خلال الأربعة أشهر الماضية تراجعت أسعار النفط من نحو 110 دولارات للبرميل، إلى أقل من 84 دولارًا في أكتوبر الماضي، فحسب وكالة الطاقة الدولية تتجاوز نسبة انخفاض خلال هذه الفترة 20%، بل إن اضطراب الأسعار و تدحرجها نحو 70 دولارًا أمر متوقع.

هذا الانخفاض الذي يأتي في ظل ظروف إقليمية وعالمية تدعو إلى ارتفاع أسعار النفط وليس انخفاضه، يهدد اقتصاديات العديد من الدول، من بينها روسيا و إيران والعراق وفنزويلا ونيجيريا، حيث تعتمد ميزانياتها على عائدات النفط بشكل كبير.

خبراء الاقتصاد والسياسيين يشيرون بأصابع الاتهام إلى السعودية، لمحاولتها الإبقاء على سقف إنتاج يتجاوز الـ10 ملايين برميل من النفط يوميًّا، وعدم اتخاذها أي إجراء عملي للإبقاء على سعر 100 دولار للبرميل، وكما تقول “ديبورا غوردن”، مديرة الطاقة والبيئة في برنامج كارنيجي، إن دعم السعودية لانخفاض أسعار النفط، يسبب مشاكل لغريمتيها روسيا وإيران. فأسعار النفط المنخفضة تؤثر سلبًا على اقتصاد روسيا التي يتعرض لعقوبات أمريكية وأوروبية، بسبب موقف موسكو من الأزمة في أوكرانيا. كما ستتأثر إيران أيضًا من انخفاض أسعار النفط، مما قد يجعل طهران، حسب “الفايننشال تايمز”، تتنازل في محادثاتها مع الغرب بشأن برنامجها النووي، والتي تتمنى السعودية أن تصل إلى طريق مسدود.

وعلى النقيض يحاول الاقتصاديون والسياسيون السعوديون نفي وجود دوافع سياسية وراء إغراق السوق النفطية من قبل السعودية، عبر التأكيد على أن هدف السعودية من وراء هذه السياسة هو اقتصادي بحت، وهو العمل على إقناع أمريكا بعدم اقتصادية إنتاج النفط الصخري بسبب كلفته العالية، والاكتفاء بالنفط السعودي الرخيص، كما أن البعض حاول أن يبرر هذه السياسة بمحاولة السعودية التأكيد على أنها الطرف المؤثر في أوبك، أو محاولة سد العجز السعودي بزيادة حجم الإنتاج، إلا أن كل هذه المبررات لم تصمد أمام منطق السوق المبني على قاعدة العرض والطلب والسياقات التي تعتمدها منظمة أوبك التي أنشأت بالأساس للحفاظ على أسعار معقولة للنفط، تكون في صالح الدول المنتجة والمستهلكة في آن واحد.

للوقوف على تبعات انخفاض أسعار النفط، تطرح “ساسة بوست” الأسئلة التالية:

 

  • لماذا لا تتأثر السعودية ودول الخليج بانخفاض أسعار النفط؟    

تنتج دول مجلس التعاون الخليجي، 17 مليون برميل من النفط يوميًّا (ما بين 12 و13 مليون برميل يتم تصديرها) لذا تحصل هذه الدول على 90 % من إيراداتها العامة من عائدات النفط. وتنتج السعودية والإمارات والكويت وقطر مجتمعة حوالي 16 مليون برميل يوميًّا، أي أكثر من نصف إنتاج دول “أوبك” الذي يصل إلى 30.5 مليون برميل في اليوم.

ورغم هذا الاعتماد الكبير على عائدات النفط من قبل الخليج إلا أن خبراء اقتصاديين يستبعدون أن يؤثر انخفاض أسعار النفط في اقتصاديات منطقة الخليج نتيجة الأوضاع المالية الجيدة لمعظم حكومات مجلس التعاون الخليجي بما يكفي لاستمرارها في الإنفاق السخي، حيث إنه من المتوقع أن يكون لنمو القطاع الخاص في هذه الدول دور في تعويض أي تراجع في نشاط قطاع النفط والغاز ومن المتوقع أن يشهد عام 2015 زيادة طفيفة في معدلات النمو الاقتصادي الخليجي، بفضل القطاع الخاص.

وفي السعودية تشير التوقعات إلي أن النمو الاقتصادي سيبلغ 4.3% في العام المقبل 2015، في مقابل 4.2% في 2014، وأن ينمو الاقتصاد القطري بنحو 6.7 % في 2015، فيما تشير التوقعات إلى أن النمو الاقتصادي في الإمارات نحو 4.3% في العام المقبل. كما تشير التوقعات إلى أن السعودية ستسجل فائضًا بنسبة 2% من الناتج المحلي الإجمالي في 2015.

السعودية التي يتوقع المختصون ألا تتأثر بانخفاض الأسعار على المدى القصير اتخذت موقفًا محسوبًا بدقة، رغم ما فيه من المجازفة، بدعمها انخفاض أسعار النفط إلى نحو 80 دولارًا للبرميل. ففي مقال تحليلي توقعت صحيفة “الفايننشال تايمز” أن تتحمل السعودية عبء انخفاض أسعار النفط، باستخدامها احتياطي العملة الصعبة الضخم الذي تتمتع به، لسد العجز في الميزانية. وفي الوقت ذاته، تؤكد الصحيفة أن انخفاض أسعار النفط بشير خير لاقتصاديات الدول الأوروبية والصين، التي هي أكبر زبائن السعودية.

ويوضح الخبير الاقتصادي السعودي عبد الله الكويز أن “غالبية دول مجلس التعاون كونت احتياطات مالية صلبة تسمح لها بالتعامل مع التداعيات، وجميع الدول الخليجية احتسبت موازناتها على أساس سعر 80 دولارًا للبرميل أو أقل”. ويقول هذا المسؤول النفطي السابق في مجلس التعاون، ارتفعت عائدات دول مجلس التعاون الخليجي لا سيما النفطية منها، من 366 بليون دولار في 2009، إلى 729 بليون دولار العام الماضي، وفق إحصائيات صندوق النقد الدولي ومجموعة “كامكو” الاستثمارية الكويتية.

كما يعتقد المحلل الكويتي موسى معرفي أن دول الخليج “في موقع صلب للصمود بضع سنوات” إذا ما اندلع خلاف حول مستويات الإنتاج. وقال معرفي الذي كان في السابق عضوًا في المجلس الأعلى للبترول في الكويت، إن: “السعودية وغالبية دول مجلس التعاون قادرة على مواجهة الضغوطات التي تمارس من أجل خفض الإنتاج وبالتالي خسارتها حصة من السوق”.

يذكر أن صندوق النقد الدولي اعتبر في تقرير أصدره مؤخرًا، أن “دول الخليج قادرة على الاستمرار في برامجها الإنفاقية على المدى القصير”.

 

  • كيف سيؤثر انخفاض الأسعار على إيران؟

يعاني الاقتصاد الإيراني من وطأة العقوبات الدولية المفروضة عليه، فهو يعاني من التضخم الذي تقدر نسبته بـ (39%) وبطالة (17%) وفقر (20% من السكان) ومن معدلات نمو سلبية (-1.7% عام 2013) واختلالات اقتصادية أخرى كثيرة. لذلك سيقود هبوط أسعار النفط إلى تفاقم هذه الأزمة، وبالتالي إلى تقهقر دور إيران في المنطقة العربية عامة وسوريا خاصة. وحتى يكون هذا الهبوط مؤثرًا يتعين أن تنخفض الأسعار إلى دون الحد الأدنى الذي ارتكزت عليه تقديرات ميزانيتها، وهو 100 دولار تقريبًا. وهذا ما حدث فعلاً.

ويوضح رئيس نادي البوسفور وجمعية “المصادر العالمية” محمد أوغوتجو، أن انخفاض أسعار البترول وجه ضربة لقطاع الصناعات الهيدركربونية التي كان الإيرانيون يحاولون دعمها بالتكنولوجيا، بعد أن تأثرت إلى حد كبير بالعقوبات المفروضة، مشيرًا إلى أن تزامن انخفاض أسعار البترول مع ازدياد التوتر الجيوبولوتيكي في المنطقة، وتقدم تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، عمق آلام الاقتصاد الإيراني.
ويشير التحليل الذي نشرته مجلة “ناشيونال إنترست” الأمريكية، إلى أن إيران وضعت ميزانية العام الحالي على أساس أن سعر النفط 100 دولار للبرميل، وصادرات النفط 1.5 مليون برميل يوميًّا، وتفاءلت بعد أن وصلت أسعار النفط ذروتها في يونيو/ حزيران الماضي، عند 113 دولارًا للبرميل.
وذكر التحليل أن الرئيس الإيراني حسن روحاني يشعر بعدم الارتياح إزاء انخفاض أسعار النفط الحالي، حيث إنه مع انخفاض أسعار النفط لم يستطع الإيفاء بوعده إبان حملته الانتخابية بتحقيق “الازدهار الاقتصادي”، وخفض التضخم،، وهذا من شأنه إضعافه في الداخل، بينما تكثف العناصر المحافظة في مجلس الشورى انتقاداتها، وقد ينضم المحافظون الأكثر اعتدالاً إلى المعركة.

 

  •  كيف سيؤثر انخفاض أسعار النفط على روسيا؟

قبل زيارة أوباما إلى المملكة العربية السعودية، ناقشت وسائل الإعلام الأمريكية خيارات عقاب روسيا بسبب السلوك في شبه جزيرة القرم، واقترح رجل المال الأمريكي جورج سوروس على دولته أن تبيع من 500 إلى 750 ألف برميل يوميًّا من مخزونها الاستراتيجي، مما سيؤدي إلى انخفاض في أسعار النفط العالمية بنحو 10 إلى 12 دولارًا للبرميل الواحد.

ولأن روسيا وهي أكبر دولة أوروبية مصدرة لنفط تواجه عقوبات غربية تزداد تدريجيًّا على خلفية الصراع مع أوكرانيا ستتأثر حسب تقدير الخبراء بتخفيض سعر البرميل بنسبة أقل من 12 دولارًا عن سعره الحال (أبريل الماضي سجل 113 دولارًا للبرميل)، وستخسر 40 مليار دولار في إيراداتها السنوية من تصدير النفط.

ورغم أن وزير الطاقة الروسي الكسندر نوفاك حاول التقليل من أثر الانخفاض على بلاده، وقال لصحيفة “السفير” خلال مؤتمر صحفي: “إن الموازنة ما تزال تحت السيطرة، في حال استمر التراجع هذه السنة”. إلا أنه لم يخفِ السلبيات الأكيدة لتراجع الأسعار، وقال: “في كل مرة تنخفض الأسعار، فإنّه يؤثر على برامج الاستثمار والموارد المالية لشركاتنا كما يزيد من مدفوعاتنا”.

 

  • ما هو موقف أوبك من انخفاض الأسعار؟

لا توجد سياسات دولية تمنع الدول المنتجة للنفط من رفع أو خفض الأسعار، حتى أن منظمة أوبك دورها إرشادي للدول الأعضاء وغير ملزم لها بخفض أو رفع الإنتاج أو الأسعار، لذا يتوقع الخبراء عدم الجدوى من اجتماع أوبك المقرر في 27 نوفمبر المقبل في فيينا، والذي طالبته به فنزويلا التي أبدت قلقها من هبوط أسعار النفط، يذكر أن سعر برميل النفط الفنزويلي يبلغ في المعدل 94.99 دولار في 2014، مقابل 98.08 دولار في 2013 و103.42 في 2012.
وتفسر صحيفة “يو إس إيه توداي” موقف أوبك وأعضائها الكبار بالسماح بتراجع الأسعار إلى ما دون 80 دولارًا، بالقول أن البدائل لدى الولايات المتحدة صارت أفضل كثيرًا، بل صارت ثورة الغاز الصخري تمثل تهديدًا للدول المنتجة في الشرق الأوسط. كما أنه مع تطور تقنيات التكسير الهيدروليكي، والتوقعات المتواترة باستقلالية الولايات المتحدة فيما يخص الطاقة في مدى زمني قريب “عام 2020” فهذا يعني تراجع الدور الذي تلعبه منطقة الشرق الأوسط في سوق الطاقة عالميًّا. وهذا ما تراهن عليه “أوبك”، وتحديدًا على لسان أمينها العام “عبد الله البدري” الذي يرى أن بقاء الأسعار عند 85 دولارًا يعني خروج الكثير من الاستثمارات من السوق، حيث إن 65% من المنتجين يعانون من ارتفاع التكاليف.

يشار إلى أن أوبك تنتج 30.7 مليون برميل يوميًّا في حين تستوجب العودة إلى أسعار الأشهر الماضية أن يكون سقف الإنتاج 29.2 مليون برميل. بمعنى أن زيادة قدرها 1.5 مليون برميل أدت إلى تدني الأسعار. ساهمت غالبية دول المنظمة في هذه الزيادة خاصة السعودية والعراق وليبيا وإيران.

 

  • ما هي التوقعات في لعبة أسعار النفط؟

من الممكن القول أن استخدام النفط الآن كسلاح سياسي يشبه ما حدث عشية انهيار الاتحاد السوفيتي، أي أنها معركة “تكسير عظام” تكشر فيها الولايات المتحدة عن أنيابها الاقتصادية وتوجهها هذه المرة إلى روسيا بشكل مباشر بدل من حلفائها، وقد يصل هذا إلى مراحل أعنف من ذلك حال استمرار الولايات المتحدة والسعودية بتخفيض سعر النفط. ويبقي السؤال ما هي ردة فعل روسيا وحلفائها؟ وهل يمكنها أن تقف ساكتة أمام خسارة تتجاوز 100 مليار دولار بشكل سنوي في قطاع يشكل 70% من قوتها الاقتصادية.

يقول الكاتب مصطفي اللباد: “يمكن من الآن تخيل الاصطفاف المتوقع (يقصد اجتماع أوبك القريب): السعودية والإمارات في مقابل إيران والعراق. ولكن توقع نتيجة المبارزة سيكون صعبًا مع ذلك، بسبب أن فنزويلا ونيجيريا تريدان أسعار نفط تزيد عن مئة دولار للبرميل، وسيلعبان دورًا يصب موضوعيًّا في مصلحة إيران في الاجتماع، ويتابع في مقاله (السعودية وإيران: حرب أسعار النفط إذ تشتعل): “مع تصدر السعودية لمصدري النفط في العالم بحصة تفوق حصص منافسيها بأشواط، فالأرجح أن إيران ستضطر إلى لعب اللعبة السعودية ذاتها في نهاية المطاف، أي عرض المزيد من التخفيض على نفطها خصوصًا المتوجه إلى الأسواق الآسيوية”، وهذا حسب الكاتب سيؤدي إلى تقليص إيراداتها الآنية ويشكك في جدوى الاستثمارات الأجنبية المتوقعة في حال رفعت العقوبات. وتكتمل دائرة الضغط على النفط الإيراني، عند ملاحظة التوقعات المرجحة في سوق النفط العالمية بأن تزيد أميركا إنتاجها من النفط بمقدار مليون برميل يوميًّا مع نهاية العام المقبل، ليصبح الإنتاج الأميركي من النفط في دائرة حجمها عشرة ملايين برميل يوميًّا، ما سيضغط أكثر على الأسعار في السوق العالمية، وبالتالي على إيران.

المصادر

تحميل المزيد