حتى الآن، نجح المغرب نسبيًّا في التعامل مع جائحة كورونا على الصعيد الصحي، إذ لم يشهد تسونامي الوفيات والإصابات التي حلَّت بالبلدان التي تقع على الضفة الأخرى للبحر الأبيض المتوسط. ومع ذلك، فما يزال يواجه تحديًا صعبًا لا يقل أهمية، وهو الأضرار الاقتصادية لوباء كورونا على اقتصاد المغرب.

في هذا التقرير نتعرف بالتفصيل إلى التداعيات الاقتصادية للفيروس التاجي على البلاد، وما الفرص التي تتيحها الأزمة.

1. كيف أثرت جائحة كورونا في اقتصاد المغرب؟

أتت الآثار العالمية والمحلية الناجمة عن جائحة كورونا بالتزامن مع موجة الجفاف التي تضرب المغرب منذ بداية العام. ولذلك، من المتوقع أن يعاني الاقتصاد المغربي من ركود خلال هذه السنة، هو الأسوأ منذ أكثر من عقدين، كما يتوقع البنك الدولي.

عربي

منذ 4 شهور
«سباق اللايف».. كيف أحيا فيروس كورونا النقاش السياسي في المغرب؟

وعلى إثر ذلك، يتوقع البنك الدولي انخفاضًا في ​​الناتج المحلي الإجمالي للمغرب بنسبة 1.7% في عام 2020، وارتفاعًا في عجز الميزان التجاري. بينما خفَّضت المندوبية السامية للتخطيط، وهي المؤسسة الإحصائية الرسمية، توقعاتها لمعدل نمو الاقتصاد المغربي لهذا العام بنسبة الثلث، إلى 2.2%، وإذا كان الاقتصاد لا ينمو جيدًا، فهذا يعني بشكل عام عدم تزايد الثروة الوطنية، وتوفُّر القليل فقط من الوظائف الجديدة.

وتفيد المندوبية السامية للتخطيط أيضًا أن قرابة 67% من الشركات (المقاولات) المصدرة بالمغرب ربما تضررت من جراء الأزمة الصحية الراهنة، وأن شركة واحدة من بين كل تسع شركات ربما أوقفت نشاطها نهائيًّا. وفي دراسة أخرى أجراها الاتحاد العام لمقاولات المغرب، أظهرت أن حوالي 47% من الشركات التي شملها الاستطلاع سجلت انخفاضًا في نشاطها الفصلي بأكثر من 50%.

700 ألف موظَّف عجزوا عن العمل أو جرى فصلهم نتيجة الأزمة.

وفي السياق نفسه، يقول وزير الشغل والإدماج المهني محمد أمكراز إنَّ أكثر من 700 ألف موظَّف عجزوا عن العمل أو جرى فصلهم نتيجة الأزمة. فيما تشير مندوبية التخطيط إلى أنه جرى تقليص 726 ألف منصب شغل، منها 133 ألف منصب في قطاع التصدير، 7200 في قطاع الإعلام والاتصال، و14 ألفًا في الصناعات المعدنية والميكانيكية، و11 ألفًا في قطاع الصناعة الغدائية.

2. ما أبرز القطاعات الاقتصادية التي ضربتها أزمة كورونا؟

تشمل الارتجاجات التي خلفتها الجائحة على الاقتصاد المغربي مجموعة من القطاعات الاقتصادية، أبرزها قطاع السياحة، والنقل الجوي، والنسيج.

وفي هذا السياق، تتوقع الكونفدرالية الوطنية للسياحة تراجع عدد السائحين خلال السنة الجارية إلى النصف، أي 6 ملايين سائح بعدما حققت رقمًا قياسيًّا سنة 2019 بمجموع 13 مليون سائح، وهو ما يعادل خسارة للقطاع تقدر إجمالًا بـ3.4 مليار دولار. وذلك بعدما قُيدت حركة السفر حول العالم للحد من تفشي فيروس كورونا.

ويوفر القطاع السياحي بالمغرب 750 ألف فرصة عمل، ويشكل 7% من صافي الناتج المحلي. كما أنه يعد مصدرًا مهمًّا للعملة الصعبة، إذ يجلب وحده حوالي 19% من إجمالي العملة الصعبة للبلاد. فضلًا عن الخسائر المالية التي تتكبدها شركة الطيران المغربية والمقدرة بحوالي 5 مليون دولار يوميًّا بسبب تعطيل حركة السفر في ظل الجائحة.

يشكل الاتحاد الأوروبي أكثر من 58% من صادرات المغرب، و59% من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، و70% من قطاع السياحة في المغرب.

على جانب آخر، خيَّمت آثار الوباء أيضًا على قطاع النسيج بالمغرب، كما يبين تقرير رئاسة الحكومة، ويعود السبب إلى تداعيات الاضطراب في سلاسل التموين والتوريد بدول آسيا عمومًا، والصين على وجه الخصوص. بالإضافة إلى تراجع الطلب الخارجي على منتجات قطاع النسيج، خصوصًا من إسبانيا وفرنسا، مما دفع الكثير من شركات النسيج المغربية إلى تقليص عدد العمال لديها.

وكانت الحكومة المغربية قد أعلمت الاتحاد الأوروبي في مارس (آذار) الماضي، بتوقع خسائر ملحوظة في قطاعات السياحة والسيارات والأقمشة في عام 2020. ويشكل الاتحاد الأوروبي أكثر من 58% من صادرات المغرب، و59% من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، و70% من قطاع السياحة في المغرب. وقد تنعكس آثار ركود الأسواق الأوروبية على المستوى المحلِّي طوال هذا العام، وربما تمتد إلى السنة القادمة.

وبالمقابل شهدت بعض القطاعات الأخرى في خضم الجائحة انتعاشًا غير مسبوق، مثل قطاع الاتصالات والإنترنت، نتيجة لجوء الناس تحت الحجر إلى العالم الافتراضي، وقطاع الطاقة، بعد انهيار أسعار النفط التاريخي، وكذا الشركات التي تقدم خدماتها للقطاع الصحي، والشركات العاملة في التجارة الإلكترونية، وخدمات التوصيل، ومجال المنظفات.

3. كيف تواجه الحكومة المغربية التداعيات الاقتصادية لوباء كورونا؟

من أجل مواجهة الانعكاسات الاقتصادية من جراء جائحة كورونا التي تهدد الاقتصاد الوطني، أنشأت الحكومة لجنة «اليقظة الاقتصادية»، للتكلف «بالرصد الآني للوضعية الاقتصادية الوطنية، وتحديد أجوبة فيما يتعلق بمواكبة القطاعات الأكثر عرضة للصدمات الناجمة عن هذا الوباء».

وفي هذا الإطار، أُحدث «صندوق كورونا» بتعليمات ملكية؛ من أجل تغطية آثار جائحة كورونا على اقتصاد المغرب، وتقوية القطاع الصحي الهش بالبلاد. وجمع الصندوق حوالي 3.2 مليار دولار من التبرعات، أي حوالي 3% من إجمالي ميزانية الدولة، وساهم كل من المواطنين والقطاع الخاص في تمويله، كما جرى الاقتطاع من رواتب موظفي الدولة لفائدة الصندوق على مدى ثلاثة أشهر.

جمع «صندوق كورونا» حوالي 3.2 مليار دولار من التبرعات، أي حوالي 3% من إجمالي ميزانية الدولة.

ساعد هذا الصندوق في تأهيل المستشفيات ودعم ملايين الأسر الهشة ماليًّا وكذا فاقدي الشغل من القطاع الخاص. ومن المخطط استخدامه أيضًا لدعم المقاولات والشركات التي تضررت من الأزمة.

ولجأت الحكومة المغربية أيضًا إلى الاقتراض الخارجي من أجل مواجهة الأضرار الاقتصادية من جراء فيروس كورونا؛ إذ استدانت من صندوق النقد الدولي 3 مليارات دولار.

كما عمدت الحكومة إلى تعديل مصروفات ميزانية 2020، من خلال إلغاء الوظائف العمومية المقررة، باستثناء تلك المتعلقة بالصحة والأمن، وكذلك نهج سياسة تقشفية، لكن دون أن يعني ذلك الحد من أموال الريع، التي يتنعم بها الوزراء، والبرلمانيون، ورؤساء المؤسسات الكبرى.

ويجري حاليًا الحديث عن نية تنظيم الزكاة، لتكون مصدرًا محتملًا لدعم خزينة الدولة، بعد تضرر قطاعات اقتصادية مهمة وتراجع تحويلات المغربيين بالخارج.

4. كيف سيرتد الضرر الاقتصادي إلى المواطن البسيط؟

طالت التداعيات الاقتصادية لوباء كورونا كافة طبقات المجتمع، لكن تبقى الطبقات الاجتماعية الهشة هي الأكثر عرضة لنيران الأزمة الاقتصادية، وهو ما يزيد الحاجة إلى دور الدولة في رعاية المواطنين المحرومين.

ولعل شبح البطالة هو أكثر ما يهدد الشباب المغربي اليوم؛ إذ تعمد الكثير من الشركات والمقاولات إلى تسريح قسم من عمالها بعد تراجع أنشطتها الاقتصادية على إثر الجائحة. وتفيد الإحصاءات الوطنية الرسمية بزيادة 1.4% في معدل البطالة عن العام الماضي. والمحظوظون ممن لم يطلهم التسريح تقلصت رواتبهم المالية، علاوة على انقطاع الوظائف العمومية شبه التام هذا العام.

أما على مستوى القطاع غير المهيكل، والذي يشغل فئة واسعة من المغاربة، فيتوقع أستاذ الاقتصاد بجامعة الحسن الأول بسطات، إبراهيم دينار، أن «تختفي العديد من الأنشطة الاقتصادية غير المهيكلة، مثل الباعة المتجولين والباعة في الأسواق الشعبية، مخافة نشرهم المرض، وأيضًا لظهور تصرفات بشرية غير صحية وغير وقائية»، مما سيضيف المزيد من الناس إلى مستنقع البطالة.

وعلى مستوى آخر، قد يتسبب قانون «إرجاء الطلب» إلى كساد بعض الأسواق المغربية، إذ سيعمد الناس خلال الأزمات إلى الاقتصار على شراء الحاجيات الضرورية فقط، الأمر الذي قد يؤثر سلبًا في أصحاب محلات الملابس، والأجهزة المنزلية، والأثاث، وغيرها من المستهلكات غير الحيوية. وربما يمس الأمر سوق العقار أيضًا، وما يعني ذلك من تضرر للقطاعات المرتبطة به.

5. هل من فرص اقتصادية توفرها أزمة كورونا؟

بالرغم من أن أزمة كورونا تطرح تحديات اقتصادية، فإنها في الوقت نفسه تتيح فرصًا للاستثمار والازدهار سواء للشركات أو الأفراد.

عربي

منذ 6 شهور
«تشاتام هاوس»: هل يستطيع المغرب التعامل بفعالية مع أزمة كورونا؟

بسبب أزمة كورونا ازدادت الحاجة، أكثر من أي وقت مضى، إلى المقاولات المشتغلة في المجال الرقمي، مثل التجارة الإلكترونية والتطبيقات الرقمية ومنصات خدمات التوصيل، وخدمات الاتصالات والإنترنت. مثلما أصبحت الحاجة ماسة إلى الشركات التي تقدم خدماتها لقطاع الصحة، سواء التقنية منها، أو اللوجستية، أو الدوائية، أو المعلوماتية.

بجانب ذلك، دفعت جائحة كورونا الشركات العالمية إلى التفكير في التركيز على نهج جديد في التوظيف، وهو العمل عن بعد، مما يفتح أمام مواطني البلدان النامية والفقيرة، ذوي المهارات الرقمية والتقنية والخبرات التخصصية، الانخراط في سوق العمل الدولية عبر الإنترنت. بمعية ذلك أيضًا، تزايد الإقبال على المحتوى الإلكتروني، خاصة على منصات التواصل الاجتماعي، مما يوفر فرصًا لصانعي المحتوى.

لكن نجاح الاستثمار في هذه القطاعات بالمغرب مرهون بمدى توفير الدولة بيئة ديمقراطية حرة شفافة وخالية من الفساد والاحتكار؛ لإتاحة المجال للشركات والأفراد للازدهار والابتكار، ومنه تعزيز الاقتصاد الوطني.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد