6,411

ما جدوى العدة والعتاد والتسليح لملايين المجندين استعدادًا للدخول في حرب إذا كانوا في النهاية سيتجمدون من “شدة البرودة”؟

ذلك التساؤل سيكون أحد أهم المحاور التي نعرضها في تقرير اليوم، الذي نتحدث فيه عن الأثر البالغ للمناخ والأحوال الجوية في حركة التاريخ الإنسانية، فبفضل ذلك الأثر حققت دول انتصارات وتهاوت إمبراطوريات وأُشعلت ثورات وأُخمدت تحركات، وزادت تضحيات وسقط رؤساء واستمر آخرون.

عزيزي المواطن في إحدى الدول التي تعاني مناخًا قاسيًا وشديدًا دائمًا، لا تحزن كثيرًا، فبلدك تستعصي على من يفكر في احتلالها أو غزوها عسكريًّا، فأقوى القادة بالتاريخ أمثال “نابليون” و”هتلر” أسقط شدة المناخ إمبراطورياتهم التي امتدت لعقود.

من المبالغة أن نقول إن المناخ وحده هو صاحب هذا التأثير بمعزل عن العوامل السياسية والعسكرية والاقتصادية الأخرى، ولكن يمكن وصف العوامل الجوية بأنها أحد أهم العوامل في إحداث تلك التأثيرات، وربما شكلت دور الحسم في عدد من الحوادث التي نستعرضها في ذلك التقرير من حروب وثورات.

ويحتوي التقرير أيضًا على شعوب وحكومات تحدت المناخ لصنع طفرات اقتصادية، وحكومات غيرت هي من طبيعة الأحوال الجوية ليصبح الإنسان هو الفاعل وليس المفعول به!

1- تأثير المناخ على الحروب


 أجواء روسيا.. عُقدة “عظماء” أوروبا


يجب على أي رئيس ينوي غزو روسيا “برًّا” أن يعيد التفكير ألف مرة، وأن ينظر إلى ما قد سلف من تجارب، عظام القادة في التاريخ العسكري بادروا لإتمام تلك الخطوة، وندموا عليها لأنها ببساطة أسقطت إمبراطورياتهم وجيوشهم:

1- شارل الثاني


في 1709، أصبح الملك السويدي شارل الثاني عشر أول الغزاة الأوروبيين لقيادة رجاله في مسيرة طويلة من الموت والإرهاق خلال فصل الشتاء الروسي. كان الاستنزاف الشتوي للقوات السويدية الجبارة خلال “حرب الشمال العظمى” لها تأثير نفسي كبير جعلت العالم يلاحظ ما قصده ملك روسيا القيصر بطرس الأول عندما قال إن لديه قوة لا يستهان بها متحدثًا عن شدة المناخ في روسيا.

2- بداية نهاية نابليون

بعد مرور قرابة قرن من الزمان، يبدو أن نابليون نسي ما حدث لـ”تشارلز الثاني عشر”، ففي عام 1812، وبعدما جهز نابليون أكبر جيش رأته أوروبا من أي وقت مضى – يتكون من أكثر من 600000 جندي قوي. وقرر أن يغزو روسيا بكل جرأة. وقال إنه ليس قلقًا على الإطلاق من أن فصل الشتاء يقترب.

في البداية وجدت ثقة نابليون ما يبررها عندما احتل جنوده موسكو، ونهبوا المدينة وسرقوا المجوهرات والفراء كجوائز الحرب، لتقديمها لزوجاتهم بالوطن.

ولكن الذي لم “يقلق منه نابليون على الإطلاق” تجلت آثاره الخطيرة بمرور الوقت. فالطقس الروسي من الممكن أن تشتد برودته جدًّا. فبعدما سار جيش نابليون بعيدًا عن المدينة المدمرة بصحبة الغنائم، وانخفضت درجة الحرارة بشكل مهول لتصل إلى (-40) درجة مئوية. ليسقط جنوده واحدًا تلو الآخر بسبب الصقيع والجوع. وفي 24 ساعة، توفي 50000 من الخيول من البرد. الرجال حملوا لزوجاتهم غنائم الحرب، ولكن دون جدوى. فمن بين 600 ألف مجند ذهبوا إلى روسيا عاد منهم 150000 مجند إلى وطنه. وكانت هذه بداية النهاية للإمبراطورية نابليون، وبشرت بظهور روسيا كقوة في أوروبا.

3-هتلر لم يتعلم بعد

لم يدرك “هتلر” أيضًا خطورة غزو الاتحاد السوفيتي (روسيا حاليًا) ولم يتعلم من تجارب من سبقوه على تلك الخطوة قبل عشرات العقود، ففي عام 1941 أثناء الحرب العالمية الثانية، وبعد أكثر من عام من التفكير والدراسة لإمكانية غزو روسيا التي كان يُنظر إلى قواتها المسلحة على أنها ضعيفة بدليل هزيمتهم أمام فنلندا عام 1939، في الوقت التي تعيش فيه ألمانيا نشوة الانتصار في أعقاب النجاح المذهل لها ضد الحلفاء الغربيين بفرنسا.


نحن فقط نحتاج إلى ركلة واحدة على الباب لينهار هذا الهيكل الفاسد.

هكذا صرح أدولف هيتلر بكل تفاؤل من المعطيات سالفة الذكر، معلنًا بدء العدوان على “الاتحاد السوفيتي”، وبالفعل في 22 يوليو 1941، غزا الاتحاد السوفيتي بعملية عسكرية تسمى “باربوسا” كانت هي الأضخم في التاريخ، إذ كان قوامها 3 مليون جندي و3500 دبابة تابعين لدول “المحور”.

وبالفعل تمكن الألمان من تحقيق نجاح ملحوظ في البداية بالتقدم قرابة 50 ميلًا داخل الأراضي السوفيتية، وتمكنوا من محاصرة ربع مليون مقاتل روسي تباينت مصائرهم بين القتل والأسر، وقرر “هتلر التقدم أكثر من خلال عملية سماها “الإعصار”.

وبعدما أصبح بين الألمان و”موسكو” 90 ميلًا فقط اشتدت الأمطار والثلوج التي حولت الطرق إلى بحور من الطين؛ مما أعاق التقدم الألماني وأجبرها على التراجع وخصوصًا مع ازدياد المقاومة السوفيتية التي تحولت لهجمات مرتدة منهم ضد الألمان.

ومثلت تلك العملية نقطة مصيرية في الحرب العالمية الثانية التي انتهت بالنهاية بهزيمة ألمانيا التي كانت على رأس دول المحور، لينتحر بعدها هتلر بعدة أعوام.

2- تفجيرات هيروشيما وكوكورا؟



اشتهرت التفجيرات النووية ضد اليابان في الحرب العالمية الثانية باسم “تفجيرات هيروشيما وناجازكي”.. ما هي كوكورا إذًا؟ لنرجع إلى أصل القصة.


كثافة السحاب أقل من 30%.. نصيحة اقذف القنبلة.

هكذا أفادت الإشارات اللاسلكية لطائرة الاستطلاع التي حلًقت فوق سماء هيروشيما في الساعة 7:06 صباح 6 أغسطس 1945 وسط أجواء صيفية لطيفة قبل أن تقع الكارثة.

وبذلك مهدت السماء الصافية الشبه خالية من السحاب لإلقاء أول قنبلة نووية في الحرب العالمية الثانية على مدينة هيروشيما.

كوكورا المدينة «المحظوظة»

قي 8 أغسطس، كانت مدينة كوكورا تنتظر استقبال القنبلة النووية الثانية، ولكن لحسن حظها أن سماءها كانت مُلبَدة بالغيوم، مما أدى إلى قذف القنبلة على الهدف البديل “ناجازاكي”.

3- الرياح البروتستانتية


في واحدة من أكثر المعارك المصيرية للحضارة الغربية، هي معركة أرمادا، ففي عام 1588 أبحر فيليب الثاني ليغزو إنجلترا “البروتستانتية” ولكن الرياح لم تقف بجانبه، وكان لها بالغ الأثر في خسارته بتلك المعركة، لتسمى باسم “رياح البروتستانت”.

4- الرياح الإلهية

في القرن الـ13 عندما كانت الإمبراطورية المغولية تتمدد حول العالم وعرفت بأكبر إمبراطورية متجاورة في تاريخ العالم، حققت الكثير من الانتصارات في معارك من أكثر المعارك تكلفة بشريًّا في التاريخ، إذ أسفرت عن مقتل قرابة 35 مليون شخص، توجه قائدها “كولباي خان” لغزو اليابان، ولكنه فشل بسبب الرياح الموسمية هناك، أو “الرياح الإلهية” كما وصفها كهنة “الشنتو” الذين يعتبرون أنها نتجت عن كثرة “الصلاة”.

5- معركة سلاميس

إن بقاء الثقافة اليونانية وبالتبعية الثقافة الغربية يرجع في الأساس إلى الجروب اليونانية الفارسية، فعندما كانت الإمبراطورية الفارسية في قمة قوتها، اعتزمت غزو البر الرئيسي لليونان، ولكن قائد البحرية اليونانية ثميستوكليس كان قادرًا على تحويل معادلة الحرب، في معركة سلاميس عام 480 قبل الميلاد بفضل معرفته وقدرته في التعامل مع الرياح.

2- تأثير المناخ في إشعال الثورات وإسقاط الرؤساء


ومثلما كانت الظواهر الجوية لها تأثير في الحروب والعمليات العسكرية فقد ساعدت الظواهر الجوية أيضًا على إحداث تغيرات سياسية.


1- الثورة الإيرانية وجيمي كارتر



ففي عام 1979، أسر طلاب في إيران موظفي السفارة الأمريكية أثناء الثورة الإسلامية في البلاد، كرد فعل غاضب على استقبال أمريكا لـ”الشاه”.

وفي محاولة أمريكية لإنقاذ الرهائن، تم إطلاق ما يسمى بعملية “مخلب النسر“، التي واجهت طقس غير مألوف يسمى حبوب، الذي يتألف من الرياح الشديدة مصحوبة بعاصفة رملية شوشت الرؤية وبعثرت أوراق العملية، فكان من المفترض وصول طائرات أمريكية للمنطقة المتفق عليها ووصل 5 طائرات فقط، مما أدى إلى الانسحاب وأثناء عودة الطائرات صدمت إحداها بطائرة تحمل وقود فاشتعلت الطائرتان، وأدت لمقتل 8 جنود أمريكيين.

وتسبب فشل تلك العملية في حرج لإدارة الرئيس الأمريكي السابق “جيمي كارتر”. إذ كان هذا العجز لإنقاذ المواطنين الأمريكيين في الخارج واحدًا من العوامل التي ساعدت رونالد ريغان على الفوز في الانتخابات عام 1980، وأفرجت الحكومة الإيرانية عن الرهائن في نفس اليوم الذي أدى فيه الرئيس الجديد اليمين الدستورية.


2- رياح الثورة الفرنسية



وسط الأزمة الاقتصادية التي كانت تعاني منها فرنسا بسبب الديون التي تكبدتها إثر مساعدة الأمريكيين في حربهم ضد إنجلترا، جاء الربيع جافًا مما تسبب في ارتفاع أسعار المواد الغذائية بشكل مفاجئ وسريع، وجاءت عاصفة رملية لتمثل القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ دمرت تلك العاصفة المحاصيل والأراضي الزراعية بفرنسا.

وشدة الجوع شجعت السكان على إحداث تغييرات جذرية، وبالفعل عقب تلك الأزمة اشتعلت الثورة الفرنسية.

3- شعوب تحدت المناخ لتحقيق طفرة اقتصادية.. من المنتصر؟



بعض الشعوب قررت تحدي سوء الأحوال الجوية وحققت بالفعل طفرات اقتصادية هائلة، ولكن بعد خسائر بشرية قُدرت بعشرات الآلاف، مما يُصعب من تحديد من هو المنصر في النهاية.

1- قناة السويس


في منطقة صحراوية مصرية شديدة الحرارة تفصل بين البحر المتوسط والبحر الأحمر تقرر إنشاء قناة السويس، نهايات القرن الـ19، لتكون ممرًا رئيسيًّا للتجارة العالمية.

وشارك عشرات الآلاف من العمال المصريين في حفر قرابة 190 كيلومترًا، وواجه العمال شدة الحرارة بالإضافة إلى العمل بالسُخرة، مما أدى لوفاة 120 ألف عامل مصري أثناء الحفر.

وبعد ذلك تم افتتاح القناة في عام 1869، والتي أصبحت ممرًا رئيسيًّا للتجارة العالمية، فبعدما كانت السفن تعاني من طول طريق “رأس الرجاء الصالح ” الذي يلزمها الدوران حول القارة السمراء لمسافة 16 ألف كيلومتر، تقلصت المسافة من 16 ألف كم إلى 10 آلاف كم، وقلت مدة الرحلة التي تمكث فيها السفينة بالمياه من 24 يومًا إلى 14 يومًا.
وأصبحت قناة السويس مصدرًا أساسيًّا للدخل القومي المصري منذ تاريخ افتتاحها إلى الآن، وتقدر حجم المكاسب السنوية حاليًا للقناة بحوالي 5.3 مليار دولار.


2- قناة بنما

في منطقة استوائية ذات مناخ متقلب قد تمتزج فيه حرارة الجو مع هطول أمطار شديدة، تقرر استغلال موقع بنما المتوسط بين أمريكا الجنوبية والشمالية لإنشاء قناة بنما.

وشارك في حفر القناة لإنشاء قناة طولها 80 كم تقريبًا، متحدين سوء المناخ الاستوائي وما يسببه من أمراض استوائية، مما أدى إلى وفاة 25 ألف عامل أثناء الحفر.

وبعد افتتاحها في 1914، أصبحت أحد أهم الممرات للتجارة العالمية وأحد منافسي قناة السويس، قلصت مسافة رحلة السفن من 21 ألف كم إلى 8 آلاف بمقدار 13 ألف كم فارق، وشكلت حجر زاوية في الاقتصاد البنمي، وأصبحت بنما الآن أسعد دولة في العالم وفقًا لأحدث مؤشر للسعادة العالمي.

4- عندما أثر الإنسان في المناخ

في كل الحوادث المذكورة في التقرير كان المناخ هو الفاعل المؤثر والإنسان هو المفعول به مع تباين الاستفادة والتضرر من هذا التأثير، ولكن في الواقعة التالية ستتبدل الأدوار بين الإنسان والمناخ ويكون الإنسان هو الفاعل والعوامل الجوية هي المفعول به، ويغير الإنسان في الطقس.

أول وأهم تأثير للإنسان في تغيير المناخ لأغراض عسكرية، في العدوان الأمريكي على فيتنام، فبعد تجارب أمريكية سرية على دول “فيتنام وكمبوديا لوس” استمرت لسنوات وكلفت أمريكا قرابة 10 مليون دولار في هذا الصدد، ظهر التأثير المناخي المصنوع من الإنسان جليًّا في الحرب.

إذ قامت الولايات المتحدة بمد السحاب فوق فيتنام، بمادة كيميائية تسمى “يود الفضة” silver-iodide أو رش تلك المادة على الرياح الموسمية التي تتجه لفيتنام، وعلى المدى البعيد تساعد تلك المادة على زيادة كثافة السحب وتمركزها؛ مما يؤدي إلى سقوط الأمطار.

وكان الهدف الأساسي لذلك هو استمرار هطول الأمطار الموسمية لإحداث فيضانات تجعل من أماكن تمركز المقاومة الفيتنامية بركة من الطين تعيق من حركتهم، كما أن تلك المادة لها قدرة على إزالة أوراق الغابات وكشف خطوط الإمداد لرجال “هو تشي منه” قائد المقاومة الشعبية الفيتنامية. وسميت هذه العملية باسم “بوباي”.
وتطور الأمر، وبدلًا من استخدام مادة يود الفضة استخدمت أمريكا جسيمات دقيقة من الكربون التي تمتص الحرارة من السحب لتحريك فيضانات محلية ولتتعثر القوات والمعدات الخاصة بالقوات الفيتنامية.

ويشير عدد من التقارير الصحفية إلى أنه المستقبل قد يشهد حروبًا مناخية لن تضطر فيها الدول لاستخدام الأسلحة الثقيلة، وإنما ستستخدم سلاح المناخ للتسبب في كوارث “مصطنعة” لفيضانات وزلازل وبراكين.

اقرأ أيضًا: 
أكثر 10 حروب تكلفة بشريًّا وماديًّا في التاريخ

تعليقات الفيسبوك