9,254

يجول مسلحو «ولاية سيناء» بسيارات دفع رباعي بشمال شبه جزيرة سيناء، في أرجاء قرى جنوب الشيخ زويد، ورفح، وغيرهما، وتمكنوا سابقًا من الوصول لأبراج مراقبة للجيش المصري ورفع رايتهم السوداء عليها. كل ذلك وأكثر من المشاهد يراها أهالي سيناء ليتأكدوا أن المسلحين يريدون بذلك تحدي الجيش المصري.

لم تقتنع القوات المصرية بأن التمرد المسلح والعنف في سيناء لا يمكن القضاء عليه بعنف مماثل، انتهجت سياسية القضاء على كل مشتبه به، وتفاخرت بعملياتها العسكرية التي كانت بالغالب ضد المدنيين، ونشرت على الملأ جثثًا لمواطنين سمتهم بـ«الإرهابيين».

في بداية الحملات العسكرية ضد المسلحين المحليين، كان هدف الجيش المصري تفكيك شبكة من أعداد تقدر في أقصى حد ببضع مئات ينشطون في مساحة معروفة من سيناء، ثم أصبح اليوم مطلوب من الجيش المصري ملاحقة تنظيم مسلح ذي امتداد إقليمي بعد أن بايعت جماعة أنصار بيت المقدس في نوفمبر 2014 وتحولت لولاية سيناء.

فإذا ما استقرأنا نتيجة هذا التعامل من الجيش المصري يتضح أن الحملات العسكرية لمواجهة «الجهاديين السلفيين» في سيناء باتت ذات تأثير محدود للغاية، ويستدل على هذه النتيجة بتضاعف أعداد المسلحين بشكل كبير، إذ قدرها مصدر خاص لنا بـ ثلاثة آلاف بعد أن كانوا لا يتعدون 300 شخص قبل ستة شهور، فقد أصبحت كل مراكز محافظة شمال سيناء الست في مرمى نيران التنظيم، وفي المحصلة تنظيم ولاية سيناء مثل باقي الجماعات التي تعمل خارج إطار الدولة، توسع بسبب ضعف قبضة السلطة المركزية للدولة على الأطراف.

كل ذلك يثير تساؤلات هامة: هل فعلًا توجد حاضنة شعبية لتنظيم «ولاية سيناء»، جعلت سيناء ملكًا حقيقيًّا لهذا التنظيم؟ ولماذا ينضم الشباب السيناوي للتنظيم المتشدد؟ «ساسة بوست» يجول في سيناء، ويُسائل مواطنيها الخائفين عن علاقتهم بـ«ولاية سيناء»، ويستعرض مع نشطاء من مدن سيناوية، أسباب الحاضنة الشعبية التي مكنت التنظيم هناك.

الانتقام بالانضمام لـ«داعش»

أيام هادئة قضاها الشاب السيناوي أحمد (اسم مستعار) في قرية «الجورة»، الواقعة جنوب مدينة الشيخ زويد. كان يصول ويجول وسط حقول القرية الصغيرة، بحلم اقتطاع جزء من الأرض الزراعية، ليبني عليه منزلًا يتزوج فيه.

لكنه قبل أن يبلغ 26 عامًا، تحولت حياته كليًا. لا أحد من معارفه يتعجب الآن، أنه أصبح أحد مسلحي «ولاية سيناء» الذين «يُدوخون» الأمن المصري، ويرعبون أيضًا أهالي سيناء بسلاحهم وقدرتهم على فعل أي شيء.

تغير كل شيء عندما قتل والد أحمد وأخيه في قصفٍ للجيش المصري على منزلهم، وقبل أن يستوعب الشاب حقيقة فقدان الأب والأخ الوحيد وهدم المنزل، تفاجأ مباشرة بعد أيام قليلة بقيام الجيش المصري بحملة عسكرية هدمت ما تبقى من منزله، ومطاردة شرسة من الجيش لأنه يريد اعتقاله على اعتبار أنه «إرهابي». تصرف كالغالبية من السيناويين المطاردين، فعجَّل بترك كل شيء والذهاب إلى إحدى المحافظات المصرية مصطحبًا والدته وأخته، وهناك تمكن من تزويج أخته لأحد أصدقائه، فأمن عليها وعلى أمه، ثم عاد إلى سيناء رافضًا البقاء بأمان بعيدًا عن سيناء.

في المعلومات التي استقصتها «ساسة بوست» أكد شهود العيان أن هذا الشاب لم يكن له أي علاقة بالمسلحين قبل حادث مقتل أبيه وأخيه، وقد أسرّ إلى أحد رفاقه الذي روى لنا الحكاية بأن : «قوات الجيش هي من أجبرته على الانضمام إلى التنظيم بسبب قتلهم لأبيه وأخيه».

من مدرّس إلى قيادي بـ«تنظيم الدولة»!

يبلغ «س.أ» الشاب السيناوي الذي يسكن مدينة رفح 28 عامًا، يمكننا تلخيص حكاية الرجل بأنه كان يعمل مدرسًا بإحدى مدارس القرى الجنوبية للمدينة، ثم أصبح خلال العام الأخير قيادي في «ولاية سيناء».

وفي تفاصيل الحكاية التي توصلنا إليها خلال تحقيقنا، تعود نقطة التحول إلى يوم رأى «س.أ» طريقة فض اعتصام رابعة من قبل الأمن المصري، فقد كان من قبل ذلك شابًّا مصريًّا لا تثيره أي اهتمامات بالشأن السياسي الداخلي. بل إن بعض المواطنين، قالوا لنا إنّه لم تكن لديه أي ميول نحو الالتزام الديني، أو حتى الأخلاقي. «لقد كان يتعاطى المُخدرات»، يقول لنا بعض المواطنين ممن عرفوه.

تغيرت الأمور كليًا، بعد صدمته بما وصفه لرفاقه بـ«فض ووحشية وحرق لجثث معتصمي رابعة»، ثم أثاره غضبًا طريقة تعامل الجيش المصري مع الظروف الأمنية بسيناء، وأخذ يتحدث كثيرًا عن الظلم الواقع على أبناء جلدته، ولاحظ من حوله التغير الكبير الذي نال منه.

وظل هذا التغيُّر يزداد حتى انضمّ قبل عامٍ واحد إلى تنظيم «ولاية سيناء»، فقد اعتبر «س.أ» أن الانضمام لهذا التنظيم المسلح سيمكنه من الانتقام من «حرق قوات الجيش والشرطة للجثث وقتل الأبرياء بسيناء» كما نقل عنه، أما الآن فـ«س.أ» أحد أهم «القيادات العسكرية داخل الحسبة والشرطة الإسلامية بولاية سيناء» كما يقول من يعرفه.

نكايةً بالجيش!

انتقلنا للحديث مع أحد أبناء سيناء، وهو الباحث والأكاديمي أحمد سالم. تحدث الرجل إلينا عن حال أهالي سيناء. قال سالم إن أهالي سيناء يتعرضون  لحملات قاسية من الجيش المصري، وهو يخضع المنطقة بأكملها لتأديب جماعي وتكتيكات سياسة الأرض المحروقة التي لم تراع فيها أي حقوق للمدنيين، سبق ذلك كله حسب «سالم» تاريخ حافل بالتهميش من طرف الدولة لأبناء سيناء، كل ذلك ساهم بخسارة الجيش المصري لقطاعات كثيرة من مؤيديه في سيناء، لذلك يعتبر سالم أن سياسة الجيش المصري هي ما «ساعدت في توفير ما يمكن تسميته بحاضنة شعبية للمسلحين في بعض المناطق».

ويرى سالم أن «التطور النوعي والانتشار الملحوظ للمسلحين قد يبدو انعكاسًا لحاضنة شعبية عريضة»، مُوضحًا أنّ «الأمر مرتبط بشكل أكبر بحجم الغضب تجاه ممارسات الجيش على الأرض إضافة إلى خوف المتعاونين مع الجيش من سكين تنظيم ولاية سيناء». ويصل الأمر حسب سالم إلى اعتبار أن هذه الجماعات: «حلَّت محل الدولة التي تخلت عن واجبها تجاه المواطنين إما في تقديم بعض الخدمات أو توفير الأمن والحماية لمكونات أهلية»، الأمر الذي يُعطي انطباعًا بأن لهذه الجماعات حواضن شعبية. وقد اعتبر سالم، أن ما أسماه بـ«الملحق الأمني لاتفاقية كامب ديفيد» كبل يد الدولة المصرية من فرض تواجد أمني حقيقي.

ويشدد «سالم» على أن الأسباب الرئيسية التي دفعت بعض الأهالي للتعاطف أو حتى الالتحاق بالتنظيمات المسلحة ليست عقائدية، بل كانت لأسباب سياسية واقتصادية بالدرجة الأولى، كما أنها مرتبطة بشكل كبير بحجم الانتهاكات التي تعرضت لها هذه المنطقة.

«ما عليهم لوم لو صاروا داعش»

لتوها انتهت أم عمر (35 عامًا) من الوقوف بطابور سيارات قوامه 500 سيارة، لقد كان انتظارها الأطول على كمين «الريسة»، فهناك كان على جميع المارين أن يخضعوا لتفتيش دقيق، الرجال يقوم الجيش بتفتيشهم، أما النساء فتتولى سيدة مارة تفتيش امرأة أخرى.

تحدثنا إلى أم عمر، السيدة التي اضطرت تحت وطأة الرعب في رفح، إلى أن تترك كل شيء وتغادر لاستئجار منزل في العريش، لكن ما زالت الظروف تفرض عليها الذهاب إلى رفح لقضاء مصالح لها هناك، كأن تذهب تتفقد منزلها خوفًا من أن يدمر أو يستغل في بناء نفق تحته كما تخبرنا.

في هذا المشوار خرجت من العريش السابعة صباحًا، وعندما وصل دورها بالمرور كانت الساعة تقترب من العاشرة، هذه المدة كانت على أكثر من أربع كمائن، كانت السيدة تريد الوصول لمدرسة ابنها في مدينة رفح للحصول على ورقة خاصة، تقول السيدة: «وصلنا المدرسة الساعة 11، كان الطلاب قد غادروا».

تخبرنا السيدة أن طول الانتظار لا يبيحُ لأحد أن يتراجع ويعود من حيث أتى، لأن مصير من يقرر الخروج من الطابور هو إطلاق النار عليه، «يعنى اضلك غصبن عنك» كما تقول أم عمر. وتتابع بلهجتها البدوية: «الجيش يُهيج (يحرض) الشعب والعالم على أهل سيناء ورفح والشيخ زويد، وهم ما لهم ذنب»، تروي لنا السيدة المزيد من آلامها وهي ترى شباب سيناء يسجنون ظلمًا ويعذبون، متسائلة عن حال شاب طرده الجيش من بيته ثم أخذوا البيت وحولوه إلى معسكر، وتتابع السيدة القول بقهر: «ما عليهم لوم لو صاروا داعش، ويقتلون أهلهم، لأن الجيش هدم بيوتهم، وأخذ أراضيهم».

منظومة المشايخ الحكومية خلقت حاضنة لـ«الإرهاب»

يؤدي المشايخ دورًا مؤثرًا في حياة أهالي سيناء البدو، وقد أدرك الجيش المصري ذلك، فسارع لوضعهم تحت منظومة «ولائه»، اختار منهم من يكون «مُطبلًا» لقرارات الحكومة المصرية، ومن يمهد لفعل أي شيء تحت مبدأ التضحية الوطنية من أجل محاربة الإرهاب في سيناء. وأدرك الشباب السيناوي أن مشايخه في الغالب هم صورة أخرى من صور البطش الحكومي.

يُخبرنا الباحث في الشأن السيناوي عبد الرحمن يوسف بأن مكتب شؤون القبائل في المخابرات الحربية بسيناء كان سببًا في «التفرقة بين القبائل عن طريق اختيار مشايخ يوالون السلطة فقط» وعمل على إبعاد القادة الطبيعيين. وبالتالي لم يعد الناس مُلتفين – بحسب يوسف – حول قادة طبيعيين يستطيعون توجيههم بناء على الثقة المتبادلة بينهم.
ويؤكد يوسف لـ«ساسة بوست» أن السياسات الأمنية والعسكرية أثرت على تكوين حاضنة شعبية للجماعات الإرهابية والمسلحة في سيناء «لأنها لم تكن قائمة على احتضان أهالي سيناء، بل باعتبار الكثير منهم هدفًا محتملًا ومشكوكًا فيه» على حد تعبير يوسف الذي يتابع القول إن: «كثيرًا من أهالي سيناء تعرضوا للظلم وهو ما استغلته «الجماعات الإرهابية المسلحة» في تجنيد أفراد من العائلات المُنكل بها.

ويشدد يوسف على وطنية الأهالي ومساهمتهم في تحرير سيناء مُشيرًا إلى عدم مراعاة الأمن الخصوصية الثقافية في تعامله مع النساء مُنذ تفجيرات شرم الشيخ ودهب في عامي 2004 – 2005 ولفت إلى أن الانتهاكات التي تتعرض لها النساء في تفتيش المنازل أو في الأكمنة هي أمور شديدة الحساسية ولها غضب مُضاعف عند أهل سيناء.
وهو ما يؤكد عليه أحمد صقر – مساعد رئيس جهاز تعمير سيناء الأسبق – عندما قال إن السياسات الأمنية «الخاطئة» تسببت في احتقان مجتمعي «ووفرت بيئة خصبة لنمو التطرف» ويضيف صقر لـ«ساسة بوست»: «انفلات الإستراتيجية الأمنية يقابله انفلات في السلام الاجتماعي».

ويوضح صقر أن البطش الأمني جعل تكلفة خسائر المواطن إذا تواطأ مع «الإرهابيين» هي نفس التكلفة إذ لم يتواطأ معهم وهو «ما استغلته داعش لجذب الشباب السيناوي» على حد تعبير صقر، الذي ختم حديثه «لو لم تُدجن الحكومة منظومة المشايخ الحكومية لما كان النسيج المجتمعي ضعيفًا بهذا الشكل».

مئات القتلى في صندوق سيناء الأسود

هناك قتل تعسفي أو خارج نطاق القانون نتيجة للعمليات العسكرية بشبه جزيرة سيناء في الوقت الذي رفضت فيه السلطات المصرية طلبات تواجد مسؤولين أمريكيين بسيناء – لمراقبة استخدام السلاح – لأسباب أمنية لمدة استمرت لعام.

هكذا أفادت وزارة الخارجية الأمريكية في دراسة نشرها مركز بروكينجز للدراسات والأبحاث في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي عن تأثير القمع على المستقبل السياسي لمصر.

إذً رفض الجيش المصري السماح لحليفه الأمريكي بمراقبة الأوضاع الأمنية في سيناء بالرغم من سعي النظام المصري آنذاك من وقف تعليق المساعدات العسكرية الأمريكية. في الوقت الذي سعى فيه الأمريكيون من مراقبة الوضع في سيناء لنظر إمكانية استخدام قانون ليهي الذي يحظر على الإدارة الأمريكية التعاون مع دولة ينتهك جيشها حقوق الإنسان.

وهو ما يعكس حساسية الوضع الأمني في سيناء ورغبة النظام في إخفائه حتى عن حلفائه الإستراتيجيين. ففي سيناء لا يسمح النظام المصري من مصدر للمعلومة سوى الجيش من خلال بيانات المتحدث العسكري، حتى أن أحد مصوري جريدة مُقربة من النظام وهو أحمد أبو دراع حُبس مطلع سبتمبر (أيلول) 2013 ليحاكم عسكريًّا بتهمة نشر أخبار كاذبة عن القوات المسلحة. وفي هذا الصدد يفيد تقرير لنيويورك تايمز أن الجيش المصري يريد أن يُبقي على أدلة انتهاج سياسة الأرض المحروق لمحاربة المتشددين «مخفية».

ولمعرفة عدد القتلى في سيناء أجرت ساسة بوست مسحًا لمنشورات المتحدث العسكري على صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي «فيس بوك» في الفترة منذ بداية سبتمبر (أيلول) 2013 – بعد فض اعتصامي رابعة والنهضة بأسبوعين – حتى نهاية شهر مارس (آذار) الجاري تحديدًا حتى يوم 28 مارس 2015 .

وقد قتل الجيش المصري ما لا يقل عن 2100 ممن وصفهم بالعناصر الإرهابية أو التكفيرية، وألقى القبض على ما لا يقل عن 2718 شخصًا كان أغلبهم مُشتبهًا فيهم وضمت الحصيلة «مطلوبين أمنيًّا» على حد وصف المتحدث العسكري.

وفي ظل التعتيم الإعلامي يتعثَّر حصر عدد الضحايا المدنيين، ولكن في الوقت ذاته فإن عدم وجود مصادر محايدة في سيناء يزيد من الشكوك بأن بعضًا ممن يصفهم الجيش بالتكفيرين أو الإرهابين قد يكونون غير ذلك، وعلى كلٍّ فإن سياسة الأجهزة الأمنية في سيناء ينتقدها محللون لكونها قد تؤدي إلى توفير تربة خصبة للـ«عنف».

تعليقات الفيسبوك