في مارس (آذار) 2020 تسببت جائحة كورونا في أزمة اقتصادية عميقة، عنوانها: توقف الاقتصاد الحقيقي وتقييد حركة أغلب سكان العالم، وهو ما مثَّل ضربة كبيرة للاستهلاك والإنتاج (العرض والطلب) العالميين، وهو الذي تُرجِم بمعدلات نمو سالبة في العالم، لم ينجُ منها إلا اقتصادات قليلة جدًّا، فحسب بيانات البنك الدولي، ومنذ عام 1961، لم يسجل العالم نسبة نمو أكثر انخفاضًا من عام 2020؛ إذ سجل العالم نموًّا سالبًا نسبته 3.5% تقريبًا.

ورغم أن العالم يعيش حاليًا مسار التعافي من الجائحة على كل المستويات، ونحن على مشارف عام 2022، فإن مسار التعافي من تداعيات كورونا يحمل معه مخاطر جمة أيضًا، لذا يحاول هذا التقرير استعراض أهم التوقعات الاقتصادية في العالم لعام 2022، والذي سيكون عنوانها استكمال مسار التعافي من الجائحة، والتعامل مع المخاطر الاقتصادية المحتملة.

نمو مبشر في عام 2022.. وصعوبات أيضًا

لنفكر بالمثال التالي: اقتصاد (س) نما خلال الأعوام العشرة الماضية، فكان ينتج ما قيمته 50 دولارًا عام 2011، لينتج مئة دولار عام 2019، ولكن بعد هذا النمو حدث أمر ما أدى بالاقتصاد ليتراجع في عام 2020 ليصبح ناتجه 95 دولارًا، إذًا خلال هذه الفترة استطاع الاقتصاد أن يطور وينمي نفسه لينتج ضعف ما كان ينتجه سابقًا، ولكنه في العام الأخير، لم يقف به الحد عن عدم القدرة على النمو أكثر؛ كما كان يُفترض به أن يحصل، ولكنه زاد على ذلك بأن انكمش بنسبةٍ ما.

فإذا استطاع هذا الاقتصاد النمو في 2021، والوصول إلى أكثر من 100 دولار، فإن ذلك لن يكون غريبًا على الإطلاق، بل إنه لولا حصول الأزمة لحقق نموًّا في عامها نفسه، واستمر بتحقيق النمو في الأعوام التي تليه، إذًا فإن تحقيق معدل نمو بعد انكماش ليس بالمهمة الصعبة إذا ما قورن ذلك بالاستمرار بتحقيق معدلات النمو دائمًا، دون أن يحصل ما يسبب الانكماش.

لذا فطبقًا لتوقعات مؤسسة «مورجان ستانلي Morgan Stanely»؛ فإن النمو الذي حققه العالم خلال عام 2021 بلغ نسبة 6.1%، وعلى ذلك وإذا افترضنا أن عام 2020؛ عام الجائحة لم يحصل أبدًا، وأنَّا انتقلنا مباشرةً من عام 2019 إلى عام 2021، فإن النمو الذي قد حققه الاقتصاد العالمي في عام 2021 سيكون 2.6% فقط، وليس 6.1% الذي جرى تحقيقه بالناتج العالمي الإجمالي الضعيف الذي جرى تحقيقه في 2020، علمًا بأن أقل نسبة نمو حققها العالم في سنة واحدة خلال الفترة ما بين 2010-2019 كانت أقل من ذلك بقليل، وأن معدل النمو في تلك الفترة كان تقريبًا 3.2%.

Embed from Getty Images

ولكن ذلك لا يعني التقليل من شأن مسار التعافي من كورونا في عام 2021، وإمكانية استكماله في عام 2022، وإنما تأكيد عمق الأزمة على مستوى النمو وحده؛ دون أن ننسى أن احتياجات العالم زادت عما كانت عليه في عام 2019؛ فقد زاد عدد سكان العالم ولو قليلًا، وبنسبة 2.5%، وزاد معه عدد العاطلين عن العمل إلى قرابة 6.5% في عام 2020، بينما تتوقع منظمة العمل العالمية أن يصل المعدل في عام 2021 إلى 6.3%، وأن يصل مع نهاية عام 2022 إلى 5.7%، وهو لا يزال أعلى من معدل 5.3% الذي حققه عام 2019.

وبالإضافة إلى هذه المؤشرات، فقد شهد عام 2020 دفع نصف مليار إنسان نحو الفقر المدقع، أو دفع من كانوا منهم أصلًا ضمن هذا المعيار إلى وضع أسوأ مما كانوا عليه، وفي بعض الدول والمناطق في العالم كان الأمر أسوأ بكثير مما هو عليه في بلدان أخرى أغنى.

وكان من الممكن للأمور أن تسوء أكثر لولا الخطط الاقتصادية الاستثنائية التي اعتمدتها الدول لمحاربة الأزمة الناتجة من الجائحة، والتي تضمنت رفع الإنفاق الحكومي في دول العالم عبر الدَّين، بالإضافة إلى اضطرار الشركات والناس العاديين إلى الاقتراض أكثر وأكثر، حتى أصبح الدين العالمي مقاربًا لـ300 مليار دولار، بعد أن ارتفع 24 ترليون دولار في عام 2020، و15 ترليون دولار أخرى في عام 2021، لتغطية الزيادة في الإنفاق، والتي لم تفلح في منع الاقتصاد من الانكماش، ولكنها جنَّبت العالم أن يشهد معدلات انكماش أضخم بكثير.

مع كل ذلك؛ يتوقع أن ينمو الاقتصاد العالمي في عام 2022 بمعدل ما بين 4.5% تقريبًا، وطبقًا لـ«مورجان ستانلي» فإن غالبية توقعات الجهات المعنية تدور حول تحقيق متوسط نمو يبلغ 4.3%، بينما يبلغ توقع مؤسسة «مورجان ستانلي Morgan Stanley» نفسها معدلًا أكثر إيجابية يبلغ 4.7% كما أن هناك صعوبات كبرى سيواجهها الاقتصاد في العام القادم، وهذه هي أهمها:

هل يمحو التضخم العالمي ما ينجزه النمو؟

إذا كان التضخم هو ارتفاع الأسعار الناجم عن ارتفاع الطلب على السلع والمنتجات، وارتفاع الطلب يعني ارتفاع سعر المنتج المطلوب، فإنه من السهل القول إن الركود الذي سببته الجائحة، وتوقف النشاط الاقتصادي الذي يعني انخفاض الطلب أدَّى إلى انخفاض معدلات التضخم.

وطبقا لبيانات «منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD)» فإن التضخم انخفض بالفعل إلى أقل من 1% في الربع الثاني من عام 2020، وهو الربع الذي شهد بداية الإغلاق في الاقتصادات العالمية، بين شهري مارس (آذار) ويونيو (حزيران)، لكن إعادة فتح القطاعات الاقتصادية أدى إلى رفع التضخم بشكل مفاجئ، حتى وصل إلى قمته في نهاية العام الحالي بالنسبة لدول المنظمة (تضم أغلب الدول المتقدمة، ومن بينهم الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية).

ففي البداية؛ عندما كان أغلب سكان العالم حبيسي بيوتهم خصوصًا في الغرب، ومع البرامج المالية والنقدية التي حافظت على تدفق الأجور، مع إغلاق الكثير من القطاعات الخدمية، ارتفع صرف الناس على الطعام والسلع الاستهلاكية، وبعد فتح القطاعات زاد هذا الطلب بشكلٍ مفاجئ، دون أن يتمكن جانب العرض من العودة إلى ما كان عليه قبل الجائحة.

Embed from Getty Images

فالصين المعروفة بأنها مصنع العالم – مثلًا – استمرت في إغلاق بعض مناطقها أكثر من مرة لانتشار كورونا، كما أن طرق التجارة لم تعد حتى الآن إلى العمل كما كانت عليه سابقًا، ومع ارتفاع أسعار النقل تكتمل صورة العوامل التي ما زالت تضعف جانب العرض في الاقتصاد العالمي، فارتفاع أسعار النقل، على سبيل المثال، يعني ارتفاع تكاليف الإنتاج (العرض)، ويعني تأثيرًا سلبيًّا فيه.

وطوال شهور أبقى الفيدرالي الأمريكي على تقييمه المتعلق بأن التضخم المرتفع حاليًا مؤقت، وهو من أعراض بدء التعافي من كورونا، رغم أنه الأعلى منذ أربعة عقود، وهو أعلى مما حققه الاقتصاد الأمريكي من نمو خلال عام 2021، ومن المتوقع لعام 2022.

وترتفع المخاوف اليوم من تحوُّل موجة التضخم الحالية إلى أزمة ركود تضخمي ترتفع فيه الأسعار، مع تباطؤ في النمو، فبينما يرتبط التضخم بالعادة مع نشاط اقتصادي ومعدلات نمو مرتفعة، ويعود ذلك إلى ارتفاع الطلب المحلي على السلع والخدمات؛ فإنه في حالة الركود التضخمي يرتفع التضخم مع تباطؤ النمو بسبب ارتفاع مدخلات الإنتاج، مثل ارتفاع تكلفة الطاقة على سبيل المثال، وهي بالفعل آخذة بالارتفاع حاليًا، متمثلة في ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي، وتعاني الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا من هذين الأمرين خصوصًا.

ويضاف إلى ارتفاع أسعار الطاقة عوامل أخرى تسبب ارتفاع الأسعار، وتضرب تعافي جانب العرض في الاقتصاد، أهمها التوجه العالمي المعاكس للعولمة على مستوى التجارة، بدءًا بسياسات الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، من بدء حرب تجارية مع الصين، وهو الأمر الذي استمر مع إدراة الرئيس جو بايدن، ونهايةً بتداعيات أزمة كورونا التي أضرت بالتجارة العالمية وما تزال.

ويغذي الاستهلاك المحلي وارتفاعه الاقتصادات المختلفة، وكلما زادت القدرة الشرائية للمواطنين زاد ذلك النشاط الاقتصادي، فشراء السلع والخدمات بشكلٍ أكبر يعني أرباحًا أكبر للشركات، والأرباح الأكبر تعني توظيفًا أكبر وتوسعًا في الأعمال، وهو ما يعني زيادة القدرة الشرائية للمواطنين واستمرار عجلة الازدهار المحلية.

وعلى سبيل المثال يشكل الاستهلاك 70% من الاقتصاد الأمريكي، ولكن معدلات التضخم المرتفعة تعني تقليلًا للقدرة الشرائية للمستهلكين، وطالما أن هذا التضخم مرتبط بارتفاع تكاليف الإنتاج فإن ذلك لن يعني ارتفاعًا في الطلب المؤدي إلى ارتفاع النمو، بل سيؤدي ذلك إلى انخفاض العرض والنمو معًا، بالإضافة إلى ارتفاع الأسعار، فإذا تحول التضخم الحالي إلى ركود تضخمي؛ فإن ذلك قد يعني تخفيض توقعات النمو لعام 2022.

وإن كانت التوقعات الحالية تتحدث أكثر عن ضعف أثر الجائحة مع مرور الوقت، ومعالجة مشكلات العرض عمومًا، فإنه لا يمكن التنبؤ بدقة بذلك، وقد يحمل العام القادم مفاجآت كثيرة تغير مسار التعافي، كما أن الاقتصاد العالمي قد يستطيع بالفعل التغلب على هذه الإشكاليات وتحقيق التعافي مع نهاية عام 2022، ولكن ماذا عن الاقتصادات الناشئة؟ أكثر ما يهم في معرفة مصير النمو في العالم في العام القادم، وفي المستقبل عمومًا هو النظر إلى حالة الاقتصاد الصيني بشكلٍ خاصٍّ.

هل يُدخل تباطؤ اقتصادي في الصين العالم في أزمة؟

رغم أن الصين تمثل أقل من 20% من الناتج العالمي الإجمالي؛ فإنها تساهم في قرابة ثلث النمو العالمي من إجمالي ما ينتجه العالم أجمع، فليست الصين فقط ثاني أكبر اقتصادات العالم، بل هي أهم عوامل نمو الاقتصاد العالمي، لا بسبب حجم هذا الاقتصاد من العالم، ولكن أيضًا بسبب أن نمو الصين يعني نمو غيرها من البلدان التي لها علاقة بها، فسواء كانت هذه البلد تصدر الطاقة إلى الصين، أو تستفيد من الصادرات الصينية لبناء صناعات خدمية، أو تستفيد من مرور صادرات الصين منها، أو تصدِّر إلى الصين أي نوع من أنواع السلع والخدمات، فإن نمو الصين يعني نموًّا لمثل هذه البلدان.

رغم أن الناتج المحلي الإجمالي الصيني أصغر من اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية بشكلٍ ملحوظٍ، وأصغر قليلًا من اقتصاد الاتحاد الأوروبي، فإنها تساهم في النمو العالمي بأكثر من مساهمة الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي واليابان مجتمعين؛ وذلك يعني أن أي تباطؤ في نمو الاقتصاد الصيني يعني تباطؤًا في النمو العالمي، ويواجه الاقتصاد الصيني اليوم تحديات؛ بعضها خاص بالصين، والآخر مشترك مع دول أخرى لها سمات مشابهة، قد تؤدي إلى تباطؤ النمو في الصين، ما يعني إمكانية الإضرار بالنمو العالمي بشكلٍ عامٍّ.

العالم والاقتصاد

منذ شهر
على شفا الكارثة.. هل ستندلع أزمة الديون العالمية قريبًا؟

وتتمثل هذه التحديات بعنوانين أساسيين؛ سياسة «صفر-كورونا» التي تعتمدها الدولة الصينية، والتي تقضي بإغلاقات في بعض المدن والمناطق بسبب انتشار كورونا فيها؛ مما يتسبب في تخفيض النشاط الاقتصادي وتباطؤ الاقتصاد الصيني؛ فالإنتاج الصيني يتحقق من عمل جميع المقاطعات الصينية، وكل مقاطعة لها حصة من هذا الناتج، في حال جرى إغلاق إحدى المقاطعات فهذا يعني أن إنتاجها سيقل، ومن ثم سيقل إنتاج الاقتصاد الصيني ككل.

والسبب الآخر سياسة الإصلاحات الاقتصادية التي تعتمدها الدولة الصينية، بدءًا بمحاربة الاعتماد غير المدروس على الديون من طرف بعض الشركات مثل شركة «إيفر جراند Ever Grande»، وهي شركة تطوير عقارية ضخمة، تسببت أزمتها بتباطؤ في قطاع الإنشاءات، مؤثرًا في النمو الاقتصادي عمومًا، بالإضافة إلى سياسة الدولة في الانتقال إلى مصادر الطاقة المتجددة، ومحاولة تخفيض استخدام المصادر التقليدية عمومًا والفحم خصوصًا؛ ما أدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة وحصول انقطاعات في توصيلها إلى المنازل والمصانع، وتقول بعض التقارير إن التباطؤ الاقتصادي الصيني من فعل الحكومة نفسها، لكون سياسة الرئيس الصيني تشي جين بينغ تقدم الإصلاحات الاقتصادية بعيدة المدى على مصلحة النمو الاقتصادي.

ولا يختلف مسار الصين عن مسار كثير من الدول الأخرى التي تهدف للتحول من مصادر الطاقة التقليدية إلى مصادر الطاقة المتجددة، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار الطاقة حول العالم، نتيجة لتعافي قطاع النفط بعد كورونا، وازدياد الطلب عليه، وارتفاع سعر الغاز الطبيعي؛ وخصوصًا في أوروبا التي تعاني من ذلك، في ظل أزمة دبلوماسية مع روسيا؛ المصدر الأهم للغاز الطبيعي إلى أوروبا، الذي ترتفع أسعاره بشكلٍ عامٍّ في العالم.

وإذا استمرت هذه الإجراءات في عام 2022 فإن التباطؤ الاقتصادي في الصين سيستمر، ويتوقع بعض الاقتصاديين بالفعل أن يكون عام 2022 عامًا لتباطؤ النمو في الصين، فبعد عام 2021 والذي يتوقع الاقتصاديون أن تحقق الصين فيه نموًّا مقاربًا لـ8%، يتوقع ألا يتجاوز النمو في عام 2022 نسبة تحوم حول 5%، مع كون الإمكانية قائمة لتغيير ذلك في المستقبل، تبعًا لما يحمله من احتمالات على مختلف الأصعدة؛ وخصوصًا على مستوى سياسة «صفر-كورونا» والإصلاحات الاقتصادية.

حتى الآن لا يبدو أن المتغير «أوميكرون» سيحدث أثرًا كبيرًا في اقتصاد العالم، وخصوصًا بسبب أعراضه الخفيفة نسبيًّا، وذلك يعني أن الأثر المباشر للجائحة آخذ في الانحسار رغم كون العالم يمر بموجة رابعة من انتشار العدوى، إلا أن من المتوقع أن تنحسر الجائحة لتصبح أمرًا اعتياديًّا خلال العام القادم، ما يعني زيادة فرص مسار التعافي، مع الأخذ في عين الاعتبار أن عوامل أخرى قد تسبب أثرًا عكسيًّا دون استمرار الجائحة.

فقاعة الثروات وقيمة الدولار في عام 2022

في الشهر الثالث من عام 2020 خسرت الأسهم جزءًا كبيرًا من قيمتها بفعل أنباء بدء الإغلاقات الاقتصادية، فمثلًا خسر مؤشر «ناسداك» قريبًا من ربع قيمته خلال شهر واحد فقط، وهو دليل على حالة البيع المدفوع بالهلع في الأسواق المالية بفعل الجائحة.

إلا أن البنوك المركزية الرئيسة في العالم، والتي تعلمت درسًا سابقًا في الأزمة المالية العالمية عن طريقة التعامل مع مثل هذا الظرف، بدأت إجراءات مبكرة فخفضت سعر الفائدة إلى قرابة الصفر، وبدأت عملية خلق النقود وضخها في الأسواق لدعم الاقتصاد وحمايته.

Embed from Getty Images

ورغم أن الاقتصاد انكمش في عام 2020، فإن الإجراءات النقدية التوسعية أدت إلى ارتفاع أسعار الأسهم بشكلٍ كبيرٍ، فمع نهاية عام 2020 كان مؤشر «ناسداك» قد ارتفع بنسبة 45% عن قيمته في بداية العام، وهي زيادة مرتفعة جدًّا، وللمقارنة فإن المؤشر ذاته ارتفع بنسبة 37% في عام 2019، رغم أن الاقتصاد العالمي كان قد حقق معدل نمو موجبًا في عام 2019، ومعدل نمو سالبًا في عام 2020، واستمر ارتفاع الأسهم المطَّرد في عام 2021، حتى ارتفع مؤشر «ناسداك» بمعدل مقارب لـ30%، بين بداية العام وأعلى قيمة حققها في تاريخه في أواسط نوفمبر (تشرين الثاني) 2021.

ولكن الإجراءات النقدية التوسعية للفيدرالي الأمريكي، ولمختلف البنوك المركزية الرئيسية في العالم لا يُتوقع لها أن تستمر طويلًا، بل إن الفيدرالي الأمريكي بدأ بإعلان تخفيف إجراءات التوسعية، وبدأ توقع إعلان رفع سعر الفائدة الأمريكية في وقتٍ أقرب مما كان متوقعًا بالنسبة للفيدرالي، وخصوصًا لمواجهة أسعار التضخم المرتفعة.

ومنذ أواسط نوفمبر (تشرين الثاني) خسر مؤشر «ناسداك» 4.3% من قيمته حتى اللحظة، دون أن تبدأ الإجراءات النقدية التوسعية، بل فقط في إثر إعلان المركزي تخفيف الإجراءات التوسعية، ومن المتوقع أن تنخفض قيمته أكثر مع رفع أسعار الفائدة.

ويعني انخفاض مؤشرات الأسهم انخفاض قيمة الثروات العالمية المقومة بالأصول المالية الممثلة بالأسهم وغيرها، ومعها ستنخفض قيمة ثروات أخرى ارتفعت للسبب نفسه مثل العقار، فرغم أن العالم سجل ارتفاعًا في الثروة نسبته 7.4% في عام 2020، واستمر الارتفاع في عام 2021، فإن عام 2022 سيكون عام تصحيح للسوق المالية، تنخفض فيه الأسعار التي ارتفعت بشكلٍ استثنائي نتيجة الإجراءات الاستثنائية، لا نتيجة الأداء المالي الحقيقي للمؤشرات.

وهناك مخاطر تتعلق بأن يتحول التضخم الحالي إلى ركود تضخمي، فحينها لن تنجح الإجراءات النقدية الانكماشية المتمثلة برفع سعر الفائدة، وتخفيض عمليات خلق الأموال في معالجة التضخم، بل ستؤثر فقط في مسار التعافي والنمو دون أن تخفض الأسعار، وقد يتسبب ذلك في ضربة للأسواق المالية تنخفض فيها أسعار الأصول المالية وغير المالية، من الأسهم والعقارات وغيرها.

ولكن هذه الإجراءات ستقوي – في الغالب – العملة الأمريكية مقابل غيرها من العملات، فكلما ارتفع سعر الفائدة ارتفعت معه قيمة العملة الأمريكية، وهو ما بدأ بالحدوث فعلًا اليوم، وقد يستمر لاحقًا، على الأقل في صورة ارتفاع سعر الدولار مقابل أسعار عملات غير رئيسة أخرى، ولكنه بالفعل مرتفع اليوم عن مستوياته السابقة خلال العامين الماضيين 2020-2021 مقابل اليورو.

أسعار الطاقة.. هل يصبح النفط فخًّا للنمو؟

وحسب تحليل لمصادر عدة فإن هناك اختلافات بينها على رأيين لتوقعات أسعار النفط للعام القادم، فترى المؤسسات المالية أن انحسار الجائحة في عام 2022 سيحمل معه مخاطر ارتفاع زيادة الطلب على النفط، ما يعني زيادة الضغط على ارتفاع أسعاره عمومًا، في المقابل فإن المؤسسة الحكومية المعنية بالطاقة في الولايات المتحدة الأمريكية تختلف مع هذا التحليل؛ إذ ترى أن المعروض من النفط سيرتفع خلال العام القادم، ومع ارتفاع هذا المعروض بسبب عودة النشاط الاقتصادي فإن سعر النفط سينخفض حتى يصل خام برنت إلى 66 دولارًا في نهاية عام 2022، بينما يرى تحليل المؤسسات المالية المخالف  إمكانية ارتفاعه إلى 85 دولارًا بحلول نهاية العام القادم.

Embed from Getty Images

ويتشابه التحليل بالنسبة لأسعار الغاز أيضًا، وارتفاع أسعار الطاقة في العالم سيفيد بالتأكيد الدول المصدرة، ولكنه سيرفع تكلفة الإنتاج بالنسبة لباقي العالم، وقد يؤدي إلى تباطؤ النمو، وإلى تحول التضخم الحالي إلى كساد تضخمي (أي تضخم مع تباطؤ في النمو)، بينما ستتأثر الدول المصدرة بانخفاض أسعار الطاقة، ولكن الاقتصاد العالمي سيستطيع النمو بتكاليف أقل، ومن ثم بمخاطر تباطؤ أقل، وباحتمالية أصغر لتحول التضخم إلى ركودٍ تضخمي.

كيف ستؤثر السياسة التقشفية المتوقعة في الغرب في الدول الناشئة؟

تستفيد الدول النامية والاقتصادات الناشئة من السياسة النقدية الانكماشية في الغرب، فسعر فائدة منخفض يعني بالضرورة تكلفة أقل للاستدانة بالعملة الأجنبية، ومثل هذا الوضع مفيد جدًّا في مثل حالة الجائحة التي اضطرت كثيرًا من الدول للاستدانة بشكل كبير لتغطية النفقات اللازمة لمحاربة الجائحة.

كما أنَّ رأس المال المضارب لن يرى من المنطقي استمرار الاستثمار في الأسواق الغربية التي خفضت سعر فائدتها إلى قرابة الصفر، بل ستفضل رؤوس الأموال هذه أن تنتقل إلى دول أخرى بأسعار فائدة مرتفعة، وهو ما توفره كثير من الأسواق الناشئة حول العالم، مثل مصر حاليًا.

كما أن الدول التي تثبت سعر عملتها إلى عملة أجنبية، وإلى الدولار بالتحديد، تحبذ سعر فائدة منخفض في الولايات المتحدة الأمريكية، لأنها تحتاج إلى تثبيت سعر فائدتها إلى سعر الفائدة في الولايات المتحدة الأمريكية أيضًا، وحتى الجنيه المصري المعوَّم، يحتاج إلى أن يكون سعر الفائدة في الولايات المتحدة وأوروبا منخفضًا لتبقي على جاذبية سعر الفائدة المرتفع فيها، دون الحاجة إلى رفعه أكثر.

ولكن اقتراب تعديل قرارات البنوك المركزية في عام 2022، قد يعني مخاطر كثيرة على مثل هذه الدول، فرفع سعر الفائدة الأمريكية سيعني ارتفاع تكلفة الاستدانة بالدولار، وهو ما سيحصل أيضًا في حالة اليورو، وسيعني ضرورة رفع أسعار الفائدة في الدول الناشئة، أو احتمال انتقال جزء من رؤوس الأموال الأجنبية المضاربة إلى خارج البلاد، وما قد تؤثر في الاقتصادات المحلية، وخصوصًا في سعر العملة التي قد تنخفض بفعل هروب رؤوس الأموال من البلاد.

هل يكون عام 2022 عام الانفراجة الاقتصادية لتركيا؟

تواجه الدول المتقدمة، وتحديدًا الولايات المتحدة وأوروبا مخاطر الركود التضخمي في العام القادم، وقد يؤدي إلى أزمة اقتصادية تؤثر في باقي دول العالم، الذي يواجه مخاطر تباطؤ اقتصادي لعوامل عدة، أحدها أيضًا إمكانية تباطؤ الاقتصاد الصيني، وتواجه الدول المصدرة للطاقة مخاطر انخفاض أسعارها مرة أخرى نظرًا إلى اعتماد كثير من الدول المصدرة للطاقة على ارتفاع أسعارها بوصفه وارداتٍ لميزانياتها.

وعلى الجهة الأخرى تعيش بعض الدول في أزمة اقتصادية أو انهيار اقتصادي، فلبنان مثلًا يمر بانهيار اقتصادي، وأزمة سياسية خانقة لها الدور الأكبر في استمرار الأزمة الاقتصادية وتعمقها؛ لكن وعلى الجهة الأخرى تعيش تركيا أزمة اقتصادية ضخمة منذ عام 2018، وإن لم تكن بثقل الانهيار الاقتصادي في لبنان.

Embed from Getty Images

ومع أن عوامل سياسية كان لها دور في بداية الأزمة في عام 2018، مع الخلافات السياسية التركية-الأمريكية، فإن الوجه الأبرز للأزمة التركية يتمثل بالعوامل الاقتصادية وسياسة الحكومة التركية، والمصرة أكثر على تخفيض أسعار الفائدة، بعد أن كان الاقتصاد التركي يعتمد كثيرًا على الارتفاع النسبي لأسعار الفائدة الجاذبة للاستثمار الأجنبي قصير الأجل، ولإقراض البنوك والشركات التركية بالعملة الأجنبية، عندما كانت الليرة التركية مستقرة نوعًا ما، وكان بإمكان الشركات والبنوك التركية الاقتراض من الخارج، والعمل داخل تركيا لتحقيق ربح بالليرة، ومن ثم تحويلها إلى عملة صعبة مرة أخرى وسداد الديون.

إلا أنَّ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يتبع سياسة اقتصادية غير تقليدية، تقضي بتخفيض سعر الفائدة، وتحمل ارتفاع أسعار الفائدة كل شر اقتصادي في البلاد، وعلى هذا فقد خفَّض البنك المركزي التركي سعر الفائدة بـ5% منذ شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، مؤديًا بالليرة التركية إلى أكثر انخفاض في السعر سجلته في تاريخها، وبوقتٍ قياسي للانخفاض.

ففقدت الليرة أكثر من 50% من قيمتها خلال عام 2021، والحصة الأكبر من هذا الانخفاض جرى تسجيلها في الفترة القصيرة ما بين منتصف شهر نوفمبر من العام الحالي حتى الآن، أي في شهرٍ واحدٍ فقط، فقد كانت الليرة عند مستوى 10 ليرات مقابل الدولار في منتصف نوفمبر الماضي، وقد تخطت عتبة الـ16 ليرة مقابل الدولار الواحد بتاريخ 17 ديسمبر (كانون الأول) 2021، بعد أن أعلن البنك المركزي تخفيضه الجديد على سعر الفائدة، ليصبح 14%، ويصبح التضخم 21%.

وأصبحت أسعار الفائدة الحقيقية في تركيا سالبة، وهو ما يعني أن التضخم أعلى من سعر فائدة البنك المركزي، وقد تعمقت الهوة بين التضخم وسعر فائدة البنك المركزي كثيرًا خلال الأشهر السابقة، بارتفاع التضخم بشكلٍ مستمر، وبتخفيض المركزي لسعر فائدته بشكلٍ مستمرٍّ أيضًا، وهو ما يعدُّ منفرًا للاستثمار الأجنبي، وجاذبًا حتى للأتراك أنفسهم لبيع الليرة التركية، ويعمل الأمران على رفع عرض الليرة في سوق العملات وخفض قيمتها أكثر.

ورغم محاولات البنك المركزي التركي للتدخل لمنع انخفاض العملة أكثر، فإن ذلك لم يفلح في منع اتجاه العملة إلى أرقام قياسية أقل، ومع آخر تخفيض لسعر الفائدة يحاول الرئيس أردوغان تقديم محاولات جديدة لتخفيف أثر الأزمة، فبدأ برفع الحد الأدنى للأجور بنسبة 50%، ورفع أجور العاملين سيخفف بالطبع من وطأة ارتفاع الأسعار، ولكنه سيزيد العبء على الشركات المشغلة لهؤلاء الموظفين، وخصوصًا الشركات التركية المدينة، والتي ستحتاج أن تسدد ديونها بالعملة الأجنبية، بينما تنخفض الليرة التركية بشكلٍ كبيرٍ في كل يوم، وزيادة رفع الحد الأدنى للأجور يزيد من مخاطر تعثر هذه الشركات في الوفاء بالتزاماتها.

حتى الآن وبالتحليل الاقتصادي التقليدي، الذي يتفق عليه أغلب المحللين؛ فإنه لا أفق لحل الأزمة التركية إلا باستخدام الأدوات التقليدية التي يرفضها الرئيس أردوغان وعلى رأسها رفع معدل الفائدة، ودون توفير خطة مختلفة لتحقيق الأهداف الاقتصادية، فإنه يبدو أن الأزمة ستستمر في تركيا في المستقبل القريب، وخصوصًا عندما تقرر البنوك المركزية الغربية رفع سعر فائدتها المنخفض حاليًا، والذي سيزيد من جاذبية الاستثمار في الدول المتقدمة على حساب الاقتصادات الناشئة، وسيعني ضرورة رفع سعر الفائدة في هذه الاقتصادات الناشئة لجذب الاستثمارات من جديد، ولكن أردوغان لا يزال مصممًا على مسار تخفيض سعر الفائدة أكثر.

المصادر

تحميل المزيد