أحمد طلب

14

أحمد طلب

14

903

في سابقة هي الأولى من نوعها حققت المنتخبات العربية إنجازًا تاريخيًا؛ إذ سيشارك أربعة منتخبات عربية في نفس النسخة من بطولة كأس العالم لكرة القدم، وذلك للمرة الأولى في تاريخ البطولة الأهم على مستوى منتخبات العالم، هذا الإنجاز الرياضي العربي لا يقف عند كونه إنجازًا رياضيًا وفقط، ولكن في الواقع باتت علاقة الرياضة بالمصالح الاقتصادية جوهرية؛ وذلك لأن نظام الرياضة يقوم على دعائم اقتصادية في الأساس، وذلك مثل ميزانيات الأنشطة، والبنية التحتية من ملاعب وخلافه، وهو ما يجعل الرياضة تعتمد اعتماد كاملًا على الاقتصاد لتمويل مختلف أوجه النشاط بها.

وبما أن الاقتصاد هو العامل الرئيس للرياضة، فمن الطبيعي أن يتأثر الاقتصاد بالنجاح أو الإخفاق الرياضي، وفي الحالة التي نتحدث عنها هي نجاح عربي غير مسبوق، فهل سيكون النجاح الاقتصادي على نفس القدر؟ في الواقع يمكن مناقشة الفوائد الاقتصادية على الدولة العربية الأربع (السعودية – مصر – تونس – المغرب) المتأهلة للمونديال، من خلال عدة محاور، أهمها:

1- مكافآت الفيفا

يمكن القول إن أول الفوائد المباشرة التي ستجنيها الدول العربية الأربع، هي المكافآت التي يقدمها الاتحاد الدولي لكرة القدم، فهما كانت القيمة، تعتبر إضافة، وخاصة في دول كمصر وتونس، اللتين في حاجة ماسة للنقد الأجنبي، مهما كان حجمه، فيما أعلن الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» رفع قيمة المكافآت المخصصة لجميع المنتخبات الوطنية المقرر مشاركتها في مسابقة كأس العالم، المزمع إقامتها العام المقبل في روسيا.

ونصت لوائح الاتحاد الدولي لكرة القدم على أن الاثنين وثلاثين منتخبًا المشاركين في كأس العالم روسيا 2018 سيحصلون على ملبغ 400 مليون دولار، بزيادة نسبتها 12% عن مكافأة المشاركة في كأس العالم السابقة 2014، والتي كانت 358 مليون دولار، ولكن يتم توزيع هذه المكافأة بحسب الدور أو المرحلة التي يصل إليها المنتخب، بحيث يحصل صاحب المركز الأول على نصيب الأسد من هذه المكافأة، بينما تنخفض القيمة كلما خرج الفريق من الأدوار الأولى، ولم تكشف الفيفا بعد عن التوزيع المقرر للمكافأة.

وبالنظر إلى البطولة السابقة، نجد أن منتخب ألمانيا بطل كأس العالم الماضي، قد حصل على 35 مليون دولار، والأرجنتين صاحب المركز الثاني 25 مليون دولار، فيما حصلت المنتخبات التي لم تتخط مرحلة الدور الأول على 8 ملايين فقط، أي أن المنتخبات العربية الأربعة بصعودها لكأس العالم ضمنت على الأقل نحو 32 مليون دولار، وهذه المبالغ غالبًا ما تستخدم في الإنفاق على البنية التحتية للرياضة في الدول العربية، وهو ما يجعلها قادرة على جذب استثمارات رياضة تنعش القطاع.

مكافآت الفيفا للدول التي تأهلت لنهائيات كأس العالم لا تقف عند هذا الحد، إذ إنه من المقرر أن يحصل كل منتخب سيشارك في نهائيات كأس العالم على 2 مليون دولار للإعداد للبطولة؛ ما يعني أن الدول العربية التي صعدت ستحصل على مبلغ 8 مليون دولار للإعداد للبطولة.

يشار إلى أن «فيفا» حققت أرباحًا فاقت ملياري دولار أمريكي من إقامة بطولة كأس العالم الماضية التي أقيمت بالبرازيل، إذ حققت البطولة دخلا بلغ 4.8 مليار دولار، في حين بلغت مصروفاتها 2.2 مليار دولار، وجاء أغلب الدخل من حقوق البث التلفزيوني (2.4 مليار دولار)، تلته عقود الشراكة (1.6 مليار دولار)، ثم مبيعات التذاكر وبلغت 527 مليونًا.

2- الرعاية والإعلانات

من المعلوم أن الشركات الكبرى تتسابق على المنتخبات المتأهلة لكأس العالم، إذ أن كرة القدم باتت صناعة عالمية تدر مليارات الدولارات، لذلك تسعى الشركات لتوقيع عقود الرعاية الدعائية مع المنتخبات، فعلى مستوى السعودية مثلًا، يتوقع أن ترتفع قيمة عقود رعاية المنتخب السعودي لكرة القدم، بنسبة تصل إلى 50%؛ إذ ارتفعت القيمة المالية للرعايات التي وقعها اتحاد كرة القدم في وقت سابق وفقًا للشروط التي ضمتها الاتفاقات، حيث كان الاتحاد السعودي خلال تفاوضه مع الشركات الراعية يضمن العقد شرطًا يوجب زيادة القيمة المالية بنسبة معينة في حال تأهل المنتخب الأول إلى مونديال روسيا 2018، وهو ما حدث.

وبلغت عقود الرعاية حتى الآن تسعة عقود، فيما يطمح الاتحاد إلى زيادتها إلى أكثر من 20 عقد رعاية، بينما يرفض الاتحاد الكشف عن المبالغ التي يحصل عليها من عقود الرعاية، إلا أن أبرز الشركات الراعية للمنتخب هي: ( كوكاكولا – البنك الأهلي – الخطوط السعودية – الاتصالات السعودية – شل – نايكي).

على الجانب الآخر لا يختلف الأمر كثيرًا بالنسبة لمنتخب مصر الذي وصل لأول مرة إلى المونديال منذ 27 عامًا، وكذلك منتخب تونس الذي يعود للمرة الأولى منذ 2006، والمغرب للمرة الأولى منذ 1998، إذ إن هذا الصعود سينعش سوق الدعاية والإعلان بالبلدان الأربعة، وهو الأمر الذي له مردود إيجابي على القطاع بشكل خاص، والاقتصاد بشكل عام، كما سيحصل اللاعبون في هذه المنتخبات على مكافآت استثنائية من شركات الرعاية، بالإضافة إلى الإعلانات الخاصة، وهو ما سيكون له مردود إيجابي على خزينة الدول العربية التي تُحصِّل ضرائب مرتفعة على دخول اللاعبين، تتجاوز  20% في كثير من الحالات.

3- السياحة

يرى مصطفى عبد السلام، رئيس قسم الاقتصاد بصحيفة «العربي الجديد»، أن الدول العربية تستطيع الاستفادة من مشاركة فرقها الرياضية في مونديال روسيا من خلال استغلال الحدث الرياضي في التعريف بالدولة وقطاعها السياحي والفرص الاستثمارية ومنتجاتها الوطنية القابلة للتصدير، لكن ذلك يتوقف على النجاحات التي تحققها فرق هذه البلدان في البطولة، فخروجها بسرعة من المونديال لن يتح لبلدانها الفرصة في تحقيق نجاحات سياحية، ولن تنجح في هذه الحالة أية فرص ترويجية، بل بالعكس؛ فقد يأتي بنتائج عكسية.

ويضيف عبد السلام خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أن مونديال روسيا يعد فرصة للمستثمرين العرب والصناديق السيادية العربية للاستحواذ على أندية رياضية تحقق نجاحات في المباريات، وهو ما فعلته الصناديق السيادية في كل من قطر والإمارات، حيث اشتريا أندية أوروبية مرموقة، كما أبرمت خطوط طيران عربية مرموقة رعايات مع أندية ونجوم معروفين للدعاية لها.

وتعتبر مصر وتونس من أهم الدول السياحية في المنطقة، إلا أن أوضاع القطاع قد تغيرت كثيرًا خلال السنوات الماضية بسبب الأحداث السياسية والأمنية المشتعلة، وهو الأمر الذي أدَّى إلى تدهور بالغ بالقطاع في البلدين، إلا أنَّ كأس العالم ربما يكون فرصة مناسبة للعمل الجاد على إعادة أوضاع القطاع السياحي إلى طريقها الصحيح، فعلى المستوى المصري يبدو الأمر مختلفًا عن الدول الأخرى، حيث توقفت روسيا – التي كان يتصدر سياحها قائمة السياح القادمين إلى مصر – عن إرسال السياح إلى البلاد، وذلك بعد حادث الطائرة الروسية بشرم الشيخ في 2015، حيث تشير التقديرات إلى أن القطاع السياحي في مدينة شرم الشيخ وحدها خسر عقب سقوط الطائرة الروسية بلغت 4 مليارات دولار خلال العامين السابقين.

وفي ظل وجود مصر في روسيا خلال كأس العالم يتوقع بعض خبراء السياحة عودة حركة الطيران بين البلدين قريبًا، بينما سيكون المونديال فرصة لتروج مصر لسياحتها في هذا المحفل الدولي. وبعيدًا عن أزمة مصر مع روسيا، تسعى تونس هي الأخرى لإنعاش اقتصادها من خلال بوابة السياحة التي تضررت خلال السنوات الأخيرة، ولكن هذا الأمر يتوقف على قدرة البلاد على الترويج للسياحة، وكذلك الأمر بالنسبة للسعودية التي تسعى لتنويع مصادر الدخل مع تراجع أسعار النفط، إذ تولي المملكة اهتمامًا خاصًا للسياحة في رؤية 2030، وكما يقول خالد الربيعان، الناقد الرياضي ومستشار التسويق الرياضي إن «المملكة ككل تستطيع أن تسوق لنفسها أكثر: ثقافة، وتاريخًا، وعادات شعب، وكرتها، وفنها، وهكذا مثلما تفعل المنتخبات الرائدة في التسويق الرياضي».

4- صناعة مناخ استثماري إيجابي

وتعد الفوائد السابق ذكرها عبارة عن فوائد مباشرة، ولكن يمكن القول إنه بالعودة إلى الاقتصاد السلوكي، نجد أن تأهل دولة ما لنهائيات كأس العالم، يؤثر بشكل إيجابي على المناخ الاستثماري، وهو ما أثبتته دراسة، جيف جانوسك، الأستاذ بجامعة مينيسوتا الأمريكية، إذ تتحدث الدارسة عن أن الاقتصاديين السلوكيين يفترضون أن نتائج مباريات كرة القدم (انتصارات/خسائر) يمكن أن تؤثر على مجموعة متنوعة من الظاهرة الاقتصادية، بما في ذلك الأسواق المالية.

هذا الأمر أيضًا هو ما تحدث عنه أحمد أبو السعد، عضو مجلس إدارة البورصة المصرية ورئيس مجلس إدارة شركة رسملة لإدارة الأصول، قائلًا بعد تأهل بلادة لنهائيات كأس العالم: «تلقيت العديد من رسائل التهنئة من مديري صناديق أجنبية وبنوك استثمار وشركات سمسرة بمناسبة صعود مصر إلى كأس العالم، معظم الرسائل كان لها بعد اقتصادي، حيث يتوقع معظمهم أن يكون هذا الإنجاز خطوة تساعد في طريق الإصلاح الاقتصادي بسبب اعتدال المزاج العام في الشارع المصري ووجود وحدة اجتماعية قلما حدثت في آخر ثماني سنوات».

سعد شلبي، خبير الاقتصاد الرياضي، قال: «إن الرياضة تسهم بنسبة 1.8% من إجمالي الناتج القومي المحلي في مصر، بقيمة 49 مليار جنيه، ولكن يعانى القطاع أوضاعًا سيئة، بسبب ضعف الاستثمارات، ولكنها في نفس الوقت تمثل 25% من حجم الاستثمار الرياضي في الوطن العربي، مشيرًا إلى أن قيمة اللاعبين في الدوري المصري ارتفعت 25% بعد التأهل لنهائيات كأس العالم المقبلة في روسيا، وبالتالي ستزيد تكاليف انتقالاتهم بين الأندية، هذا الأمر أيضًا ينطبق على المنتخبات العربية الأخرى المتأهلة للبطولة».