تواجه الولايات المتحدة الآن مشكلةً من «الحجم الثقيل»، اسمها «مبادرة الحزام والطريق (BRI)» والتي تعرف أيضًا باسم «طريق الحرير الجديد»، وهي خطة شاملة طموحة تسير عليها الصين لإعادة توازن القوى في العالم.

كيف تأكل فيلًا؟ سواء كنتَ عضوًا في «القوات الخاصة الأمريكية»، أو رائد أعمال تسعى لتحقيق حلمٍ طَموح أو تواجه معضلة معقدة، أو صانع قرارٍ تحاصركَ المشكلات الإقليمية والدولية من كل جانب، أو حتى شخصًا عاديًا يكبلك الخوف ويجمّدك القلق في مواجهة تحدٍ كبير تخشى مواجهته؛ سيصحبكَ ناصحوك من الجنرالات العسكريين وخبراء الاقتصاد ومستشاري السياسة وعلماء النفس لزيارة ديزموند توتو، كبير أساقفة جنوب أفريقيا السابق الحائز على جائزة نوبل للسلام، ليمنحك خلاصة حكمته: «لا توجد سوى طريقة واحدة لالتهام الفيل؛ قضمة واحدة في كل مرة».  

مهما كانت أهدافك كبيرة أو مشكلاتك كاسحة، يخبرك كل هؤلاء الخبراء من مختلف التخصصات أن بإمكانك إحراز تقدُّم إذا جزَّأتَ غاياتك الكبرى إلى أهداف مرحلية صغرى، وتعاملتَ معها بالتدريج. هذا سيمنحك الفرصة لالتقاط الأنفاس، والاستمتاع بالإنجاز، أما إذا حاولتَ التهام الفيل كله في قضمةٍ واحدة، فستختنق غالبًا قبل أن تنتهي من خرطومه. 

استراتيجية «التهام الفيل» لا تصلح لمواجهة «التنين الصيني»

تواجه الولايات المتحدة الآن مشكلةً من هذا «الحجم الثقيل»، اسمها «مبادرة الحزام والطريق (BRI)» والتي تعرف أيضًا باسم «طريق الحرير الجديد»، وهي ليست فقط أكثر جهود الاستثمار الصينية طموحًا على مدار التاريخ، بل أيضًا خطة شاملة لإعادة توازن القوى في العالم. 

تعالوا أولًا نحدد حجم الفيل: خطة شاملة تغطي العديد من المشاريع الاستثمارية بهدف تعزيز تدفق السلع والاستثمارات والأفراد، وتمزج بين مشروعات جديدة وقديمة، وتغطي نطاقًا جغرافيًا مترامي الأطراف، وتستهدف تطوّر البنية التحتية الصلبة (مثل: النقل والمياه والاتصالات) والبنية التحتية الناعمة (مثل: البنية الاجتماعية والثقافية والرياضية). 

 

تفتح المبادرة أبوابها لجميع الدول الراغبة في المشاركة، لكنها تمتد حاليًا إلى 65 دولة (أو 71 اقتصادًا بما في ذلك الصين وفق بيانات «البنك الدولي» الصادرة بتاريخ مارس (آذار) 2018) يبلغ إجمالي ناتجها المحلي مجتمعة 23 تريليون دولار، ويبلغ إجمال تعداد سكانها حوالي 4.4 مليار شخص، أي أن «طريق الحرير الجديد» يبني جسرًا بين الصين و62% من سكان العالم. (طالع الخريطة التفاعلية)

بلغ حجم التجارة بين الصين والدول التي تشملها المبادرة ثلاثة تريليونات دولار ما بين عامي 2014 و2016، وتبلغ تكلفة احتياجيات البنية التحتية في المناطق النامية من آسيا والمحيط الهادئ بحلول عام 2030 نحو 26 تريليون دولار، تعهدت الصين بتوفير تريليون دولار منها. 

ثمة جانب مشرق في الجهود الصينية؛ ذلك أن بإمكان الولايات المتحدة توظيف مشاريع «طريق الحرير الجديد» لتمويل مبادرات البنية التحتية في آسيا الوسطى التي تخدم أيضًا مصالح الولايات المتحدة، حسبما ينصح جوناثان إ. هيلمان، مدير مشروع إعادة ربط آسيا في «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية». لكن حين يحتدم الصراع وتدق ساعة المواجهة، حتى الحكيم ديزموند توتو نفسه لم يكن لينصح الولايات المتحدة بتجربة استراتيجية «الفيل» لمواجهة «التنين الصيني»؛ وبالتالي كان على واشنطن التفتيش عن استراتيجية أخرى.

رأس الحربة الأمريكية ضد «طريق الحرير الجديد»

في المقابل تحاول إدارة ترامب مواجهة «طريق الحرير الجديد» بـ«قانون الاستخدام الأفضل للاستثمارات المؤدية إلى التنمية (BUILD)»، الذي يحظى بدعم الحزبين الديمقراطي والجمهوري في الكونجرس. 

يدمج القانون «مؤسسة الاستثمار الخاص وراء البحار (OPIC)»، وهي وكالة حكومية أمريكية لتمويل التنمية، مع مكونات «الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID)»، في وكالة منفصلة، هي «المؤسسة الأمريكية لتمويل التنمية الدولية (USIDFC)»، بمحفظة استثمارية قيمتها 60 مليار دولار.

يمنح القانون صلاحيات واسعة للمؤسسة الجديدة: (1) تقديم قروض أو ضمانات قروض (2) امتلاك حقوق ملكية أو مصالح مالية في كيانات باعتبارها مستثمر أقلية (3) توفير التأمين أو إعادة التأمين لكيانات القطاع الخاص والكيانات السيادية المؤهلة (4) تقديم المساعدة الفنية (5) إدارة المشاريع الخاصة (6) إنشاء صناديق مؤسسة (7) إصدار الالتزامات (8) فرض رسوم خدمة. بينما لا يجوز للمؤسسة تقديم المساعدة إلى: (1) بلد دعمت حكومته مرارًا أعمال الإرهاب الدولي، أو (2) كيان من القطاع الخاص متورط في ممارسات احتكارية.

على غرار خطة مارشال، التي استَخدَمت في أعقاب الحرب العالمية الثانية معونة اقتصادية سخية لمحاربة جاذبية الشيوعية السوفيتية في أوروبا الغربية، تهدف «مؤسسة تمويل التنمية الدولية» إلى مساعدة واشنطن في كبح جماح «طريق الحرير الجديد». بيدَ أن الوكالة الجديدة ستبدأ عملها بنقطة ضعفٍ كبرى، هي: تواضع التمويل. فبينما لا يتعدى رأس مال المؤسسة الأمريكية 60 مليار دولار، تتكئ المبادرة الصينية إلى جبل من المال قوامه تريليون دولار. ويكفي لتوضيح الفارق معرفة أن قيمة الالتزامات النقدية التي تعهدت بها الصين لباكستان وحدها أكبر من ميزانية مؤسسة «USIDFC» بالكامل.

الحرب الاقتصادية الأعنف.. الصين لن تخسر بحظر شركة «هواوي» لهذا السبب!

«استراتيجية الجودو».. توظيف قوة الخصم ضده

في ظل هذا التفاوت التمويليّ، من الواضح أن الولايات المتحدة ستجد صعوبة في مجاراة الصين، ناهيك عن هزيمتها في سباق الاستثمارات؛ ما يطرح سؤالًا هامًا عن ماهية الاستراتيجية التي يجب على واشنطن اتباعها لمواجهة نفوذ بكين المتنامي. 

الإجابة التي اقترحها إيثان كابشتاين وجاكوب شابيرو عبر دورية «فورين بوليسي» هي: استخدام نسخة مما يسميه بعض الاقتصاديين «استراتيجية الجودو»، وهي ليست اختراعًا جديدًا، بل أسلوبًا قائمًا منذ عقود، وما زالت الشركات الذكية توظف تكتيكاتها القيمة لمواجهة خصومها الأكثر قوة في عالم الصناعة، وتتلخص فكرتها الرئيسية في «استخدام المهارة لهزيمة الحجم».

هذه الاستراتيجية مستمدة من مبادئ الجودو، وهي فنون قتالية يابانية، ويمكن تتبع جذورها إلى مصطلح «اقتصاديات الجودو» الذي صاغه الاقتصاديان جوديث جيلمان وستيفن سالوب لوصف استراتيجية إطلاق شركة في قطاع يهيمن عليه منافس كبير.

تعتمد «استراتيجية الجودو» على استخدام قوة المنافس- وهو «الحجم الأكبر» في حالة الصين- ضده. على سبيل المثال: يمكن لشركات البيع بالتجزئة الصغيرة أن تتفوق على السلاسل الأكبر، المثقلة بالبنية التحتية المكلفة، عن طريق بيع السلع بسعر أرخص عبر الإنترنت. أو يمكنها تقديم تجربة استهلاكية تستهدف احتياجات العميل الفردية، وهو ما تعجز عنه الشركات العاملة على نطاق أوسع.

تتكون «استراتيجية الجودو» من ثلاثة عناصر:

  • أولا؛ الحركة: الاستفادة من الحجم الأصغر للعمل بسرعة وتحييد مزايا المنافس الأكبر حجمًا.
  • ثانيًا؛ التوازن: استيعاب ومكافحة تحركات المنافسين. 
  • ثالثًا؛ الرافعة المالية: استخدام نقاط قوة المنافسين ضدهم. 

لكن قبل خوض المنافسة مع الصين، على الولايات المتحدة أن تدرس أهداف بكين التي غالبًا ما يُساء فهمها. ذلك أن «طريق الحرير الجديد» هي خطة محلية تهدف إلى معالجة نقاط الضعف الهيكلية في الاقتصاد الصيني، بقدر ما هي استراتيجية شاملة لتحقيق أهداف السياسة الخارجية. 

يرجع ذلك إلى أن مجموعة من العوامل الديموجرافية غير المواتية، والعداء الدولي المتزايد لسياساتها التجارية، وشبح ضعف الطلب المحلي، تمنع بكين من الاعتماد على العرض والطلب المحليين لحل مشاكلها الاقتصادية الحالية والمستقبلية. هنا يأتي دور «مبادرة الحزام والطريق»، باعتبارها محاولة لاستخدام احتياطيات الصين المالية الهائلة لفتح أسواق جديدة للسلع والخدمات والعمالة الصينية غير الماهرة.

هذا هو السبب وراء اشتراط الصين كثير من الأحيان أن يكون استخدام العمالة الصينية لبناء البنية التحتية التي تخدم المبادرة جزءًا من الصفقة. وبذلك فإن المستفيدين من الاستثمارات الصينية يمولون في الوقت ذاته جهود بكين لمعالجة مشاكلها الاقتصادية الداخلية. بالنظر إلى الأهداف الصينية من هذه الزاوية، يتضح أن «مبادرة الحزام والطريق» تكشف عن نقاط الضعف الصينية بقدر ما تعكس قوتها. وهذا هو السبب في أن الولايات المتحدة قد تجد «استراتيجية الجودو» نهجًا فعالًا للغاية.

«يا عزيزي كلهم لصوص».. ما وراء حرب واشنطن على الجهود الصينية

لكي تكلل «استراتيجية الجودو» الأمريكية بالنجاح في مواجهة العملاق الصيني، يجب أن تتكون من ثلاثة عناصر أساسية:

  • أولًا: الاستفادة من انتهاكات الصين لمعايير الإقراض الدولية ضدها.
  • ثانيًا: تسليط الضوء على الفساد الذي تنطوي عليه خطة طريق الحرير الجديد. 
  • ثالثًا: التوظيف المبتكر لموارد المؤسسة الأمريكية الجديدة لتحرير الدول الواقعة في براثن بكين المالية. 

حين تسلط الولايات المتحدة الضوء على الانتهاكات الصينية، فهذا لا يعني أن العم سام يدير «جمعية خيرية»، بل أن بكين تلجأ إلى هذه الممارسات بطريقة أكثر سفورًا مقارنة بنهج واشنطن التي تفضل أساليب «النصب الأكثر تأنقًا» على غرار «هوكر؛ المحتال الأمريكي العظيم».

حتى بين سطور النصائح التي قدمتها «فورين بوليسي» ينضح المكر الأمريكي؛ فالرشاوى المقدمة للنخب المحلية يمكن تسميتها «حوافز مالية»، وإن أحجمت واشنطن عن استخدام هذه الطريقة المشينة، فليس لأنها جريمة تستحق الشجب أخلاقيًا والملاحقة قانونيًا، ولكن لأنها «مناورة محفوفة بالمخاطر» يمكن أن تكتشفها وسائل الإعلام، ما سيتسبب في «ضرر لا يمكن إصلاحه لسمعة المؤسسة الوليدة». 

Embed from Getty Images

منتدى دعائي لخطة «طريق الحرير الجديد» في بكين

والسبب الأهم الذي أشار إليه الباحثان كابشتاين وشابيرو على استحياء، هو: أن التمويل الأمريكي المتواضع لن يستطيع مجاراة بحر المال الذي تغرف منه الصين. بكلمات أوضح: فلنفضحهم؛ إذا عجزنا عن مجاراتهم. وإن كانت شهادة واشنطن في قضية «المعايير الأخلاقية» مجروحة، خاصة في عهد «الرئيس المقاول» دونالد ترامب. 

يعتمد الجانب الأخير من «استراتيجية الجودو» على الأسواق المالية الأمريكية، التي يمكن استخدامها لتحرير الدول المستهدفة من قيود الإقراض الصارمة التي تفرضها الصين. تتقيد العديد من الدول، مثل باكستان وجزر المالديف، بجداول سداد وشيكة للقروض التي حددتها الصين، ولا ترغب الولايات المتحدة أن تلقى هذه الدول مصير سريلانكا التي اضطرت في ديسمبر (كانون الأول) 2017 إلى تسليم ميناء رئيسي إلى بكين تعويضًا عن عدم سدادها المستحقة.

ولأن أي دولة لا تستطيع مواجهة الصين بمفردها؛ سيكون أمام المؤسسة الأمريكية الجديدة فرصة للتدخل، والمساعدة في إعادة التفاوض بشأن الاتفاقيات، إما نيابة عن الدولة المدينة أو عن طريق شراء الدين ثم إعادة تمويله بشروط سداد أطول. وباستخدام رأس المال الأمريكي لدعم السداد المبكر لقروض المشاريع المستدامة الممولة بضمان خطة «طريق الحرير الجديد»؛ يمكن لـ«المؤسسة الأمريكية لتمويل التنمية الدولية» تخفيف قبضة بكين على شركاء الولايات المتحدة. 

هذا ما فعله المجتمع الدولي -بقيادة الولايات المتحدة- بديون أمريكا اللاتينية خلال الثمانينيات؛ حيث ابتكر أدوات مالية جديدة مثل «سندات برادي» (تيمُّنًا باسم صاحب الفكرة، وزير الخزانة الأمريكي السابق نيكولاس برادي). كان لواء الريادة حينذاك معقودًا لمؤسستين، هما: «سيتي كورب» في الولايات المتحدة و«بنك دويتشه» في أوروبا. وبينما تمسَّحَت المؤسستين في «الرؤية الخيرية بعيدة النظر، والاهتمام برفاهية العالم»، كان الهدف الحقيقي هو: الرغبة في «إثبات أن قوائمهما المالية أقوى من قوائم منافسيهما الأكثر ضعفًا». 

ولولا أن المكسيك هددت في أغسطس (آب) 1982 بالتوقف عن سداد ديونها، ثم تبعتها بلدان مقترضة أخرى كبيرة وأبرزها الأرجنتين والبرازيل؛ لما عرض برادي تقليل فوائد الديون وخصومًا سخية على القروض الأصلية. 

بيدَ أن تخليص شركاء واشنطن من قيود الإقراض الصينية، قد يعني تحريرها من أسر بكين بهدف استعبادها في فلك الأمريكيين والأوروبيين، الذين لم يكونوا ليجربوا «خلطة برادي» في أمريكا اللاتينية بعد فشل خطة وزير خزانة الولايات المتحدة جيمس بيكر، إلا لو كان هذا النهج سيجلب لهم نفعًا كبيرًا أو سيدفع عنهم ضررًا وشيكًا. 

والخطر الذي كان القوم يفرون منه في ذلك الحين هو «عدوى التخلف عن سداد الديون» التي لو كانت انتشرت أكثر؛ لأدت إلى «انهيار النظام المصرفي في كل البلدان الصناعية الكبرى، ودفعت العالم بالكامل إلى أزمة مالية» أشبه بأزمة الكساد الكبير التي حدثت في ثلاثينيات القرن العشرين.

مترجم: قوتها تتمدد في أمريكا اللاتينية.. هكذا تسعى الصين إلى نهب ثروات فنزويلا

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد