يمكن للصدمات أن تحدث في أي مرحلة من مراحل الحياة، ويزداد تأثيرها خلال مرحلتي الطفولة والمراهقة؛ حينما يكون الدماغ في طور النمو. إلا أن هذه الصدمات يمكن أن يكون لها آثار طويلة الأجل، والتسبب في أمراض الاكتئاب والضغط والسمنة وأمراض القلب المختلفة.

وقد يتسبب العجز عن التعامل معها، وفهم التغيرات العضوية والنفسية لها في آثار على المستوى المهني والاجتماعي وغيره على المدى القريب والبعيد.

ابتهج.. الأمر ليس إلا في عقلك!

قد لا ندري ما يحدث، أو يتفهم الآخرون ماهية التغيرات الواقعة. وقد يمزح بعضهم الآخر قائلين: ابتهج، الأمر ليس إلا في عقلك!

والحقيقة أنهم محقون تمامًا، الأمر بالفعل يقع تفسيره داخل الدماغ. وبينما يجد البعض صعوبة في شرح معاناتهم للآخرين، فضلًا عن معرفة أسبابها. قد يساعدك الأمر، وكذلك المحيطين بك إذا كنت تمر أو أحد من معارفك بحدث أليم في فهم بعض التغيرات المخية التي تحدث في أدمغة هؤلاء، وتقديم الدعم اللازم لهم.

اختلفت الأسباب والصدمة واحدة

ترجع حساسية المخ للصدمات النفسية إلى أن المكونات العصبية للدماغ تكون أكثر هشاشة. فيمكن لهذه الصدمات أن تتسبب في حدوث آثار طويلة الأجل تبدأ في مرحلة الطفولة، لكن يستمر تأثيرها في التراكيب العصبية بأدمغة الكبار؛ مما يؤدي إلى تشويه معرفي، وظهور أعراض لبعض الأمراض النفسية.

فالصدمات النفسية شائعة بين الشباب، ولها آثار طويلة الأجل. فقد ذكرت دراسة بحثية أجريت سنة 2012تعرض أكثر من 68% من الشباب لصدمة أو حدث أليم بحلولهم سن ست عشرة سنة. وأضافت الدراسة أن أكثر من 20% من هؤلاء الأطفال عانوا لاحقًا من مشاكل دراسية، ونفسية، بجانب إصابتهم بعدد من الأمراض الجسدية.

الألم النفسي يتساوى في تأثيره على الدماغ مع الألم الجسدي

مسكنات الألم الاعتيادية قد لا تخفف آلامك الجسدية وحسب؛ بل قد تفلح في تخفيف حدة الآلام العاطفية أيضًا. وهذا ما كشفته دراسة أجرتها جامعة كنتاكي « Kentucky» على مجموعة من الناس ممن تعرضوا للرفض والنبذ الاجتماعي خلال زمن قريب. اختبرت الدراسة تناول مجموعة مختارة عشوائيًّا لعقار أسيتامينوفين acetaminophen»» -وهو أحد مسكنات الألم ومضادات الالتهاب ويعرف باسمه التجاري تايلينول «Tylenol»- في مقابل أخذ مجموعة أخرى لدواء وهمي «placebo» يوميًّا لمدة ثلاثة أسابيع.

أفادت المجموعة التي تناولت عقار «أسيتامينوفين» أن إحساسهم بالجرح النفسي قد قل خلال هذه الفترة. وأسفر فحص أدمغتهم عند نهاية مدة العلاج أن تناولهم للعقار قد قلل استجابتهم العصبية لشعورهم بالألم النفسي، وذلك في المناطق المخية المرتبطة عادة بالضيق الناجم عن الألم الاجتماعي، والجانب العاطفي المرتبط بالألم الجسدي.

ومن هذه المناطق بالمخ: الجزيرة الأمامية anterior insula»» المتعلقة بوظائف الوعي، والعواطف، والسيطرة الحركية، والتوازن والإدراك الذاتي. والقشرة الحزامية الأمامية «anterior cingulate cortex» والتي تلعب دورًا في مجموعة كبيرة من الوظائف اللاإرادية مثل: تنظيم ضغط الدم، ومعدل ضربات القلب.

وتؤكد هذه الدراسة على الارتباط والتداخل ما بين الاستجابات السلوكية والعصبية المرتبطة بالألم الحسي والبدني. وأن الدماغ يستخدم نظامًا واحدًا للكشف والشعور بالألم سواء كان عاطفيًّا أو جسديًّا.

الذكريات الأليمة قد تقف في طريق الذكريات الجديدة

قد يهرب الشخص من بعض الأماكن، أو يتجنب الاستماع لأغنية ما لأنها تثير لديه ذكريات مؤلمة. فعلى سبيل المثال ربما تشعر ضحية الاعتداء الجنسي بالرعب من مواقف السيارات لتعرضها للاغتصاب في مكان مشابه. أو قد لا يستطيع محارب قديم مشاهدة الأفلام العنيفة؛ لأنها تذكره بأيام الحرب.

ولكن هل تساءلت يومًا لم يشعر هؤلاء بذلك؟

تبرز أكبر الآثار العصبية الناتجة عن الصدمة في منطقة الحصين«hippocampus» . فهذه المنطقة من الدماغ هي المسئولة عن وظائف الذاكرة، وتسجيل ذكريات جديدة، واسترجاعها في وقتٍ لاحق عند وجود مؤثر مرتبط بها كمكان، أو أغنية معينة.

ويساعد الحصين أيضًا على التمييز بين الذكريات الماضية والحالية. إلا أنه يظهر لدى المرضى بـ«اضطراب ما بعد الصدمة» انخفاضٌ كبيرٌ في حجم الحصين. ولذلك قد لا يستطيعون التمييز ما بين الذكريات الماضية والحالية، خاصةً تلك التي تشبه ماضيهم المؤلم.

احذر! الإجهاد فيه سم قاتل

الإجهاد لا يتسبب في تقليل قدراتنا الإنتاجية وحسب؛ بل يؤدي إلى تغيير خصائص خلايا الدماغ، والذي من شأنه الإخلال بالعمليات المعرفية مثل: التعلم والذاكرة. ويؤدي الإجهاد المزمن إلى تلفه؛ فالزيادة في إفراز هرمون الإجهاد ««glucocorticoid يقتل الخلايا في الحصين.

«والارتفاع المستمر لهرمونات التوتر يتداخل مع قدرة الجسم على تنظيم ذاته. فتتصرف أجهزة الجسم كما لو أن عليها إعداد الفرد لخطر وشيك. ويتم إيقاف جميع العمليات الحيوية العقلية والجسدية غير الضرورية، ويضع الدماغ الجسم في وضع البقاء على قيد الحياة».

صدمات

فخلال هذا الوقت يزيد إنتاج الجهاز العصبي السمبثاوي «sympathetic nervous system» لهرمونات التوتر، ويعد الجسم للقتال، والفرار أو التجمد. وهذا الجهاز يختص بعددٍ من المهام مثل: التعرق عند زيادة درجة الحرارة، والتأثير على القلب والأوعية الدموية.

وتحت تأثير التوتر؛ يتم تنشيط الجهاز العصبي السمبثاوي بأكمله، ويبقى الجهاز في درجة عالية من النشاط؛ مما يؤدي إلى تعب الجسم، وعديد من أنظمته، وأبرزها «الكظرية».

حيث يقوم الجسم بإفراز كميات كبيرة من هرمون الأدرينالين «adrenaline»، وزيادة معدل ضربات القلب، لزيادة ضخ الدم لأجهزة الجسم الرئيسية، وإعدادها لمواجهة الخطر.

آلام الماضي تمنع الشعور بالسعادة في الحاضر والمستقبل

صدمات

قد لا ينزعج البعض فقط عند ورود ما يمكن أن يذكرهم بتجربة مؤلمة؛ بل قد يتسبب الأمر في شعورهم بضغطٍ وقلقٍ بالغٍ يجعل استمتاعهم بالحياة شبه منعدم.

فالأبحاث العلمية تشير إلى قلة استجابة الأفراد الذين عانوا من صدمات نفسية للأحداث الإيجابية، والشعور بالسعادة. في مقابل زيادة نشاط أدمغة هؤلاء الأفراد في الاستجابة للمشاعر السلبية، ولا سيما تلك المرتبطة بتجاربهم المؤلمة.

وقد أظهر هؤلاء المرضى علامات ذعر، وقلق، وضغط بالغ عند عرض صور أو روايات لضحايا حوادث أليمة تتطابق مع خبراتهم المضنية؛ أو عند الاستماع إلى أصوات أو كلمات ذات الصلة بهذه التجارب الصادمة.

«يميل المرضى بـ(اضطرابات ما بعد الصدمة) إلى إظهار الخوف والقلق والتوتر الشديد. وذلك حتى عند التعامل مع مثيرات ليست لها صلة أو ذات صلة ضعيفة بتجاربهم الماضية».

وترجع تلك الدراسات ذلك لانخفاض ملحوظ في حجم اللحاء أو قشرة الفص الجبهي «ventromedial prefrontal cortex»، وهي المنطقة المسئولة عن صنع القرار وتنظيم المشاعر، والاستجابات العاطفية التي أثارتها اللوزة المخية «amygdala» وهي المسؤولة عن تحديد التهديدات المتعلقة بالبقاء على قيد الحياة، بالإضافة إلى ربط الذكريات مع العواطف، والتعامل مع الخوف، والاستعداد للأحداث الطارئة.

الاكتشاف أول طريق العلاج

نظرًا إلى صعوبة اكتشاف التغيرات المخية الناتجة؛ فمن الضروري للمشتغلين بمجال الصحة العقلية فهم آثار الصدمات النفسية، والتعرف إلى الأعراض والمؤثرات. فرغم غياب الأعراض يمكن للصدمات النفسية أن يكون لها تأثير دائم على وظائف المخ.

الحركة ودعم الآخرين تعيد للجسم توازنه الطبيعي

تعطل الصدمات التوازن الطبيعي للجسم، وتجمده في حالة فرط تنبه وخوف. وتُفشل وظائف الجهاز العصبي. لذلك حرق الأدرينالين وإطلاق الإندورفينات «endorphins» التي تعمل كمسكنات طبيعية للآلام، وممارسة الرياضة، والحركة، والانخراط في الأنشطة الاجتماعية، والاهتمام بصحة الجسم يمكن أن يعزز عمل الجهاز العصبي، ويزيد قدرة الجسم على التعامل مع الصدمات ومثيرات التوتر.

عرض التعليقات
تحميل المزيد