الإنسان عدو ما يجهله، والعداوة في هذه الحالة تكون نابعة عن الخوف من الأمور الغامضة التي قد ينطوي عليها هذا المجهول، وعادًة ما يحاول الإنسان تفسير الأمور الغامضة بقصص قد لا تكون حقيقة، وقد تكون مخيفة أكثر من المجهول ذاته، ولكن المعرفة في حد ذاتها تشعره بالاطمئنان.

ولذلك قد يظهر وباء، له أعراض غريبة ومجهولة، وربما مخيفة أيضًا، ولا يكتشف الطب ماهية هذا الوباء، ولا سببه، ولا مصير من يصاب به، ولذلك تبدأ الأساطير الشعبية حول هذا الوباء، وتفسيره تفسيرات خرافية لا تمت للواقع بصلة.

وبدلًا عن مساعدة المرضى المصابين من الوباء المجهول، يبدأ الناس في تجنبهم والخوف منهم، وهو ما حدث بالضبط في القرن التاسع عشر في أوروبا وأمريكا؛ حيث بدأت فكرة مصاصي الدماء كما نعرفها الآن بسبب انتشار الأوبئة، والتي كانت مجهولة في ذات الوقت، وتلك هي القصة التي نحكيها لكم في هذا التقرير.

تاريخ

منذ شهر
الطب الإمبريالي.. كيف واجهت أوروبا الأوبئة داخل مستعمراتها؟

السل.. ثلث سكان العالم حاملون للوباء

مرض السل ينجم عن جرثومة تدعى «المتفطرة السلية» – بحسب منظمة الصحة العالمية – تلك الجرثومة التي تصيب الرئتين، وينتقل مرض السل من شخص لآخر عن طريق الهواء، فالسعال، والعطس، أو البصق، يمكنها نقل المرض لأقرب شخص للمريض، وما يقرب من ثلث سكان العالم يعتبرون حاملين لجرثومة وباء السل، ولكنهم غير مصابين به، ولا يمكنهم أيضًا نقل الجرثومة إلى شخص آخر.

الحاملون لعدوى جرثومة السل معرضون للإصابة بهذا المرض بنسبة تصل إلى 10%، ولكن تلك النسبة تزيد طرديًا مع إصابة الأشخاص بمرض نقص المناعة، أو سوء التغذية، أو السكرى. تتمثل أعراض مرض السل في السعال والحمى والتعرق الليلي وفقدان الوزن، ويمكن للشخص المصاب أن ينقل العدوى إلى أكثر من 15 شخصًا.

وفي العام 2000 تؤكد منظمة الصحة العالمية أنه تم إنقاذ ما يقرب من 49 مليون شخص من هذا المرض، ولكن هذا لم يكن الوضع في أوروبا أواخر القرن الثامن عشر، وأوائل القرن التاسع عشر، وقتما ظهر هذا المرض ليفتك بالكثير دون أن يفهموا له سببًا أو علاجًا. في ذاك الوقت الذي لم يكن يعترف فيه الطب بجرثومية المرض من الأساس، فُتح الباب للأساطير الشعبية لتفسير هذا الوباء الغامض.

العزل والخرافة والأساطير

في أواخر القرن الثامن عشر، استطاع وباء السل أن يحصد أرواح ما يقرب من 2% من سكان نيو إنجلاند، وقتها لم يكن الطب متطورًا في أمريكا وأوروبا، ولم يكن هناك أي لقاحات، أو مضادات حيوية، يمكنها محاربة هذا المرض، ولذلك كان عزل مرضى السل في المصحات البدائية هو الحل الذي لجأوا إليه آنذاك، واستنزاف مرض السل لصحة المصابين جعلهم أشبه بالأشباح، وكأن المرض يسحب طاقة الحياة منهم، فلجأ المرضى إلى العلاجات الشعبية، بينما لجأ باقي أفراد المجتمع الذين يشاهدون المرضى يتحولون إلى أشباح تسير على قدمين إلى التفسيرات الأسطورية لهذا الوباء.

«شكل المريض يبث الرعب في قلبك، بجبينه المغطى بالعرق، والأعين التي غاصت في الجمجمة البارزة، والأنفاس اللاهثة المخيفة»؛ هكذا وصف أحد أطباء القرن الثامن عشر في نيو إنجلاند مرضى السل، وربما كان يخشى الناس من المرض، ولكنهم كانوا يخافون من المرضى أكثر من المرض نفسه.

في هذا الوقت كانت تلك الأعراض وشكل المريض تربة خصبة للكثير من التفسيرات الخرافية، وأكد عالم الآثار نيكولاس بيلانتوني أن انتشار وباء السل كان بداية ظهور مصطلح مصاص الدماء، فالأسطورة التي سادت أن هؤلاء المرضى يكونون بهذا الضعف لأنهم لا يحصلون على دماء كافية من البشر، والسبب في أن الأطباء لم يجدوا علاجًا لهذا المرض لأن علاجه الوحيد هو أن يمتص المرضى دماء بشر آخرين حتى تعود الحياة إليهم، والتي امتصها هذا المرض من أجسادهم، وجعل بشرتهم بيضاء تمامًا خالية من الدم مثل الصورة التي تعودنا عليها لأي مصاص دماء في أفلام هوليوود.

التمثيل بجثث المصابين بالسل

يتوفى واحد من أفراد الأسرة بالقرن الثامن عشر في نيو إنجلاند إثر إصابته بمرض السل الغامض، وقبل وفاته يكون قد نقل بالفعل المرض لعدد من أفراد أسرته، ولكن لم تظهر عليهم الأعراض بعد، وبعد مرور أيام من دفن الجثة المصابة، تبدأ بعض الأعراض في الظهور على المصابين من أسرة المتوفى، والوجوه تشحب، والوزن ينقص، وتتحول أجسادهم إلى نسخة من المتوفى، وتبدأ الأساطير التي تقول إن المتوفى بهذا الوباء يخرج من قبره ليمتص دماء أسرته بغرض الحصول على طاقة الحياة منهم مرة أخرى، وتأتي من هنا فكرة رقود مصاص الدماء في الصباح داخل التابوت، وفي الليل يخرج للبحث عن غذائه الذي يمنحه الطاقة.

فنون

منذ 3 سنوات
مصاصو الدماء يحيون بيننا.. هل تخيلت هذا من قبل؟

كم مرة رأيت في أفلام مصاصي الدماء، البطل يهجم على تابوت مصاص الدماء حتى يقتله مرة أخرى ويتخلص من لعنته، حتى تلك المشاهد مستوحاة من الواقع، فالخطوة التالية التي جاءت في أذهان سكان نيو إنجلاند نتيجة الذعر الذي سيطر عليهم من فكرة أن هؤلاء الموتى الأحياء مصاصي الدماء يتغذون عليهم أثناء النوم؛ هو حفر قبور موتاهم الذين أصيبوا من وباء السل والتمثيل بجثثهم للتأكد من موتهم، وضمان عدن عودتهم مرى أخرى لحصد المزيد من الأصحاء.

وأطلق على هذا الطقس «طقس الاستخراج للعلاج»، وغالبًا ما كان أفراد الأسرة الأحياء هم الذين يحفرون ويشوهون جثث موتاهم، وظلت تلك الممارسة منتشرة في أوربا لأكثر من قرن، واختلفت الطقوس من منطقة لأخرى، فالبعض كان يقلب الجثة على وجهها فقط ويعيد دفنها مرة أخرى، ولكن للبعض الآخر كانت هناك طقوس متطرفة مثل استخراج قلب الجثة للتأكد من وجود دم فيها أم لا، وإذا وجد فيها دم يعتبرون هذا دليلًا على أن المتوفى مصاص دماء.

وفي تلك الحالة كانوا يحرقون هذا القلب ويستنشق أقارب المتوفى دخان الحريق ظنًا منهم أن هذا الطقس يقيهم من أعرض الوباء، وبعض الأسر كانت تحرق الجثة كاملة ويخلطون رماد الجثة بطعامهم. وفي حادثة سجلها التاريخ بالعالم 1892 توفيت فتاة بالغة من العمر 19 عامًا بسبب وباء السل، وأصيبت والدتها وشقيقتها بالمرض بعد وفاتها وأخيها أيضًا، فحفر السكان قبرها ووجدوا بقايا دماء في فمها وقلبها، وأحرقوا قلبها وجعلوا أخاها يتجرع جزءًا من هذا الرماد، ومات هذا الشقيق بعد بضعة أشهر من هذا الطقس.

داء الكلب.. أشعة الشمس والثوم

نرى في أفلام مصاصي الدماء الأبطال يحتمون بالثوم والنهار تحت اشعة الشمس من مصاصي الدماء؛ لأنها قادرة على قتلهم، وتلك المعتقدات لها أصول أيضًا على أرض الواقع مرتبطة بوباء آخر انتشر بالقرن الثامن عشر في أوربا وهو داء الكلب.

في عام 1998 أشار الطبيب  الإسباني خوان جوميز ألونسو أن وباء داء الكلب الذي انتشر في المجر خلال أعوام 1721 وحتى 1728 كان له دور كبير في ترسيخ فكرة مصاصي الدماء في الفكر الغربي، وهذا لأن المصابين بهذا المرض سواء من البشر أو الحيوانات كان من الممكن أن يعضون الآخرين وينقلون لهم العدوى، ومن هنا جاءت فكرة عضة مصاص الدماء الشهيرة في رقبة الآخرين، والتي يكون لها القدرة على تحويل هذا الشخص إلى مصاص دماء أيضًا. ومن أعراض داء الكلب هو إصابة المريض بحساسية مفرطة تجاه ضوء الشمس، وعدم تحمل الروائح النفاذة مثل الثوم، ومن هناك جاءت أسطورة أن الشمس تقتل مصاص الدماء.

بالرغم مما يمر به العالم الآن من رعب وذعر بسبب فيروس كورونا، فالأمر لا يمكن مقارنته بالقرون الماضية، عندما كان الوباء لا يمكن تفسيره، ولا كيفية الوقاية منه إلا من خلال الخرافات في أغلب الأحيان، إذ كان صوت الخرافة أقوى من صوت العلم، بل لم يكن هناك من الأساس مفهوم «الفيروس»، ولذلك كان الرعب أعظم، والتفسيرات أكثر غرابة وأسطورية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد