كونها باتت في نظر الكثيرين من الدول الأكثر فاعلية في الإقليمين العربي والشرق أوسطي، تتوجه الأنظار صوبها، في انتظار ما تتمخض عنه صراعاتها الداخلية، لاسيما وأنها على أعتاب انتخابات رئاسية هي الأهم، كما يتوقع العديد من المتابعين منذ إعلان الجمهورية الإسلامية عام 1979؛ أول انتخابات رئاسية بعد الاتفاق النووي الإيراني. الظرف العالمي على صفيح ساخن. ثمة تنامي لليمين الشعبوي في العواصم الأوروبية، ناهيك عن تولي ترامب قيادة البيت الأبيض في يناير (كانون الثاني) المُرتقب. وهو الرجل الذي وعد بتعطيل الاتفاق النووي، وتمزيقه حال تنصيبه رئيسًا للولايات المتحدة.

وعلى الرغم من عدم وضوح الرؤية حول إمكانية تنفيذ الرئيس الأمريكي القادم لوعوده بتمزيق الاتفاق من عدمها، تبقى وعوده إشارة واضحة للعقيدة الأمريكية الجديدة تجاه إيران.

في ظل هذا الزخم العالمي، تترقب الأنظار الصراعات الداخلية في إيران للوصول إلى كرسي الرئاسة في انتخاباتٍ أعلنت وزارة الداخلية أنها ستُجرى في 19 مايو (أيار) المقبل، وبين من يؤيد المعسكر الإصلاحي ومن يؤيد ما يعرف بالمعسكر المتشدد، ثمة سؤال يطرحه الكثيرون: ما قيمة الانتخابات الرئاسية في ظل السلطات اللا محدودة لمنصب «المرشد الأعلى»؟ وهو سؤالٌ سنحاول التعرض له نهاية هذا التقرير التقرير.

طيف نجاد اختفى أم أُخفي؟

المتأمل في التغيرات السياسية التي يشهدها العالم هذه الأيام، يرى «أحمدي نجاد» اليميني الشعبوي هو الأقرب لمُجاراة اليمين الشعبوي المتصاعد في العواصم الأوروبية. ولم يتأخر الرجل فعلًا عن التوقعات؛ إذ في السادس عشر من يونيو (حزيران)، نشرت مجلة السياسة الدولية «فورين أفيرز» الأمريكية، تقريرًا يرصد طارئًا جديدًا حلّ على الساحة السياسية الإيرانية الداخلية؛ ألا وهو عودة الرئيس السابق «محمود أحمدي نجاد» للمشهد.

 

وكان أحمدي نجاد قبل أشهر يصول ويجول بطول البلاد وعرضها في البلدات الإيرانية الصغيرة، التي تتمركز فيها جماهيريته، ويتحدث إلى الناس عبر المساجد مُلوّحًا بإمكانية ترشحه لانتخابات الرئاسة القادمة في مايو (آيار) 2017. موجهًا اتهاماته للرئيس الحالي «حسن روحاني» بالفشل في الاتفاق النووي الذي توصلت إليه إيران مع الدول الكبرى في يوليو (تموز) من العام الماضي، متذرّعًا في اتهاماته لروحاني باعتقاده أن الاتفاق ضحّى بالمشروع النووي الإيراني في مقابل مكاسب غير محددة المعالم.

وبالرغم من أنه طوال هذه الأشهر، لم يقدم برنامجًا بديلًا لبرنامج الرئيس روحاني، إلا أنه أحدث ضجة داخليةً كبيرة، حول ما إذا كان ظهوره تمهيدًا لعودته للمشهد السياسي الذي خرج منه في أغسطس (آب) 2013 أو ما إذا كان قد خرج للنيل من روحاني فقط.

ولم يَطُل أمد التكهنات، حتى كان رأي السيد «علي خامنئي» قاطعًا بإبعاده عن المضمار الانتخابي، لاسيما وأن إعادة انتخابه رئيسًا في 2009، شكلت أزمة سياسية كادت تعصف بالثورة الإسلامية ودولتها. وجاءت تصريحات المرشد الأعلى بعدما اجتمع بنجاد، وأخبره بأن الظرف الراهن غير مناسب لترشحه لمنصب الرئاسة.

إبعاد أحمدي نجاد يبدو للمتابعين متفهمًا وله أسبابه، نذكر منها ـ بدايةً ـ ما ذكره المرشد الأعلى، بأن الظرف الراهن لا يتواءم مع الأفكار التي يحملها نجاد؛ فالرجل الذي عادى الدول الكبرى لأجل البرنامج النووي لا يمكنه أن يكون رئيسًا في ظل اتفاق يوليو (تموز) 2015. السبب الثاني يعبر عن الطبيعة «البراجماتية» للانتخابات؛ إذ يُفضل للتيار المحافظ أن يُقدم مرشحًا واحدًا قادرًا على الفوز، من أمثال: «علي لاريجاني»، زعيم مجلس الشورى، و«علي أكبر صالحي»، ممثل إيران لدى وكالة الطاقة الذرية، وغيرهما ممن يحظون بالسمعة الطيبة والشعبية الكبيرة.

 

روحاني: هل يكون الرئيس ذا الفترة الرئاسية الواحدة؟

 

روحاني، الذي أوشكت فترته الرئاسية الأولى على الانتهاء، خمسة أشهر فقط تفصله عن خوض غمار المنافسة لاقتناص فرصة ثانية، على خطى الرؤساء السابقين «خامنئي، ورفسنجاني، وخاتمي، ونجاد».

الرجل أتى للسلطة في 2013، واعدًا أنصاره بحل أزمة الملف النووي التي تعقدت كثيرًا في عهد سابقه أحمدي نجاد، وبالفعل نجح في إتمام الاتفاق النووي في يوليو (تموز) 2015، لكن هل يضمن هذا الاتفاق له فرصةً ثانية؟

 

حاول الصحفي الإيراني «سعيد جعفري» الإجابة على هذا التساؤل في مقالته المنشورة في سبتمبر (أيلول) الماضي، معتقدًا أن روحاني لن يتمكن من تمديد فترته الرئاسية؛ فالرجل المحسوب على تيار الإصلاح لم يقدم الكثير لتغيير الوضعية الثقافية المحافظة للمجتمع الإيراني، ويدلل جعفري على ذلك بأن 50 حفلة غنائية تم إلغاؤها فقط في العامين الماضيين، معتبرًا ذلك تقييدًا للحريات.

الحفلات الملغاة، جاءت بعد تصريحات مثيرة للجدل، من قبل بعض المرجعيات الدينية، من أمثال إمام جُمعة مدينة مشهد الإيرانية، ذات الرمزية الدينية، وقوبلت التصريحات المحافظة بطيف واسع من الانتقادات، نظمها مؤيدون سابقون لروحاني، وبعضهم حتى عمل ضمن حملته الانتخابية 2013.

واحدة أخرى من الإخفاقات في رأي البعض، أن روحاني وعد أنصاره بالسعي لرفع العقوبات عن أقطاب الإصلاح الإيراني، «مير حسين موسوي» و«مهدي كروبي»، وهما تحت الإقامة الجبرية منذ احتجاجات 2009، وهو الوعد الذي لم يدخل حيز التنفيذ إلى اليوم.

يرى جعفري من خلال طرحه، أن السياسات الداخلية المتشددة لا تزال سارية بحق المعارضين، فهناك إغلاق للصحف ومنع لوسائل الإعلام من ممارسة عملها بحرية، كل هذا لم يختلف كثيرًا في عهد روحاني عما كان عليه في عهد سابقه.

على الجانب الآخر، فالاقتصاد الإيراني، ربما هو الورقة الوحيدة التي يعوّل عليها روحاني، لكن بالنظر لأرض الواقع، كانت التوقعات بعد الاتفاق النووي أعلى بكثير مما تم على الأرض؛ إذ يمكن القول في نظر الكثيرين بأن روحاني لم يوفر للاقتصاد الإيراني، سوى بعض الاستقرار، أما العقوبات، فبعضها فُرض ثانيةً على خلفية تطوير إيران لمنظومتها الصاروخية، في انتظار ما ستؤول إليه الأمور كذلك في عهد «دونالد ترامب».

هل يكون لهذه الانتخابات آثارٌ إقليمية ودولية؟

أمرٌ طبيعيٌ أن نبحث عن الآثار الإقليمية المنتظرة من جراء الانتخابات الإيرانية، في وقتٍ تمتد فيه أياد إيران في المحيط العربي، وبوضوح كبير في سوريا والعراق واليمن، وغيرها من البلدان العربية. لكن بالعودة إلى الوراء، تحديدًا في العام 2009، حيث الانتفاضة الخضراء، سندرك أن كل الخيارات المتاحة اليوم لا تصب في إطار التغيير، فعلى الأرجح؛ أصحاب التغيير الحقيقي مغيبون بأمر المرشد الأعلى، آية الله علي خامنئي.

في عام 2009، برزت إلى السطح خلافات داخلية بين أبناء الثورة الواحدة، بعد إعادة انتخاب أحمدي نجاد على رأس السلطة، والتمديد له لفترة رئاسية ثانية، وللأهمية؛ فالصراع كان بين أبناء الثورة الواحدة، ولم يكن بين الثورة ومعارضيها، لذا فهو مهم لفهم الخريطة السياسية الإيرانية قبل تلك الأحداث وبعدها.

كان زعيم الحركة آنذاك، المرشح الخاسر مير حسين موسوي، والذي جعل من الهم القومي الإيراني شعارًا له في الانتخابات، منتقدًا سياسات الجمهورية الخارجية بعبارة واضحة «لا يجوز الحديث عن عزة لبنان وفلسطين وتجاهل عزة إيران»، في إشارة واضحة لضرورة تلبية الحاجة الإيرانية الداخلية ابتداءً.

وخرج المحتجون من أنصاره بعد ذلك متشحين بالأخضر، هاتفين «لا غزة ولا لبنان، روحي فداء لإيران». هذه العبارة قابلتها عبارة المرشح المنتصر أحمدي نجاد، والذي اعتبر أنه من الخطأ اعتبار نضال الشعب اللبناني والفلسطيني أمرًا خارجيًا، ليس من صلب مشروع «الجمهورية الإسلامية»، وهي وجهة النظر التي يتبناها المرشد الأعلى.

اليوم وبعد سنواتٍ سبع، تُشَيّع إلى إيران يوميًا توابيت الموت، القادمة من سوريا؛ نتيجةً للمشاركة الإيرانية المباشرة في قمع انتفاضة الشعب السوري، على الرئيس الموالي لنظام طهران، بشار الأسد. ويُشار في الداخل من قبل السلطة إلى المساندة الإيرانية للنظام السوري باعتبارها «الدفاع المقدس».

وتنقل الباحثة في الشأن الإيراني، «فاطمة الصمادي»، في مشاركة لها على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، حديث رجل الدين البارز «مهدي طائب»، في فبراير (شباط) لعام 2013، عن اعتبار سوريا المحافظة الإيرانية الـ355، وأن الدفاع عنها له أولوية على الدفاع عن خوزستان الإيرانية؛ لأنها إذا فُقدت فلن تعود.

كما تنقل «الصمادي» عن العميد «حسين همداني»، قوله بأن مصالح الجمهورية الإسلامية في سوريا هي التي تجعلها تحارب هناك، واصفًا الحرب بالدفاع المقدس، وهو ذات الاسم الذي أطلقته إيران على حرب العراق «حرب الثمانية أعوام 1980-1988». وكان همداني قد عُثر عليه مقتولًا في أكتوبر (تشرين الأول) 2014، بعدما نُصب لموكبهه كمين في ريف حماة، السورية.

عودٌ على بدء، لا يُتوقع غالبًا أن تغير نتيجة الانتخابات من التوجهات الإقليمية، الأمر فقط يتعلق بحيثيات المشاركة، وطريقة التناول الإعلامي؛ إذ لم يكن هناك من حرج أن يستخدم أحمدي نجاد – لو كان على رأس السلطة اليوم – وصف الدفاع المقدس لما تقوم به الميليشيات الإيرانية في سوريا، وهو التناول الذي لم يقع فيه الرئيس روحاني، لكن على المستوى الإجرائي، فطالما كان خامنئي وحرسه الثوري راغبًا في المشاركة، فهي واقعة.

ويُنقل عن خامنئي رثاؤه للقتلى الإيرانيين، مصرّحًا أن قتلى الحرس الثوري سقطوا «فداءً للثورة الإسلامية ودفاعًا عنها» وعن إيران، وأنه «لولا هذه الحرب في سوريا لتعيّن علينا محاربة الأعداء في كرمنشاه وهمدان والمحافظات الإيرانية الأخرى».

على الصعيد الدولي، فالأمر يختلف قليلًا، صحيح أنه لا ينبئ بتغيرات جذرية، لكن جرت العادة أن يضفي الرئيس الإيراني مسحته الخاصة على  الخارجية الإيرانية، فأحمدي نجاد ـ على سبيل المثال ـ لم يكف طوال فترة حكمه عن وصف الولايات المتحدة الأمريكية بـ«الشيطان الأعظم»، معلنًا تمسكه بالبرنامج النووي الإيراني، ثم جاء روحاني متعهدًا بحل الأزمة النووية، في محاولة منه لمعالجة ما وصلت إليه البلاد من أزمة اقتصادية، وهو بالفعل ما تم إنجازه.

ويرى باحثون، أن المساحة التي يتحرك فيها منصب الرئيس في السياسة الخارجية محدودة، في ظل المرشد والمؤسسات الموازية، إذ يُعتقد أن يكون خامنئي هو الفاعل الأول، وهو الذي أعطى الضوء لروحاني للمفاوضات النووية، وهو القادر على سحبه، وفق ما تقتضيه الحاجة الداخلية للبلاد كما يراها.

 

ما قيمة الانتخابات الرئاسية في إيران في ظل المرشد الأعلى؟

يقرر الدستور الإيراني في الفصل الخامس منه، السلطات التي تحكم إيران على أنها السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية، التي تمارس صلاحياتها بإشراف «ولي الأمر المطلق وإمام الأمة»، فكل السلطات تخضع لولي الأمر حسب نص المادة الدستورية، وتؤسس لذلك المادة الثانية من الفصل الأول، إذ تجعل الإيمان بـ«الإمامة والقيادة المستمرة» إلى جانب الإيمان بالله والوحي والميعاد، أركان لنظام الجمهورية الإسلامية.

ويضطلع الولي القائد بعددٍ كبيرٍ من الصلاحيات وفق الدستور وهي:

1- تعيين السياسات العامة لنظام جمهورية إيران الإسلامية بعد التشاور مع مجمع تشخيص مصلحة النظام.

2- الإشراف على حسن إجراء السياسات العامة للنظام.

3- إصدار الأمر بالاستفتاء العام.

4- القيادة العامة للقوات المسلحة.

5- إعلان الحرب والسلام والنفير العام.

6- تعيين وعزل وقبول استقالة كل من: (فقهاء مجلس صيانة الدستور، أعلى مسؤول في السلطة القضائية، ورئيس مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في جمهورية إيران الإسلامية، ورئيس أركان القيادة المشتركة، والقائد العام لقوات حرس الثورة الإسلامية، والقيادات العليا للقوات المسلحة وقوى الأمن الداخلي).

7- حل الاختلافات وتنظيم العلائق بين السلطات الثلاث.

8- حل مشكلات النظام التي لا يمكن حلها بالطرق العادية خلال مجمع تشخيص مصلحة النظام.

9- إمضاء حكم تنصيب رئيس الجمهورية بعد انتخابه من قبل الشعب. أما بالنسبة لصلاحية المرشحين لرئاسة الجمهورية من حيث الشروط المعينة في هذا الدستور فيهم، فيجب أن تنال قبل الانتخابات موافقة مجلس صيانة الدستور، وفي الدورة الأولى تنال موافقة القيادة.

10- عزل رئيس الجمهورية مع ملاحظة مصالح البلاد، وذلك بعد صدور حكم المحكمة العليا بتخلفه عن وظائفه القانونية أو بعد رأي مجلس الشورى الإسلامي بعدم كفاءته السياسية.

11- العفو أو التخفيف من عقوبات المحكوم عليهم في إطار الموازين الإسلامية، بعد اقتراح رئيس السلطة القضائية.

وبالرغم من أن أعلى منصب تنفيذي يمكن المنافسة عليه في إيران بين أطياف المجتمع السياسية هو منصب الرئاسة، لكنه طبقًا للدستور لا يتمتع بالصلاحيات الكافية؛ إذ لا يمكنه إلا أن يدور في فلك المرشد الأعلى، ويطبق السياسات التي يمليها عليه؛ وهو ما يجعل النظام السياسي الإيراني واحدًا من أعقد النظم السياسية في العالم اليوم.

عرض التعليقات
تحميل المزيد