شكل حضور المرأة السودانية في الصفوف الأمامية للاحتجاجات الشعبية، والتي أدت لسقوط حُكم الرئيس السابق عُمر البشير، علامة بارزة في تاريخهن النضالي الطويل، خصوصًا مع امتداد هذا الاحتجاج تجاه سياسات المجلس العسكري الحاكم وقوات «الدعم السريع»، واللذان مارسا تجاههن كافة وسائل الانتهاكات.

صمدت «كنداكات» السودان، وهو الاسم التي تسمى به المرأة السودانية، وتعني «الملكة» في اللغة النوبية، أمام هذه الانتهاكات، وتباينت طرق كُل واحدة منهن في التعافي منها، وظلت حاضرة دومًا في خط المواجهة، بصوت ثائر، وهتاف بالحرية تقطعها الزغاريد دومًا.

قمع السلطات لا يميز بين رجل وامرأة

مع اندلاع التظاهرات المُناهضة لاستمرار حُكم البشير، لعبت النساء دورًا بارزًا في الاحتجاجات عبر النزول لميادين الاحتجاج على مدار شهور طويلة، وقيامها بمهام لوجستية داعمة للمتظاهرين في الميادين. هذه الأدوار قابلتها قوات الأمن بمزيد من العنف، الذي تنوعت صوره بين التحرش الجنسي بالمشاركات، أو ارتكاب أعمال عنف جسدي بحقهن، كمحاولات لتخويفهن، ودفعهن للتراجع عن التظاهر.

واحدة من هؤلاء سمر السماني، وهي عضوة في «تجمع نقابة المهندسين»، أحد مُكونات تجمع المهنيين، والتي شاركت منذ بداية المظاهرات طيلة الأربعة أشهر، وقبلها أيضًا كناشطة سياسية، كمُشاركة في تنظيم الفاعليات السياسية المناهضة لحُكم البشير. تستعيد سمر بعض مشاهد حضور المرأة السودانية في ميادين الاحتجاج، وتقول: «مشاركة النساء في الثورة تمت بصورة فعالة وأعدادهن كانت كبيرة».

تعرضت سمر خلال مُشاركتها في التظاهرات لاعتداءات جسدية كحال المئات غيرها وفقًا لها، وهو ما تُرجعه إلى «الحضور الكبير للمرأة في ميادين الاحتجاج،  الذي كان الدافع الرئيس وراء هذا العنف الجسدي والانتهاكات غر المسبوقة». وتروي بعض هذه الوقائع: «كُل هذا دفع بعض قوات الأمن إلى لتحرش بالمتظاهرات جسديًا وجنسيًا لإثنائهن عن المشاركة في المظاهرات التي عمت السودان بطوله وعرضه، لكن النساء أثبتن بسالة منقطعة النظير للدرجة التي دفعت رئيس جهاز الأمن السابق صلاح عبد الله قوش لاتهام فتاة متظاهرة بقتل أحد المتظاهرين، وكان يرمي بذلك لتوفير غطاء لقواته لقمع المتظاهرات».

كانت واحدة من المواقف التي تعرضت لها سمر هي الاعتداء الجسدي خلال اشتراكها في وقفة احتجاجية صامتة للمهندسين، وتقول: «تم الاعتداء علينا بالضرب المبرح (والإهانات اللفظية) بوصم المتظاهرات «بالعاهرات»، وصعقهن بالكهرباء، و الاعتقالات الواسعة؛ مما دفع المتظاهرات بعد ذلك للتسلق على أسوار المباني المجاورة.

تروي سمر موقفًا آخر يعود للخامس من يونيو (حزيران) حين وجدت صبيًا (14 عام) رافضًا لتعليمات الأمن بفك أحد المتاريس التي تغلق أحد الشوارع تخوفًا من اقتحامه من جانب قوات «الدعم السريع»؛ ليتحرك تجاهه عدد من أفراد «الدعم السريع» ويعاقبونه». وتضيف في وصف الموقف: «كان عقابه بكسر يده، وحلق شعره، قبل أن يطرحوه بالقوة أرضًا مضرجًا بدمائه، وحين أتيت لإسعافه كسروا زجاج سيارتي، وطلبوا مني إلقاءه أرضًا، وحين رفضت أحرقوا شعري بالقداحة».

كانت آثار تعرض سمر لهذه الواقعة «ثقيلًا» عليها، تتذكر وقائع هذه الحادثة: «عشت لعدة أيام لا استطيع النوم لإحساسي بالقهر وقلة الحيلة بعد فض الاعتصام بالوحشية والهمجية التي استخدمها المجلس الانقلابي». وتُضيف: «حاولوا تخويفنا وترهيبنا بالاعتداء الجسدي على بعض المتظاهرات، واغتصابهن لترك وصمة عار لديهن، ولتخويف الأهالي من خروج حواء في التظاهرات للمطالبه بحق مشروع، لكن ذلك لم يزدنا إلا إصرارًا على التغيير».

«على خطى السيسي».. هل يكون ياسر عطا «فرس الرهان الرابح» لعسكر السودان؟

الخميرة والخل.. سلاح المرأة السودانية لمواجهة القمع

آمال بكير، شاركت هي الأخرى في التظاهرات، سواء كمنسقة لها بوصفها عضوة بـ«تحالف قوى الحرية والتغيير» قبل انطلاقها، أو كمُشاركة في الميادين بعد انطلاقها. كان استمرار انقطاع الإنترنت في الخرطوم وبقية المدن السودانية دافعًا لآمال إلى الذهاب لأحد المكاتب التي أتاحت خدمة الإنترنت بوسائل متطورة؛ في محاولة للتواصل مع «ساسة بوست» عبر أحد برامج الاتصال الحديث، لسرد وقائع الانتهاكات المتباينة التي تعرضت لها.

وتوضح آمال: «بلغت ذروة عنف النظام ضد المتظاهرات في مدن السودان المختلفة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي بضربهن بالهراوات، والتحرش الجنسي عند اعتقالهن، وإلقاء عبوات الغاز المسيل للدموع لمنعهن من الخروج في المظاهرات. وعند فض الاعتصام تم اغتصاب 52 امرأة، كما أكد (مركز الأحفاد للعلاج النفسي) علاج تلك الحالات». لكنها تستدرك: «كانت المفاجأة أن (نساء السودان) أصبحن أكثر عزمًا وإصرارًا على اقتلاع النظام، وتحدي قواته القمعية بالخروج في أعداد مهولة رجحت كفة المحتجين إلى أن سقط النظام».

واحدة من هذه الانتهاكات التي تعرضت لها آمال كانت حين خرجت في تظاهرة في يوم 25 ديسمبر (كانون الثاني) 2018، وهتفت بشعارات «الحرية سلام وعدالة.. والثوره خيار الشعب»؛ لتكتشف أربعة أفراد من «قوة مُكافحة الشغب»، تُحيط بصديقة لها ويضربونها «بالهراوات»، لتطلب منهم التوقف، فما كان منهم إلا أن قابلوها بالضرب والتنكيل وهم يضحكون ويهزأون حتى سقطت على الأرض، لتشكل تلك الحادثة علامة فارقة زادتها عزمًَا على إسقاط النظام واسترداد حرية الوطن وكرامته.

تظاهرات سودانية ضد حكم المجلس العسكري

أمام هذا الكم من الانتهاكات سعت المرأة السودانية للصمود بابتكار طرق تساعدهن على مواجهتها. فشكلت الخميرة والمشروبات الغازية وسائل المقاومة الأولى للمرأة السودانية لمواجهة الغاز المسيل للدموع الذي يطلقه قوات الأمن على التظاهرات المناهضة، كما تؤكد سمر التي تضيف: «كانت (المتظاهرات) ترتدين أيضًا أحذية وملابس تساعدهن في الجرى عند محاصرتهن من قبل قوات الأمن. والأهم من ذلك كله هو أن أنجع وسيلة كان إصرارهن على الانتصار والتأكد من أن الحقوق تنتزع ولا تعطى».

تشترك آمال مع سمر في اللجوء للخميرة والخل، خاصة أنها مريضة ربو وحساسية لا تستطيع تحمل الغاز المسيل للدموع،  وتُضيف: «عند رمينا بالغاز المسيل للدموع، وحين كدت أفقد الوعي أعطاني أحد المتظاهرين أغصان شجر النيم، وكمامه خل للوقايه من الغاز، ومن ذلك اليوم وأنا أحمل معي كمامات مبللة بالخل، وبخاخات بها خميرة مذابة في الماء». كانت آمال بالاشتراك مع مئات المتظاهرات يشتركن في جمع التبرعات المالية، من أجل شراء مستلزمات طبية، إلى جانب توفير الطعام لآلاف المعتصميين في ميدان القيادة العامة، كما تقول آمال.

هكذا سعى نظام البشير إلى «تنميط» المرأة السودانية

في رأي مراقبين أن نظام البشير قد حاول تنميط صورة المرأة في هيئة مُحددة تلتزم بمُحددات وضوابط تتمثل في إلزام المرأة بارتداء الحجاب واتباع قواعد لباس صارمة، مع الحد من مشاركتها في الشأن العام، وحصرها في المجال الخاص ومجال الأسرة، وذلك خلال سنوات البشير الأولى، مع مُعاقبة كُل من يخالف ذلك، وفقًا لقانون العقوبات السوداني.

وتقول منظمات سودانية غير حكومية إن ما لا يقل عن 15 ألف امرأة حوكمن بالجلد في عام 2016 من قبل أجهزة البشير. بينما تقول سمر، الناشطة السودانية، لـ«ساسة بوست»: إنه «منذ مجيء الديكتاتور عمر البشير إلى السلطة في 30 يونيو (حزيران) 1989 حاول إذلال المرأة في كافة أنحاء السودان، مستعينًا في ذلك بقانون النظام العام ومواده الفضفاضة للنيل منهن».

وتشرح ذلك قائلة: «على سبيل المثال، تم اغتضاب النساء في مناطق النزاع، من دارفور مرورًا بجبال النوبة (ولاية جنوب كردفان) والنيل الأزرق. وفي وسط السودان تم تطبيق قانون النظام العام في 1996، وفي عام 2009، وبحسب إحصاءات شرطة النظام العام، تم تقييد ما يربو على 50 ألف بلاغ بتهمة الزى الفاضح ضد نساء في ولاية الخرطوم وحدها».

غير أنه في السنوات الأخيرة من حُكم البشير أُضفيت بعض التعديلات على هذه الصورة التقليدية للمرأة السودانية مع زواج البشير من زوجته الثانية وداد با بكر، والتي نشط ظهورها في السنوات الأخيرة من خلال حضورها مؤتمرات داعمة لحقوق المرأة، ومرافقة البشير في الاحتفالات الوطنية والزيارات الخارجية، فضلًا عن إطلاقها عشرات الحملات التي تنوعت أهدافها بين تقديم الدعم لمنكوبي حرب دارفور، وحماية الآثار السودانية.

كما ترأست زداد بابكر «منظمة المرأة العربية»، وهي مؤسسة تتبع «جامعة الدول العربية»، في الفترة بين 2013 و2015، وأسست منظمات خيرية لمكافحة الفقر داخل بلادها، مثل مؤسسة «سند». وكان آخر ظهور إعلامي لوداد بابكر في التاسع من مارس (آذار) خلال حضورها الاحتفال بـ«اليوم العالمي للمرأة» داخل إحدى قاعات الصداقة (مُجمع يستضيف مؤتمرات حكومية) في الخرطوم، إذ أكدت في الكلمة الرئيسة لها على دور البشير في مكافحة مرض الإيدز عبر إطلاقه حملات متنوعة، ورعايته المستمرة لكافة الجهود المبذولة لمواجهة هذا المرض، عبر تقديم المساعدة للمرضى.

كان ظهور زوجة البشير الثانية في المُناسبات العامة خلافًا لزوجته الأولى مؤشرًا هامًا على سعى النظام السوداني لإظهار إعطائه المرأة بعض الحرية من القيود على حركتها؛ طالما ظلت في المساحة الآمنة. كانت هذه المساحة الآمنة التي حدد البشير معاييرها تشمل السماح للمرأة بالظهور في المناسبات العامة، مُلزمًا كذلك وداد ومن معها من النساء بارتداء الحجاب. بينما من تحاول مخالفة هذه الضوابط كان مصيره السجن أو الجلد، كحال الناشطة الحقوقية السودانية ويني عمر، التي داهمت الشرطة منزلها قبل عام، بعدما نشطت مهامها السياسية، مع مُطالباتها الدائمة بحقوق الإنسان.

كيف تسبب فض الاعتصام في خسارة عسكر السودان مظلة حلفائهم الإقليميين؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد