الزغاريد موسيقى خاشعة، لها لحن مميز تخرج من حناجر النساء، حين تشتبك كلمات الفرح بداخلهم ولا يسعها الخروج، أو حين يكسرهم الحزن في أحيان أخرى. أو يمكن القول بأن الزغاريد مخزون هائل من المشاعر يفيض إلى حد لا يمكن التعبير عنه بالكلمات. قد تكون هذه المشاعر قمة الفرح أو أقصى درجات اليأس وربما المقاومة. وفي الوطن العربي أضحت الزغرودة لغة قومية يفهمها الجميع بالفطرة، مثل طبل المسحراتي، وأجراس الكنائس، وصوت الأذان. وللزغاريد تاريخ طويل مع الشعوب، وحكايات مختلفة ظلت تتوارثها الأجيال، والآن دعونا نحكي لكم كيف بدأت الزغرودة وتطورت في البلاد العربية.

3 روايات مختلفة عن أصل الزغرودة

كلمة الزَّغْرَدَةُ في لسان العرب تعني هدير يردده الفحل في حلقه، وفي كتابه «زغرودة- دراسات في الزغرودة الشعبية السورية» يُعرِّف الكتاب محمد خالد رمضان، الزغرودة، بأنها تعود إلى الفعل الرباعي «زغرد» ويعني رفع النساء لصوتهن في الأفراح وجمعها زغاريد، وبالعامية يُطلق عليها اسم «زغروطة» في مصر وبلاد الشام، و«الغطرفة» و«اليباب» في الخليج العربي، و«تزغريتة» في بلاد المغرب العربي.

منوعات

منذ شهرين
بدأ مع الفراعنة ومنعته الكنيسة.. تاريخ الاحتفال بأعياد الميلاد في العالم

وفي كتابها «زغاريد الأعراس في بلاد الشام» تقول الدكتورة كاترين صادر، إن أصل زغرودة هي الفعل «زغد» ويُقال زغد البعير وزغدب وزغرد بمعنى الهدير الذي يصدر من حلقه. ويُقال زغردت النساء بمعنى أطلقت أصوات من حناجرها.

وتضيف الكاتبة أن أصل الزغرودة يعود إلى العصر الجاهلي، فيُحكى أن النساء كن يرافقن أزواجهن الرجال إلى ساحة المعركة في الحروب والغزوات؛ لرفع أرواحهم المعنوية ودفعهم إلى خوض غمار الحرب، وأنهن كن يطلقن الزغاريد مع قرع الدفوف والطبول.

وفي رواية أخرى يقول عالم المصريات وسيم السيسي إن عادة الزغاريد ابتدعتها مصر الفرعونية، وتحديدًا الأسرة الثانية قبل الميلاد، فحين رحل الملك سقنن رع الثاني من ملوك الأسرة 17، في حربه لتحرير مصر من الهكسوس ودعته نساء مصر بالطبول والموسيقى والرقص الجنائزي والزغاريد.

أما الرواية الثالثة فتقول إن أصل الزغرودة يعود إلى الموروث الشعبي الهندي؛ إذ يعتقد الهنود أن الزغاريد تطرد الطاقة السلبية من الجسم، كما أنها تمنع الحسد. وبجانب هذه الروايات الثلاثة، كانت هناك أقاويل أخرى حول أصل الزغاريد تُرجعها إلى قبائل الهنود الحمر، الذين كانوا يطلقون أصوات تشبه الزغاريد بأفواههم أثناء عمليات الصيد.

وبعيدًا عن انشغال الباحثين في التراث الشعبي بأصل الزغاريد، فهي تظل موروثًا قديمًا وباقيًا عند أغلب الشعوب؛ إذ لا تخلو مناسبة سعيدة من زغاريد النساء، صانعات الفرح.

الزغاريد في التراث الشعبي العربي.. حزن وفرح على حد سواء

اشتهرت الزغاريد في الموروث الشعبي العربي بالمناسبات السعيدة مثل الأفراح، والنجاح، والذهاب إلى الحج، والولادة، فيقول المثل الشعبي المصري «الحزن يعلِّم البُكا والفرح يعلِّم الزغاريد»، ويقول المثل التونسي «الزغاريد أكثر من الكسكسي» في إشارة إلى أن مشاعر الفرح في الزفاف والتعبير عنه أهم من الطعام.

وللزغرودة أشكال وإيقاعات صوتية مختلفة؛ ففي دول الخليج تختلف عن بلاد الشام، أما السودان فلها إيقاع صوتي مختلف تمامًا، وحتى داخل مصر زغرودة مدينة الإسكندرية تختلف كلية عن زغرودة أهل النوبة، وفي بلاد الشام عادة ما تأتي الزغرودة مصحوبة بالمهاهاة إذ يجري الأمر بهذا الشكل:

آه هي يا طولك طول النخل   آه هي والشعر زي الليل

 آه هي وهادا العريس صاد الغزالة إلي عليها العين

ثم تزغرد مجموعة من النسوة. والمهاهاة هو فن أدبي عريق في بلاد الشام، وله قدرة مذهلة على التجديد؛ لسرعة إيقاعه، وسهولة قوله، وشدة تأثيره، يقول الباحث السوري محمود مفلح البكر في كتابه «أرجوزة المرأة في بلاد الشام» إن المهاهاة هي لون أدبي آني، تبدعه المرأة الشامية للتباهي بأبنائها وتنافس فيه باقي السيدات، وعلى الرغم من الارتباط الشديد بين الزغرودة والفرح، فإن صوتها قد يصدح أحيانًا في الجنائز.

وعلى الرغم من أن الصوت قد يبدو واحدًا، فإن لحن زغرودة الحزن يختلف كلية عن لحن زغرودة الفرح؛ فإذا كنت تقطن في قرية ما وسمعت صوت الزغرودة ينطلق من أحد البيوت ستتمكن على الفور من معرفة ماذا حدث؛ هل شهد هذا البيت فرحة جديدة أم فقد عزيزًا؟ زغرودة الجنازة تكون مثقلة بالحزن، ولهذا فهي أكثر رقة وشجنًا، أما زغرودة الفرح فهي الأعلى صوتًا والأكثر زهوًا.

الزغاريد.. صوت النصر والمقاومة الشعبية 

في مصر لم ترتبط الزغاريد فقط بمناسبات الفرح والحزن، ولكنها ارتبطت أيضًا بمواسم الحصاد، وخاصة حصاد القطن؛ إذ سيتبعه الخير الرغيد وستشتري الأسرة كسوة جديدة احتفالًا بانتهاء الحصاد، وفي فلسطين ارتبطت الزغاريد بزف الشهداء، يقول الباحثان معتصم عديلة، وحسين الدراويش في كتابهما «فن الزغاريد الشعبية في الأعراس الفلسطينية: دراسة أثنوميوسيكولوجية بلاغية» إن الزغاريد في بلادهم ارتبطت دومًا بالشهداء؛ إذ كانت تأتي في خلفية الأغاني مثل أغنية «جابوا الشهيد جابوه، جابوا العريس جابوه، في علم بلده لفوه، يا فرحة أمه وأبوه».

ويضيف الباحثان أن الشهيد في الذاكرة الجمعية الفلسطينية وفي الموروث الشعبي له مكانة مهيبة؛ إذ لا تعد الشهادة محض موت، ولكنها بداية حياة جديدة؛ ولذلك يكون التعامل معه مزيجًا وخليطًا نادرًا من الفرح الشديد والحزن الشديد؛ إنه عرس فلسطيني له طابعه الروحاني، وأثناء نقله إلى مثواه الأخير يُزف الشهيد بالزغاريد ونثر الأرز طوال الطريق.

ووفقًا للباحثين فقد تطورت الزغاريد في المجتمع الفلسطيني من كونها وسيلة لزف الشهيد لمثواه في الجنة، إلى صرخة في وجه المحتل وطريقة للمقاومة، وحدث هذا تحديدًا أثناء الانتفاضة الفلسطينية عام 1965، فحينها انطلقت العمليات الفدائية وخاض الفدائيون الفلسطينيون معركتهم في النضال، وفي الخلفية كانت زغاريد الأمهات تصدح في جو يشوبه الحزن والفخر والاعتزاز في الوقت تفسه، وعلى غرار المرأة الفلسطينية أخبرنا فيلم «عمر المختار» أن النساء الليبيات انطلقن بالزغاريد بعد إعدام عمر المختار، في إشارة لزفه إلى الجنة، وفي الوقت ذاته مقاومة المستعمر الإيطالي.

مؤخرًا وفي أثناء التظاهرات لإسقاط نظام عمر البشير في السودان، كانت الزغرودة النسائية إشارة لبدء انطلاق المواكب الجماهيرية، ومن بعدها تشتعل جميع الشوارع بالهتاف. والحقيقة أن زغرودة المرأة السودانية في الثورة كانت تحمل الكثير من الدلالات، خاصة في ظل القهر الطويل الذي عانت منه المرأة السودانية طوال سنوات، وكأن زغرودتها بمثابة صوتها الذي رُدَّ إليها بعد سنوات؛ علامة كبرياء، فأحيانًا نزغرد لما فقدناه حتى نسترده.

تاريخ

منذ شهرين
إحداها دامت 40 دقيقة فقط.. أقصر 6 حروب في التاريخ

المصادر

تحميل المزيد