير في تخفيف عبء العمل عن طريق الاستعانة بمصادر خارجية لإنجاز بعض الأعمال.

«ذي أتلانتك»: أمريكا تبيع الأسلحة للخليج لتحقيق أهدافها.. هل حققتها فعلًا؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد