نلهث جميعًا وراء السعادة، وبينما يستطيع بعضهم الوصول إليها؛ يجد آخرون أنفسهم عالقين في دائرة بغيضة من التعاسة والألم.

قد يدرك بعض هؤلاء التعساء أسبابها. فانعدام الثقة بالنفس والتقدير الذاتي يحدو بعضهم للشعور بعدم استحقاق السعادة، كذلك تتسبب تجارب التربية السيئة في الماضي والصدمات المؤلمة في توليد إحساس بالتعاسة.

فيما يخاف آخرون من أن يشعروا بالسعادة خوفًا من الإحساس بخيبة الأمل. أو يجلدون أنفسهم نتيجة قرارات سيئة في الماضي يعاقبون أنفسهم عليها في الحاضر وربما المستقبل.

السعي خلف السعادة قد يجعلنا أكثر تعاسة

السعي الحثيث حول السعادة قد ينتهي بالشعور بقلة الرضا وتأنيب الذات

يتحدث «راندي باترسون»، عالم النفس السريري بفانكوفر، في كتابه «كيف تكون تعسًا : 40 استراتيجية تستخدمها بالفعل» عن الهوس العالمي بالسعادة، والتركيز على الأمور السيئة. فيقول «يبدو أن السعى نحو السعادة أمر شاق؛ فنحن نسبح عكس التيار، وهو ما يمكن أن نقوله أن السعادة في مثل هذه الظروف أمر غير طبيعي».

لذا يقول باترسون إن أمكننا أن «نحسن بؤسنا» عن طريق اكتشاف السلوكيات المؤذية، والأنماط والعادات الشخصية السلبية؛ فيمكننا حينئذ أن نحدد أي من السلوكيات الجيدة يتعين علينا أن نطورها.

فكي نكتشف تلك الأنماط السلوكية السيئة علينا أن نكتشف قرارتنا واختيارتنا التي تؤدي إليها، مثلما يقول باترسون. فعادة ما تقود السلوكيات السيئة إلى المزيد منها، وتتكرر تلك السلسلة السيئة. لذلك يقول باترسون إن الوقوف مع النفس وتحديد الاتجاه الذي تؤول إليه هذه القرارات؛ يمكنك من تغيير السلوكيات التي تساهم في كونك أكثر تعاسة، ودون أن تقع فريسة لضغط أن تصلح كل شيء في نفس الوقت، وإنما شيئًا فشيئا.

المشاعر السلبية إنذار على وجود مشكلة

عدم الاعتراف بوجود مشكلة يزيد من تفاقمها

نعيش في حضارة تقول لك إن السعادة والتفاؤل والإيجابية هي المشاعر التي يجب أن تشعر بها على الدوام. فعلينا أن نبذل المزيد، ونتغير كي نوائم الثقافة السائدة والبيئة المعتادة حتى نشعر بالسعادة. وهو ما يؤدي في الحقيقة لمزيد من الشعور بخيبة الأمل وجلد الذات.

فلا فرار من اختبار المشاعر الإيجابية والسلبية، والإقرار بها أمر هام للصحة النفسية والعقلية.

تقول «توري رودريجيز»، الكاتبة والمعالجة النفسية في أطلنطا، إنه يجب على الإنسان أن يعترف بمشاعره كافة، وألا يخجل من تجاربه المؤلمة. والذي تعزوه توري إلى أنه نتاج للثقافة المتعصبة للإيجابية، والتي تعتبر المشاعر السلبية أمر غير مرغوب فيه ويجب كبحه، إلا أن ذلك يمكن أن يتسبب في زيادة التعاسة وقلة الرضا، لا العكس.

فمشاعرنا السلبية قد تصبح جرس إنذار لنا لما يجب الانتباه إليه، مثل: السلوكيات المدمرة للعلاقات أو العمل أو النظام الصحي غير السليم، وكبح هذه المشاعر يتسبب في تفاقم هذه المشكلات وغيرها، والصحيح هو التدرب على تقبلها، وتعلم كيفية التأقلم معها من أجل تحديد المشكلات وحلها.

البعض يحب أن يكون تعسًا!

يستمتع البعض بالشعور بالخطر والخوف والرعب

يستمتع البعض بالشعور بالخطر والخوف والرعب

هل تساءلت إذا كنا جميعًا نحب أن نشعر بالأحاسيس السعيدة والإيجابية؛ فلمَ يشاهد بعضنا أفلام الرعب على سبيل المثال؟

تفترض النظريات التي تتنبأ بالسلوك البشري وجود الدافع الطبيعي نحو الرغبة في الشعور باللذة وتجنب الألم، ولكن هذا يتعارض مع بعض السلوكيات التي ينتهجها بعض الناس عمدًا للشعور بالألم. فينغمسون في أنشطة تبث مشاعر سلبية مثل: الخوف أو الرعب أوالاشمئزاز.

فكيف يمكن أن يكون ذلك باعثًا على السعادة؟ وهو ما يجعلنا نعيد النظر في الفرضية السابقة فبعض الناس يسعدون عندما يشعرون بالتعاسة. فعند مشاهدة أفلام الرعب على سبيل المثال، يشعر المشاهدون بخليط من المشاعر المتناقضة ما بين السعادة والتعاسة.

فمع أنهم يشعرون بالخوف والتهديد والتعرض للخطر عندما يشاهدون هذه الأفلام؛ إلا أنهم يستمتعون بالإحساس بالخوف، مثلما يستمتعون بالشعور بزواله.

وهو ما تقترحه دراسة علمية وتفسره بأنه يمكن أن يوضح لنا لمَ ينجذب البعض لممارسة الرياضات الخطرة، أو الأنشطة التي تنطوي على مستوى عالٍ من الرعب أو الاشمئزاز.

البؤس قد يجعلك أكثر إبداعًا

ولكن يا معشر التعساء مهلًا. فبؤسكم يمكن أن يكون مكمن إبداعكم العظيم!

فإذا ما استطعت أن تستغل طاقة التعاسة تلك في نشاط ما؛ فمن الممكن أن تحقق شيئًا مبدعًا.

بعد فقر مدقع عرف بيتهوفن أنه أصبح اصم بالكامل في الثلاثين من عمره

وهو ما بحثته دراسة دنماركية أجريت على رسائل ثلاث من أبرز الموسيقيين كتبوها لأجل عشاقهم ومحبيهم. درست خلالها تأثير المشاعر السلبية خلال فترات إبداعهم الفائق.

أسفرت نتائج التحليل اللغوي لهذه الرسائل أنه عندما كان كل من موتسارت وبيتهوفن، وليست في حالة سلبية وتعسة أنتجوا أفضل أعمالهم الموسيقية.

وأن سبب تعاستهم يماثل غيرهم من الأفراد؛ فمرورهم بضائقة مالية أو اعتلال صحتهم أو وفاة أحد من المقربين أدى إلى حالة من الحزن مرتبطة بإنتاجهم مقطوعات موسيقية أفضل.

كذلك لاحظ الباحث أن كتابة هؤلاء الموسيقيين لرسائل كانت أكثر في حالة الحزن والغضب وأقل في حالة السعادة. وهو ما تشير إليه بيانات البحث أن البقاء في وضع ثابت بشكل دائم والزواج يرتبط بمعدلات أقل للإنتاجية والإبداع.

فعلى ما يبدو أن الإحساس بالسعادة يولد قدر من الرضا يجعلنا نحاول الإبقاء عليه لأكثر وقت ممكن. في حين أن المزاج السلبي المرتبط بالحزن واليأس قد يدفعك لمحاولة التغيير.

المشاعر السلبية قد تدفع لإحداث تغييرات إيجابية

فمع كل تلك الآثار السلبية لهذا الشعور القاتم، لكن يبدو أنه يحمل معه قبسًا من الإيجابية!

فيصبح عدم الرضا دافعًا نحو إحداث تغييرات إيجابية مثل، الكد في العمل، أو الاستقالة من عمل لا تحبه، أو اتباع نمط غذائي صحي، أو تغيير عادة أو سلوك سيئ.

ولكن لا يعني هذا أنه من الأفضل لك أن تكون تعسًا كي تغدو منتجًا أو مبدعًا، ولا أن المشاعر الإيجابية خطر على صحتك النفسية، ولكنه يكشف لنا أن أحلك اللحظات التي نعيشها يمكن أن تدفعنا لنغير حياتنا نحو الأفضل، ويمكن أن تنتج أفضل الكتب، أو المقطوعات الموسيقية، أو الاختراعات العلمية.

عرض التعليقات
تحميل المزيد