تسببت سياسات هتلر النازية التوسعية في اندلاع الحرب العالمية الثانية، الحرب التي خلفت ما يقارب 60 مليون قتيل، ودمرت معظم دول أوروبا بشكل شبه كامل، لقد كانت إحدى أسوأ الحروب في تاريخ البشر بلا منازع.

في مايو 1945 خسرت ألمانيا الحرب ضد الحلفاء، وفقدت خلالها سبع ملايين من القتلى ما بين عسكريين ومدنيين وأسر 11 مليون من جنودها، فتم تقسيمها بين الغرب والاتحاد السوفياتي إلى شطرين بعد احتلالها، لتصير دولة محطمة تمامًا بدون مصانع ولا شباب ولا حكومة، غارقة في براثن الجوع واليأس والدمار ومكروهة من الكل.

كان ذلك هو وضع دولة هتلر في تلك الفترة، أما الآن فألمانيا هي خامس اقتصاد في العالم، تعج بالحياة والإبداع والأمن، استقبلت على مدار السنين الأخيرة مئات الآلاف من المهاجرين واللاجئين وجوعى العالم من كل أنحاء القارات، لقد صارت من بلد يصدر الموت والرعب إلى دولة ديموقراطية مسالمة للغاية، أبهرت العالم بقيمها ومبادئها الإنسانية.

بالطبع الكل يعرف كيف كانت ألمانيا وكيف صارت، وليس من أجل ذلك نكتب ما نكتبه الآن، لكن ما يهمنا في هذا الشأن، هو كيف انتقلت ألمانيا من الوضع الذي كانت فيه بعد الحرب العالمية الثانية إلى ألمانيا الجديدة التي نعرفها اليوم؟

قبل أن نجيب عن السؤال، تجدر بنا الإشارة إلى أن ألمانيا ليست وحدها المدمرة في تلك الفترة بسبب الحرب، فقد كانت اليابان وكوريا الجنوبية وفرنسا وبريطانيا وسائر بلدان أوروبا، كانت كذلك، وجميعها في الحقيقة مدينة في جزء من نهضتها للدولة الغنية الوحيدة حينها والأقل تضررًا من الحرب، الولايات المتحدة الأمريكية، وسيتبين ذلك مع مثال ألمانيا.

صحيفة الديلي تنشر نهاية الحرب مع ألمانيا في 7 مايو 1945


ليس من السهل رصد العوامل التي أدت ببلد ما إلى نهضته، إذ غالبًا ما تأتي هذه النقلة بسبب مجموعة من الظروف المحيطة والشروط السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتداخلة، وتتخللها الكثير من الانحدارات والمنعطفات، لكن سنحاول وضع الخطوط العريضة التي نشأ بينها تقدم ألمانيا.

الاقتصاد

عقب المحادثات في مصير ألمانيا بعد هزيمتها، طرح مشروع “مورجنتاو” لجعلها دولة زراعية بحتة، في محاولة لاتقاء خطرها، لكن الرئيس الأمريكي روزفلت رفض المشروع، بسبب إمكانية تغول ألمانيا من جديد بسبب كساد اقتصادها، كما حدث بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى.

كانت أمريكا ترى أن ألمانيا وسائر بلدان أوروبا التي كانت تسقط الواحدة تلو الأخرى تحت نفوذ الشيوعية السوفييتية خطرًا يهددها، فما كان لها من خيار سوى مساعدة أوروبا المدمرة لتنميتها، ومن ثم أقر وزير الخارجية الأمريكي “جورج مارشال” مشروعًا يعرف باسمه “مارشال” سنة 1947 لدعم أوروبا.

مخلفات الحرب العالمية الثانية بألمانيا


قدمت أمريكا بموجب القرار مساعدة مالية قدرها 12,4 مليار دولار، وهو ما يعادل حاليًا 130 مليار دولار، نال ألمانيا الغربية التابعة للحلفاء منها أكثر من مليار دولار، مما ساعدها على تعويض النقص في الاحتياطي الأجنبي واستيراد المواد الغذائية وحاجتها من السلع الأساسية ومواد البناء لبناء المصانع.

نجح أبو المعجزة الاقتصادية للألمان لودفيج إيرهارد وزير الاقتصاد في حكومة المستشار كونارد اديناور في فرض سياسة اقتصاد السوق الاجتماعي، بحيث حافظ على عناصر الأسواق الحرة وآلياتها وفي نفس الوقت سيدت الدولة نفسها كراعية لهذه الأسواق منعًا للاحتكار، مما شجع على نمو الشركات ومشاركة الجميع في الثروة.

ازدادت وتيرة النمو الاقتصادي بألمانيا الغربية بعد أن فتحت أمريكا أسواقها للسلع الأوروبية، وبدأت بتصدير السيارات والصلب لجيش المستهلكين الأغنياء الأمريكيين.

أما بالنسبة لألمانيا الشرقية التي كانت خاضعة لسيطرة النظام الشيوعي فلم يتحسن وضعها، وسرعان ما بدأ بعض سكانها يخاطرون بالعبور إلى ألمانيا الغربية للعمل في المصانع الناشئة هناك.

ساهم أيضًا تأسيس المنظمة العالمية للتجارة والتعاون وصندوق النقد الدولي في تسريع نمو أوروبا عامة، واستفادت ألمانيا الغربية من القروض المالية من قبل تلك المؤسسات.

النظام القيمي

استطاع هتلر إقناع الملايين من الألمان بتفوقهم العرقي على ما سواهم من شعوب العالم، ما قادهم إلى احتلال بلدان أوروبا والتسبب في إبادات جماعية لعرقيات أخرى دون أن يواجه أي مقاومة داخلية ألمانية تعارض توجهه.

أمام هذا الوضع بالإضافة إلى خطر انتشار القيم الشيوعية، كان لزامًا على دول الحلفاء بقيادة أمريكا إعادة صياغة الثقافة الألمانية من خلال غرس قيم النظام الرأسمالي الليبرالي في المجتمع الألماني عبر تعديل القوانين، لمنع صعود الأفكار النازية من جهة ولمواجهة التمدد الشيوعي آنذاك من جهة أخرى. وهو ما أتاح ببروز نظام ديموقراطي، توسعت فيه الحريات ونال العمال أجورًا أفضل وأسسوا نقابات، وازداد فيه دور العلم في بناء الدولة.

ولم تكن تلك القيم الفكرية غريبة عن المجتمع الألماني بأي حال، فقد كان لدى ألمانيا إرث فكري ثري للغاية حتى قبل الحرب العالمية الثانية، إذ ساهمت بقوة في إشعاع عصر الأنوار الذي بدأ في فرنسا، ونكتفي بذكر مساهمات إمانويل كانط صاحب مفهوم المثالية البراغماتية وفريديريك نيتشه الذي أسس الحركة المنظورية وغوتفريد لايبنتز من طور المدرسة العقلانية.

نساء ألمانيات يشاركن في إزالة مخلفات الحرب العالمية الثانية


أظهر الألمان أيضًا إصرارًا شديدًا لإعادة بعث بلادهم المحطمة، فعملت النساء الألمانيات في المصانع، وعاد المهندسون والأطباء والأكاديميون الهاربون من النظام النازي إلى وطنهم، وبدت قيم الالتزام الصارم وحب العمل واحترام النظام جلية في حياة الشعب الألماني الصعبة آنذاك، ولا تزال هذه القيم راسخة حتى الآن.

يعد شرط “المجتمع المتنور” واحدًا من شروط نهضة دولة معينة، إذ أن المجتمع الذي لديه قابلية للتطور وتغيير الوضع ولا تعرقله مثبطات ثقافية أو دينية، يكون من السهل عليه المضي في طريق التقدم، ولعل هذا الشرط هو ما ينقص كثيرًا من البلدان لتحقيق نهضتها الآن.

وبشكل عام فالمجتمعات التي يكون لديها تجربة قبلية من الازدهار تكون نهضتها أسهل وأسرع، وهو ما حصل مع بلدان أوروبا المحطمة بسبب الحرب بما فيها ألمانيا الغربية، فلم تمر بضع سنوات حتى عادت اقتصاداتها أكثر قوة.

وحدة ألمانيا

في نهاية الثمانينات، كان الوضع بين ألمانيا الشرقية الخاضعة للاتحاد السوفياتي وألمانيا الغربية التابعة لدول الحلفاء أشبه بالفرق بين كوريا الجنوبية وكوريا الشمالية حاليًا.

ومع انهيار الاتحاد السوفياتي نزح الآلاف من ألمانيا الشرقية نحو شقيقتها الغربية، واندلعت مظاهرات حاشدة أسقط المحتجون خلالها جدار برلين الفاصل بينهما منادين بالوحدة، استغل الفرصة حينها المستشار هيلموت كول وعقد مفاوضات طويلة مع روسيا وفرنسا وأمريكا وبريطانيا من أجل إقناعهم بتوحيد ألمانيا الشرقية والغربية.

وبالفعل حصلت جمهورية ألمانيا الاتحادية على سيادتها في 3 أكتوبر 1990، وعلى الفور وضع برنامج ضخم بموجبه تشارك ألمانيا الغربية ازدهارها الذي بنته بعد جهود مضنية مع ألمانيا الشرقية، بموجبه يتم تحويل 80 مليار دولار سنويا من ألمانيا الغربية نحو نظيرتها الشرقية لتنميتها، وذلك مستمر حتى سنة 2019 وفق البرنامج المحدد منذ ذلك الحين. ورغم أن الهوة بينهما لا تزال مستمرة شيئًا ما حتى الآن، فقد أصبحت القطعة الشرقية من ألمانيا تتفوق على دول مثل السعودية ونيجيريا والمجر وأوكرانيا مجتمعة من حيث الإنتاج المحلي.

مثلت تجربة اندماج الشطر الشرقي والغربي مرحلة تاريخية هامة لألمانيا من أجل وحدة أراضيها، كما جعلت المجتمع الألماني أكثر انفتاحًا وحيوية وتنوعًا، تعلم منها كيفية التعامل مع المتناقضات والأسئلة الصريحة والصراعات الاجتماعية، وكيفية تقبل كل ذلك وعدم إخفائه، لذلك لم يكن غريبًا على ألمانيا استقبالها بجرأة ملايين المهاجرين واللاجئين في ظرف سنوات معدودة، إنها بمثابة مختبر أوروبا للتجارب والتحديات الجديدة.

جدار برلين 1990

 

ساعد ألمانيا الغربية كذلك في صعودها اندماجها في محيطها الإقليمي والدولي، فقد انضمت إلى تكتلات أوروبية منذ بداية نهضتها، حيث ساهمت في تشكيل “المجموعة الأوروبية للفحم والصلب” بمشاركة فرنسا وإيطاليا وبلجيكا وهولندا ولوكسمبورج عام 1951، وشاركت في اتفاقية روما 1957 لوحدة جمركية أوروبية موحدة، ثم انضمت إلى الأمم المتحدة عام 1973، وقبلها انضمت إلى حلف الأطلسي سنة 1955، ودخلت الاتحاد الأوروبي بتوقيعها على معاهدة ماستريخت سنة 1991.

كانت ألمانيا في عهد هتلر تستغل جل ثرواتها وطاقات شعبها في الصناعات العسكرية وشن الحروب التوسعية، والآن أضحت تقلص ميزانية الجيش لأقل من %2، حتى صارت تثير استياء حلفائها من الحلف الأطلسي، بسبب عدم وفاء التزاماتها العسكرية وضعف استعدادها الدفاعي.

تواجه ألمانيا حاليًا أكبر موجة هجرة لجوء منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، غير أن ما يقلق هيئة حماية الدستور (الاستخبارات الألمانية) فعلا هو خطر تنامي حركات اليمين المتطرف والحركات الإسلامية السلفية المتشددة، فهل تنجح ألمانيا مرة أخرى في التعامل مع محنتها الجديدة؟ بالنسبة للمستشارة ميركل فقد بدت واثقة في ذلك خلال جلسة الاتحاد الأوروبي الأخيرة حول اللاجئين.


عرض التعليقات
تحميل المزيد