2,708

على خلاف العادة، ظهر زعيم الحوثيين، عبد الملك الحوثي في خطاب تليفزيوني وأقر بهزيمة قواته في الاشتباكات الدائرة التي يشنّها التحالف العربي لاستعادة محافظة الحُديدة الساحلية، في تلك الحربُ التي حمى وطيسها منذ بداية العام الجاري، وحصدت أمامها عشرات القتلى والقادة الميدانيين، كان أبرزهم الرأس الثاني للحوثيين يحيى الصماد الذي قُتل في غارة الشهر الماضي في نفس المحافظة التي شرعت مديرياتها في السقوط واحدة تلو الأخرى.

وبالرغم من أنّ الزعيم الحوثي يبرر هزائم قواته قائلاً: «إن أي تراجع لأسباب موضوعية لا يعني نهاية المعركة، وسقوط بعض المحافظات في الجنوب أثبت ذلك»، إلا أنّ تلك الأرض التي يحاول التحالف انتزاعها بأي ثمن تبدو أكثر أهمية من العاصمة صنعاء نفسها، لأنّ سقوطها لا يعني سوى أنّ الحرب انتهت، لأنها معبر الحوثيين الوحيد إلى البحر.

هذا التقرير يوضح لك كيف ستتغير خريطة الحرب في اليمن في حال سقطت «الحُدَيدة»، وما هي المصاعب التي تواجه التحالف العربي لتحريرها.

طارق صالح.. كلمة السر في الانتصارات العسكرية

أسند التحالف العربي العملية العسكرية لتحرير الحديدة والساحل الغربي، إلى ما يسمى بالمقاومة الشعبية بقيادة العميد طارق صالح، نجل شقيق الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح؛ والمعارك التي بدأت منذ انطلاق ساعة الصفر في الثامن من مايو (أيار) الماضي حصدت نتائجها مُبكرًا، وهو ما يُثير تساؤلات حول مصير الحرب الكُبرى الدائرة منذ ثلاث سنوات، فلم تكد تمرُ أيام حتى نجحت القوات في استعادة ميناء «الحيمة» الذي ظل في قبضة الحوثي منذ عام 2015.

ولأول مرة تقومُ القوات الإماراتية بتنفيذ عملية نوعية عن طريق البحر سُميت باسم «الرعد الأحمر»، حيث أغارت القوات البرمائية على مديرية الفازة التابعة لمحافظة الحديدة، ونتج عن هذه الغارة تدمير مركز قيادة الحوثي، قبل أن تسيطر عليها لاحقًا هي ومديريات أخرى مثل التحيتا والزبيد بنفس تكتيك المفاجأة. تجدر الإشارة إلى أن محافظة الحديدة تتكون من 26 مديرية، تُسيطر  القوات المدعومة إماراتيًّا منها على مديريتي الخُوخة وحَيْس قبل بدء العمليات الأخيرة.

عاد لينتقم.. ابن شقيق صالح يظهر مجددًا على رأس «جيش» مجهز برعاية إماراتية

مفاجأة أخرى شهدتها الساعات الماضية، فقوات المقاومة اليمنية مدعومة بطيران التحالف سيطرت على معظم أرجاء مديرية الدريهمي، كما سيطرت على منطقة وقلعة الطائف الساحلية، وضمتها وبذلك تُصبح القوات على بُعد نحو 18 كيلومترًا من مطار الحديدة، ونحو 25 كيلومترًا من ميناء الحديدة، و20 كيلومترًا من مركز المحافظة.

المثيرُ أنّ الحوثيين الذين يُسيطرون منذ عام 2015 على 10 محافظات كاملة وهي: (العاصمة صنعاء وعَمْران و ذَمار ورَيْمة وإب والمَحْويت والحديدة والبيضاء وصعده وحَجَّة) انهارت دفاعاتهم سريعًا في ثلاثة أسابيع في المحافظة التي لطالما استعصت على السقوط لأسباب جغرافية وعسكرية، لكنّ ما حدث أنّ المليشيات الحوثية فرت من جبهات القتال، تاركة خلفها عشرات القتلى والآليات العسكرية المحترقة، وكميات كبيرة من الألغام والأسلحة والذخائر بالإضافة إلى مخازن السلاح التي تُركت هدية ثمينة للقوات.

هزيمة كهذه في تلك المحافظة الاستراتيجية دفعت عبد الملك الحوثي إلى مخاطبة أنصاره عبر خطاب متلفز أقر بهزيمة قواته، ودعاهم للثبات لأنها -بوصفه- أهم نقطة لإفشال تكتيك العدو بحسبه، ورغم أنه يعتبر أنّ المعركة الحالية واضح فيها الدور الأمريكي، إلا أنه يقول: «العدو يستطيع أن يفتح معركة في الحديدة، لكن يستحيل عليه أن يحسمها». مشيرًا إلى أن «اختراقات في الخط الساحلي قابلة للاحتواء والسيطرة عليها».

الأهمية الاستراتيجية لمحافظة الحديدة.. طوق نجاة الحوثيين

رغم الأهمية السياسية التي تحتلها العاصمة صنعاء، والتي أكسبت بُعدًا آخرًا للحرب منذ سيطر عليها الحوثيون أواخر عام 2014، إلا أنّ محافظة الحديدة الساحلية تتمتع بمزايا استراتيجية جعلتها محور الحرب الحالية، فهي رقعة جغرافية كبيرة على ساحل البحر الأحمر، وتبعد عن صنعاء مسافة 226 كيلو مترًا، وتضم ثاني أكبر ميناء يمني، وهو السبب الرئيس لقصة الحرب الدائرة حاليًا.

إطلالتها على البحر الأحمر جعلتها تفرض استراتيجيتها على الملاحة البحرية في باب المندب وقناة السويس كما أنها تستطيع عرقلة الحركة البحرية من خلال زرع الألغام البحرية وقصف السفن واستهدافها، وأحد أكبر الأسباب التي جعلت التحالف العربي يُعجّل بالسيطرة على المحافظة، هو قيام الحوثيين الشهر الماضي باحتجاز 19 سفينة نفطية، وبعدما حذرت القوات البحرية التابعة للحوثيين سُفن التحالف العربي من اختراق مياه اليمن الإقليمية دون إذن سابق، نفذت تهديدها أوائل العام الماضي، واستهدفت فرقاطة سعودية تقوم بمراقبة الميناء عبر ثلاثة زوارق انتحارية، الحوثيون أيضًا قاموا باستهداف سفن حربية إماراتية وسعودبة بصواريخ مضادة للسفن، ردًّا على الضربات الجوية على المحافظة.

ورغم خسائر التحالف، إلا أنه لم يقدم حتى الآن على استهداف الميناء بسبب تحذير من الأمم المتحدة من غلقه أو تفجيره، خوفًا من تفاقم الأزمة الإنسانية التي تشهدها اليمن، وتخفف من حدتها المساعدات الإنسانية التي تدخل 70% منها حاليًا عبر الميناء الوحيد، على جانب آخر فالميناء يمثل  أكبر الفوائد الاستراتيجية للميناء، هي الأموال التي تحصل عليها جماعة الحوثي من عمليات الشحن والتفريغ لدعم اقتصاد حربها، إضافة لكونه معبرًا هامًّا لدخول الأسلحة الإيرانية إلى الداخل المُهربة عبر البحر والمتراكمة في مخازن سرية في جبال المحافظة.

المحافظة أيضًا تحتوي على مطار الحديدة، أهم المطارات اليمنية ويحوي طائرات عسكرية ومدنية، فيما ينتشر في أرجاء المدينة عدد من المعسكرات والألوية ومنها دفاع جوي ودفاع ساحلي وقوات بحرية، كل تلك الأهمية جعلت الحوثيين يطالبون بضم الحديدة إلى إقليمهم في نطاق تقسيم اليمن إلى أقاليم فيدرالية.

لذا يرى خبراء عسكريون أن إنهاء الوجود الحوثي في اليمن لا يبدأ من صنعاء، إنما يبدأ أولا بتحرير المدينة الساحلية، وخنق جماعة الحوثي في المساحات البرية والجبلية وقطع الإمدادات عنهم، لأن كل الوقود والمواد التموينية التي تصل للعاصمة تأتي من الميناء.

«الحُدَيدة» لن تسقط بسهولة.. تجربة العام الماضي تقول ذلك

محاولات السيطرة على المدينة ليست وليدة الشهر الجاري، فالفكرة حاضرة على طاولة المناقشات منذ أبريل (نيسان) العام الماضي، ورغم الجمود العسكري الذي كان السمة الغالبة للقوات منذ بدء عاصفة الحزم 2015، إلا أنّ التركيز تكثف على السيطرة على المدن الساحلية أولًا، ومنها الحديدة التي ظل التحالف العربي يُحضر لها ثلاثة أشهر كاملة أوائل العام الماضي، إلا أن المحاولات فشلت العام الماضي لأسباب ديموغرافية وعسكرية.

Embed from Getty Images

ورغم الانتصارات التي حققتها القوات اليمنية في مدة قصيرة إلا أن المصاعب ما تزال تواجه قوات التحالف العربي رغم العمليات التي تُجرى حاليًا بإسناد بري وبحري وجوي؛ فطول الأراضي الصحراوية الممتدة على امتداد المحافظة سبب رئيس لتباعد سيطرة جيش التحالف المتمركز في مناطق بعيدة نسبيًّا عن المحافظة في كل من المخا وتعز وميدي.

المساحات الشاسعة أفشلت أيضًا سيناريو العام الماضي الذي تمثل في هجوم متعدد الأطرف من الشمال والجنوب، قبل أن تتراجع عنه القوات التي وجدت أن تلك الخُطة تُطيل الحرب وتستزف التحالف، إضافة إلى أنها توقعها في المساءلة أمام الأمم المتحدة نظرًا لأن المدينة تكتظ بـ 2 مليون نسمة، وهو ما سيزيد المعاناة الإنسانية القائمة.

جغرافية الساحل نفسها، إضافة للألغام البحرية الممتدة على طول الشريط الغربي، إضافة لتحذير الأمم المتحدة من الهجوم على الميناء، كل تلك العوامل تجعل الطريق الوحيد للسيطرة على الميناء هو الهجوم البري، ورغم أن القوات حاليًّا على بُعد 25 كيلومترًا إلا أنّ الحرب لن تنتهي بسهولة كما بدأت، فلا يزال أمام التحالف نحو 20 مديرية ما زالت في قبضة الحوثيين.

كيف ستتغير خريطة الحرب بسقوط الحديدة؟

على غير المتوقع.. حزب الإصلاح اليمني أيّد تحركات طارق صالح

رغم أنّ التحالف العربي الذي يقف على مشارف العاصمة صنعاء منذ عام 2016 كان يرفض دخول المدينة أو حتى مد المقاومة الشعبية بالسلاح، إلا أنه خلال العملية الجارية كان بإمكانه أن يشن قتالًا منفردًا لتحرير المحافظة، لكنه اختار إسنادها إلى العميد طارق صالح في إشارة واضحة للدور الذي ينتظر نجل شقيق الرئيس اليمني في حال سقطت الحديدة.

هناك عدة سيناريوهات متوقعة للحرب فيما إذا سقطت الحديدة؛ السيناريو الأول أن تتقهقر جماعة الحوثي نحو العاصمة صنعاء والتي ستسقط تدريجيًا، وهو ما سيترتب عليه فقدان جماعة الحوثي حضورها السياسي في المشهد اليمني للأبد بعدما أجبروا خصومهم على الجلوس معهم على طاولة المفاوضات، وسبق للحكومة اليمنية أن حددت خمسة شروط للدخول في مفاوضات مباشرة مع الحوثيين، أبرزها وقف إطلاق الصواريخ، والسماح لفرق الإغاثة بالوصول إلى المواطنين، دون اعتراضها، السعودية أيضًا بحسب ما كشفته وكالة «رويترز»، دخلت مفاوضات سرية مع الحوثيين في الرياض لإنهاء الحرب، كل تلك المكاسب ستتبخر للأبد على الأرجح.

الانتصارات التي ستحرزها قوات طارق صالح ستعيده بقوة إلى المشهد، وإذا حدثت السيطرة على الحديدة، سيعود إلى الشارع اليمني باعتباره الواجهة الأبرز لتولي المشهد بديلًا عن الرئيس هادي المقيم في السعودية منذ عام ونصف. انتصار جديد على وشك الفوز به بعد انتهاء الحرب، فحزب المؤتمر يشهد انقسامات يسعى من خلالها  إلى دفع آل صالح لرئاسة الحزب، وهو ما سيجعله عدوًا مباشرًا لحزب الإصلاح اليمني الذي سيُصبح الخصم البديل للحوثيين.

المعادلة الجديدة ليست في صالح «الإصلاح» تمامًا، فكل السيناريوهات كانت في صالحهم؛ فهم يسيطرون على مناصب هامة في الحكومة اليمنية التي تعتبرهم جزءًا من السُلطة، كما أنهم كانوا  -قبل حضور طارق صالح- آخر حلفاء هادي وأقوى خصومه، ففي حال انتهت الحرب أو ظلت قائمه فلا زالوا محافظين على ترتيبم ومكتسباتهم، وعلى غير المتوقع أيّد الحزب العملية العسكرية في الحديدة لكنه قيدها بأن تكون لصالح شرعية هادي، والسطور تحمل دلالة واضحة؛ وحتى الآن لا يُمكن معرفة موعد الصدام القادم مع الإصلاح الذي سيكون الخصم القادم للتحالف لا محالة.