ميرفت عوف

5

ميرفت عوف

5

2,356

في «القنيطرة» الواقعة جنوب غربي سوريا، ارتسمت بهجة كبيرة على وجوه مجموعة من الفتية، تشاركوا في حمل أجزاء من حطام صاروخ للدفاع الجوي السوري سقط بالقرب من منازلهم. ترك هؤلاء المنطقة بمجملها متخبطة في تخمينات ما بعد إسقاط طائرة إسرائيلية في سماء سوريا، ومضوا يحملون «كنزهم من الخردة».

توجهت الأنظار نحو الجنوب السوري؛ حيث تخفي التلال وغابات الصنوبر ضجيج الحرب حتى هذه اللحظة، وتطرح العديد من التساؤلات حول احتمالية انزلاق الأمور نحو حرب شاملة، أم اقتصارها على «زوبعة فنجان» يجري قريبًا استثمارها من قبل الإسرائيليين والروس على وجه التحديد؛ لتحقيق أجندة تخدم مصالحهم.

انتهاء زمن «الامتناع عن الرد»

كعادتها منذ العام 2013 كانت الطائرات الإسرائيلية صبيحة يوم السبت العاشر من فبراير (شباط) الحالي تشن مجموعة من الغارات على مواقع وأهداف سورية وإيرانية في سوريا، وعلى غير عادة أطلق صاروخ أرض جو «200 S» من سوريا باتجاه إحدى المقاتلات الإسرائيلية من نوع (F-16)؛ فأسقطها، فيما أصيب الطياران الإسرائيليان اللذان قفزا بالمظلة، أحدهما بإصابة خطيرة، والآخر طفيفة.

المقاتلة الإسرائيلية التي أسقطتها الدفاعات السورية (المصدر: شبكات التواصل الاجتماعي)

قطعت الأحداث الأخيرة بعض الشيء موجة التكهنات حول احتمال التصعيد في الجبهة الشمالية بين لبنان وسوريا من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى؛ إذ سرعان ما قامت إسرائيل بالرد على ذلك باستهداف عدة أهداف سورية وأخرى تابعة لإيران في الأراضي السورية، واستمرت تشن غاراتها بين الفنية والأخرى.

 اعتبرت تل أبيب أن إيران وسوريا «تلعبان بالنار» واصفة ذلك بـ«الانتهاك الإيراني الأشد والأفضح على السيادة الإسرائيلية خلال السنوات الماضية»، كما نقل عن المتحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي «اللفتنانت كولونيل» جوناثان كونريكوس قوله: «إننا لا نسعى إلى التصعيد، لكننا جاهزون لمختلف السيناريوهات، ومستعدون لاستدفاع ثمن باهظ على مثل هذه الأعمال».

فيما توعد نائب القائد العام للحرس الثوري الإيراني «حسين سلامي»، بأن «بلاده قادرة على تدمير كل القواعد الأمريكية في المنطقة، وخلق جحيم لإسرائيل»، وتابع القول: «ليس لنا أي تواجد عسكري في سوريا، بل نتواجد بصورة استشارية، والجيش السوري كاف للدفاع عن أراضيه».

ويحمل الرد الإيراني عدة رسائل، منها إيصال رسالة لإسرائيل بأن غاراتها في سوريا لن تكون في المستقبل مجرد نزهة آمنة، وإيصال رسالة لدول الساحة السورية بأن إيران لن تسمح بأن تصبح ساحة تقصف مواقعها بلا حساب، وكذلك تحمل رسالة للنظام السوري تؤكد له أن حرص إيران على إقامة قاعدة بحرية في سوريا له مبررات لصالح الطرفين.

وتضع هذه التطورات الصراع الإقليمي في محطة جديدة، فبعد 34 سنة من الهدوء، وبعد سبع سنوات من الامتناع عن الرد على الغارات الإسرائيلية، جاءت هذه الضربة في وقت لا تكف فيه إسرائيل عن الحديث عن سعي إيران لإقامة قواعد جوية وبحرية وبرية في سوريا، وتشكيل مليشيات للقيام بعمليات عسكرية ضدها.

حرب شاملة أم ضربات محدودة؟

بالرغم من فتح كل الاحتمالات بعد أحداث الأمس وشمولها لقائمة عديدة من التوقعات، إلا أن المراقبين يرجحون أن تبقى المواجهة الحالية محدودة، دون التوسع لحرب شاملة تطال المنطقة برمتها.

حيث يرى المحلل العسكري السوري، راني جابر، أن إسقاط الطائرة الإسرائيلية لا يخرج عن إطار مشروع إعادة تشكيل المنطقة، ورسم حدود النفوذ فيها، مستبعدًا احتمالية المواجهة الإيرانية-الإسرائيلية لسببين: الأول، عدم وجود صدام أو تعارض حقيقي بين المشروع الإيراني والإسرائيلي في سوريا خلال المدى المنظور، والثاني، اختلال ميزان القوى بشكل كبير، والذي يعني هزيمة مؤكدة لإيران في أية معركة لما كشفته الخسائر الكبيرة التي تعرضت لها إيران والنظام السوري شرقي سوريا خلال غارات أمريكية على قواتها خلال محاولات للتقدم شرقي الفرات.

صور لبقايا صواريخ سورية سقطت في شمال القدس (المصدر: موقع صحيفة القدس)

 ويتابع جابر لـ«ساسة بوست»: «عمليًا إسقاط طائرة إسرائيلية يهدف لإعادة تلميع نظام الأسد، وإعادة إسباغ صفة المقاوم عليه، وهو موضوع للاستهلاك الإعلامي، فالخسائر التي أصابت النظام خلال عمليات القصف – التي سبقت وتلت الغارة – لا تقارن من وجهة نظر إستراتيجية بإسقاط طائرة»، ويؤكد جابر على أن إيران هي أكثر الأطراف تجنبًا للصدام مع إسرائيل في سوريا بسبب إدراكها لميزان القوى الحقيقي، وليس الإعلامي.

 ويستشهد «جابر» على ذلك بالتطور الاستراتيجي الذي تمثل في تحديد موقع إطلاق الطائرة المسيرة التي تتفاخر بها إيران وتدميرها وتدمير منصة إطلاقها ومحطة قيادتها، إضافة لتدمير عدة بطاريات «س 200» جنوب سوريا، وإيقاف مطار «تي فور»، ويتابع القول: «هذا تطور تقني مهم، وضربة استراتيجية لإيران؛ كونها تتفاخر باستمرار بتطوير طائراتها المسيرة، وردًا على إسقاط الطائرة الإسرائيلية، دمر الاحتلال عدة بطاريات دفاع جوي س200 على الأقل من أصل خمسة أفواج يمتلكها النظام، وبذلك تكون إسرائيل شبه أغلقت ملف تلك النوعية من الصواريخ».

على الجهة الأخرى، هناك من يرى أن من غير المحتمل أن تنجح محاولة اسرائيل عبر قنواتها الدبلوماسية لتهدئة الوضع السابق، فقد أحدث سقوط الطائرة تغييرًا استراتيجيًا أساسيًا، يقول الخبير العسكري الإسرائيلي، عاموس هارئيل: «إن مستوى الأمان الذي يشعر به الإيرانيون والسوريون قد يمنح الإسرائيليين أخبارًا سيئة؛ لأننا أمام تصعيد عسكري خطير قد يتواصل بين الجانبين، فقد تحولت التهديدات لسلوك ميداني متبادل على الأرض، ولذلك فإن التوتر بعيد عن الانتهاء حتى اللحظة».

ويضيف في صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية: «الأخطر فيما يحدث أن هذا الاحتكاك الإيراني الإسرائيلي فوق الأراضي السورية يحصل بينما تشن الولايات المتحدة هجومًا إعلاميًا وسياسيًا كاسحًا ضد طهران؛ ما يعني أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قد يكون منح بنيامين نتنياهو شيكًا مفتوحًا على بياض لفتح مواجهة مع إيران».

إسرائيل تتباكى.. الخوف لتمرير المصالح

تعتقد إسرائيل أن التصدي للخطط الإيرانية في سوريا سيكون فاعلًا؛ إذ تزامنت إجراءات الردع الإسرائيلية مع إستراتيجية أمريكية استباقية في سوريا، حيث يدرك الإسرائيليون أهمية دور المحاور الدولية – الإقليمية في سوريا في إعادة بناء خرائط النفوذ والقوة في الإقليم كجزء من التوازنات العالمية الجديدة.

وكذلك يقتنع الأمريكيون أن التهديد الموجه لإسرائيل من سوريا ولبنان قد يكون هو الأكبر من نوعه الذي تواجهه حليفتهم منذ عقود، فزيادة النفوذ الإيراني في جنوب وشرق سوريا يهدد باندلاع حرب واسعة النطاق مع إسرائيل، وفي سبيل تحجيم هذا النفوذ اتخذت واشنطن خطوات للعب دور رئيسي في التفاوض على صفقة مناطق خفض التصعيد على طول الحدود الإسرائيلية مع سوريا؛ بهدف إقامة منطقتين آمنتين، واحدة في محافظة السويداء؛ ضمانًا لأمن اسرائيل وحدودها، وأخرى في محافظة درعا؛ ضمانًا لحدود الأردن وأمنه.

يؤكد الصحافي السوري، فراس ديبة، على أن إسرائيل تمكنت من ترسيخ نفوذ ووضع قواعد للعب على حدودها، سواء مع سوريا أو مع لبنان، عبر إشاعة جو من العداء، وتجسيد هذا الجو لخدمتها  في تمرير الكثير من الأمور، ويوضح لـ«ساسة بوست»: «الأمور لا تتجه نحو التصعيد في الوقت الراهن، لكن قد تستغل إسرائيل ما حصل على أصعدة أخرى موازية مثل التسويق لما يسمى بصفقة القرن، وكذلك تسويق لحالة أن إسرائيل في خطر، وهو في ذاته مبرر لكل الصفقات التي يمكن أن تقوم بها إسرائيل لتغير قواعد المفاوضات واتفاقات السلام التي من المفترض أن تقوم على قرارات الشرعية الدولية».

جيش الاحتلال ينشر وحدات رصد ومتابعة على التلال المشرفة على ريف القنيطرة بالجولان المحتل (المصدر: صحيفة القدس الفلسطينية)

من جانبه، يقول المحلل السياسي السوري، مهند الكاطع: «لا أستبعد وجود مخطط أمريكي-إسرائيلي بهذا الخصوص، وستكون شماعة حماية أمن اسرائيل حاضرة ضمن أية عملية إسرائيلية، بالرغم من استبعادي أن تتعمد إسرائيل في الفترة الراهنة إدخال قوات برية لها على الأرض، وربما تكتفي حاليًا بتسديد ضربات لمواقع حيوية للنظام كمطارات وغيرها، دون أن تكون حملة تهدف لكسر عظم النظام».

ويضيف لـ«ساسة بوست»: «التوافق مع روسيا أيضًا مطلوب، وأعتقد أن الطائرات الإسرائيلية لم تكن تتجرأ لقصف المواقع السورية لولا الموافقة المسبقة لروسيا، فالمناطق المستهدفة ليست بعيدة عن دائرة النفوذ الروسي في سوريا».

روسيا نحو المزيد من الاستثمار لخدمة أجندتها

في 29 يناير (كانون الأول) الماضي زار رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، روسيا، والتقى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، لمناقشة ما اعتبره نتنياهو «تعزيزًا لقوة إيران في المنطقة وعدوانيتها»؛ إذ واصلت إسرائيل قبل، وبعد تلك الزيارة التأكيد على تحويل إيران لبنان لمصنع أسلحة لترسيخ وجودها في المنطقة.

بوتين ونتنياهو

ولمح المحللون في الموقف الروسي «ضوءًا أخضر» لإطلاق يد الاسرائيليين في سوريا، سواء باستهداف مواقع النظام العسكرية أو استهدفت شحنات الأسلحة الإيرانية القادمة إلى ميليشيا «حزب الله» اللبناني، فقد جاءت هذه الزيارة ضمن إطار الجهود الإسرائيلية الدولية، لتشكيل غطاء ودعم دولي للعمليات التي تقوم بها إسرائيل بهدف وقف النفوذ الإيراني.

واستمرت إسرائيل باستغلال عملية إسقاط الطائرة أمس للعب على الوتر الحساس لروسيا والادعاء بأن كل تحذيراتها من الاعتداء الإيراني في سوريا قد تحقَّقَت، وهو أمر يخالف المصالح الروسية ذاتها، فالروس لا يريدون ازديادًا للنفوذ الإيراني في سوريا، ويرفضون بشكل واضح إنشاء أي قواعد عسكرية إيرانية داخل سوريا، وهو أمر تدركه إيران التي ربما رغبت جراء إسقاط الطائرة توريط موسكو صاحبة المصلحة في تنفيس الانتفاخ الإيراني في سوريا لتظل تحت جناحها.

وفي الساعات الأولى لأحداث الأمس، عجلت إسرائيل بالطلب من الروس التدخل العاجل لمنع تفجر الأوضاع، وتفاديًا لمسار التصعيد ووقوع مواجهة إسرائيلية-إيرانية كبيرة، دعت روسيا بالفعل إلى التهدئة وضبط النفس.

كرسي أحد الطيارَين الإسرائيليَين (المصدر: شبكة القدس الإخبارية)

لكن ما يمكن تأكيده هو أن روسيا سوف تستمر في استثمار التطورات الأخيرة لمصلحة أجندتها على الأراضي السورية، باعتماد دبلوماسية التهدئة؛ فبوتين في المحصلة حريص على الحفاظ على توازن القوى لمصلحة بلاده، ومن جملة هذا الاستثمار: العمل على كبح جماح إيران، والضغط أكثر في سبيل إيجاد مخرج سياسي في سوريا؛ للحفاظ على المكتسبات الروسية.

 يؤكد المحلل السياسي الروسي، إيفان سافرانشوك، أن «روسيا تسعى من خلال تحالفاتها مع إسرائيل وإيران، وحتى أمريكا، في سوريا إلى تحقيق مصالحها الاستراتيجية في المنطقة، فحليفها الأقوى حاليًا هو نظام الرئيس بشار الأسد، ويقوم الموقف الروسي على أن أفضل ضمان لعدم استخدام الأراضي السورية ضد إسرائيل هو أن تكون هناك حكومة سورية قادرة على القيام بأعبائها، ولا تكون دمية في يد إيران، وذلك لن يتأتى إلا عبر تسوية سياسية».

 ويضيف لـ«الجزيرة نت»: «مهمة روسيا الآن المضي قدمًا بتسوية سياسية في سوريا، وهذا هدف مؤتمر (سوتشي)، ومن المهم لكل القوى الإقليمية السماح بالمسار السياسي وعدم إعاقته، وهذا ما تريده روسيا من إسرائيل».