يعرف قاموس «ميريام ويبستر» الإيذاء في العلاقات على أنه «إساءة استخدام القوة، أو إلحاق المرء الأذى بنفسه أو بالآخرين». لذلك نتعرف في هذا التقرير إلى أي مدى يمكن أن تصل مخاطر الانتهاكات والعلاقات المؤذية، وما يمكن أن يفعله الناجون للتغلب على آثارها السيئة.

العلاقات المسيئة قد تؤدي للإدمان

يلجأ بعض الناجين إلى الكحول لتخفيف آلامهم

الخروج من علاقة مسيئة هو أول خطوة في طريق التعافي. إلا أن الناجين من مثل هذه العلاقات عادةً ما يبحثون عما يمكن أن يخفف أعراض القلق، والاحتياج، والاكتئاب التي يعانون منها؛ وهو ما قد يدفعهم للإدمان.

فقد كشفت دراسات عن العلاقة بين كون المرء ضحية لعلاقة مسيئة، وإدمان الكحول، و«الإصابة باضطراب ما بعد الصدمة»؛ فالنساء اللواتي تعرضن للاغتصاب في مرحلة الطفولة غالبًا ما يلجأن للكحول، كذلك نحو 40% من المرضى الذين يتلقون علاجًا ضد الإدمان تظهر عليهم الأعراض الاعتيادية المميزة لاضطراب ما بعد الصدمة.

المتعرضون للانتهاكات أكثر بدانة من غيرهم

يزداد خطر البدانة وإدمان الطعام عند المتعرضين لاعتداءات

فيما تشي الدراسات العلمية أن التعرض للاعتداءات سواء الجنسية، أو الجسدية خلال مرحلتي الطفولة والمراهقة يزيد من مخاطر الإصابة بالسمنة في مرحلة البلوغ.

فقد أوضحت دراسة أجريت على النساء «السوداوات» في الولايات المتحدة أنه كما تؤثر عوامل مثل: «السلوكيات الصحية وإنجاب الأطفال والصحة النفسية» في الإصابة بالسمنة؛ إلا أن نتائج الدراسة تربط بين التعرض لاعتداءات في سن مبكر، ووزن الجسم عند الكبر.

كذلك يرتفع خطر التعرض للإدمان على الطعام إلى الضعف، وهو ما أكدته دراسة أجريت على 57.000 امرأة ممن تعرضن لاعتداء جسدي، أو جنسي خلال الطفولة. فقد ذكرت النساء أنهن شعرن بكونهن أكثر قوة من الناحية الجسدية عندما كن أكبر في الحجم، وأن هذا عاونهن في صد تحرشات الرجال.

التعرض لانتهاكات في الماضي قد يؤدي إلى مشاكل صحية ونفسية في المستقبل

الانتهاكات في الماضي تؤثر في الصحة بالمستقبل

فيما وجدت الدراسات أن النساء اللواتي تعرضن للاعتداء الجنسي يكنّ أكثر عرضة للمعاناة من الأمراض النفسية والجسدية، التي قد تبدو عديمة الصلة، بما في ذلك البلوغ المبكر، والمشاكل الدراسية.

فقد قالت إحدى المرضيات السابقات، والتي تبلغ من العمر 75 عامًا، إنها بعدما تعرضت لعنف جنسي وعاطفي شديد في الطفولة انخرطت في الأكل بشكل قهري، بجانب معاناتها لعدد من المشاكل الصحية، مثل مشاكل العظام، والورم الدماغي، وغيرها، وهو ما تربطه بوزنها الزائد، وألمها النفسي.

تعرض الأطفال للانتهاكات يعرضهم للإصابة بأمراض القلب والسرطان

الانتهاكات في الصغر تزيد من خطر الإصابة بالأمراض

تعرض الطفل لواحدة أو أكثر من هذه التجارب السلبية، يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالإصابة بعدد من الأمراض عند الكبر.

فقد قسمت دراسة علمية تجارب الطفولة السيئة إلى سبع فئات شملت: «الإيذاء النفسي والجسدي، أو الاعتداء الجنسي، والعنف الموجه للأم، أو الذين تربوا داخل أسرة بها مدمنو مخدرات، أو مختلون عقليًّا، أو انتحاريون، أو كانوا مسجونين في وقتٍ من الأوقات».

سوء المعاملة في الصغر، وتجارب الطفولة القاسية، واختلال نظام الأسرة خلال مرحلة الطفولة يخلق عوامل خطر تتسبب في الوفاة عند البالغين.

وجدت الدراسة أن ازدياد عدد الفئات المشتركة يقابله زيادة في عوامل الخطورة للإصابة بالعديد من الأمراض عند البلوغ، مثل: «أمراض القلب، والسرطان، وأمراض الرئة المزمنة، والكسور العظمية، وأمراض الكبد».

أمراض مزمنة نتيجة للعنف الأسري

قد تكون بعض الأمراض المزمنة نتيجة للعلاقات المؤذية

قد لا تزول آلام العلاقات السيئة بشكل كامل عند الخروج منها. فهناك أدلة تشي بأن النساء اللواتي كن في علاقات مؤذية؛ يعانين في كثير من الأحيان من ظروف صحية مزمنة مثل: «آلام أسفل الظهر، والصداع، وفقدان الذاكرة، وصعوبة النوم، والاكتئاب، ومرض السكري، والربو، وأمراض الجهاز الهضمي». إلا أنّ العديد من أولئك النسوة لا يدركن أن ظروفهن الصحية تُعزى إلى هذه العلاقات المؤذية في الماضي، ولا يملك أطباؤهن فكرةً عن الأمر كذلك.

فالنساء اللواتي أبلغن عن تعرضهن لأي نوع من العنف الأسري حققن معدلات أعلى في الإصابة بأمراض صحية مزمنة.

فقد وجدت الدراسة التي أجرتها «مؤسسة فيريزون» مع أكثر من ألف امرأة أمريكية. أن نحو 77٪ من أولئك النسوة يعانين من وضع صحي مزمن، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 88٪ للنساء اللواتي تعرضن للإيذاء الجنسي، و81٪ للنساء اللواتي عانين من أي شكل من أشكال العنف المنزلي.

لماذا يعود بعضهم مرة أخرى إلى العلاقات المسيئة؟

عدم فهم النساء للخطر المحتمل يعيقهن عن تحديد الاستمرار في العلاقة من عدمه

ومع أن هذه العلاقات تتسبب في هذا الضرر البين إلا أن الأبحاث تشير إلى عودة بعض النساء للخوض في تلك العلاقات المؤذية، على أمل فهم الأسباب التي يحتمل أن تكون قد أدت إليها. وهو ما تحققت منه دراسة علمية كشفت العلاقة الوثيقة بين عدد من العوامل مثل: «نقص التعليم، والاعتمادية المالية، وتاريخ الاعتداء، والشعور بالندم». والتي تلعب دورًا في العودة مرة ثانية إلى هذه العلاقات.

أوضحت هذه الدراسة أن عدم فهم المرأة للخطر المحتمل، يمكن أن يشكل عائقًا في اتخاذ قرار بشأن ما إذا كانت ستبقى أو لا في تلك العلاقة. لذا أكدت ضرورة مساعدة المرأة على اكتساب الأدوات والموارد اللازمة لمنع ذلك.

ليس للماضي أن يهيمن على المستقبل

انتهاكات الماضي يمكن أن تؤثر في كل مجال من مجالات الحياة، بما في ذلك كيفية تربية الأم لأطفالها. إلا أنه مع وجود ذلك الظل البغيض الذي يطارد الضحية ما يزال الأمل موجودًا، فهناك الكثير مما يمكن القيام به للشفاء:

1- ابقَ مشغولًا على الدوام

قلة الانشغال تسمح للذكريات الأليمة أن تعود مرة أخرى

فقط «انسَ الأمر»، هذا ما يقال عادةً للناجين من الصدمات. لكن هل تفلح هذه النصيحة حقًّا؟ فشبح التجارب يمكن أن يعود مرة ثانية، خاصةً عند منتصف العمر مثلما حدث مع الناجين من المحرقة، والذين شهدوا أحداثًا مروعة، فرغم تمكنهم من التعايش مع الأمر في البداية؛ إلا أن تجاربهم بدأت تطاردهم في منتصف العمر.

كذلك كانت معدلات مغادرة أطفالهم للمنزل أكثر ارتفاعًا، وواجهوا مشاكل أكبر عند التقاعد، ومع المرض. فعلى سبيل المثال عانى بعض الناجين عندما أصيبوا فيما بعد بالسرطان بمزيد من الألم. وكان دخول المستشفيات أكثر إيلامًا وصدمةً لهم. وهو ما أشار إليه الباحثون، أن انخفاض مستوى الانشغال مع كبر السن يسمح لهذه الذكريات أن تطفو إلى السطح مرة أخرى.

وهو ما يؤكد مواجهة بعض النسوة خلال فترة «ما قبل انقطاع الطمث» لصعوبات مع أحداث مؤلمة تعرضن لها في الماضي. ورغم أن هذا يعزوه الأطباء إلى الهرمونات؛ إلا أن الدراسة تقترح أنه عندما قلت احتياجات أطفال أولئك النساء، أفسح ذلك المجال لبزوغ ذكريات الأحداث المؤلمة مرة أخرى بقوة.

The Long Shadow: Adult Survivors of Childhood Abuse

2- ابحث عن المساعدة

تقاسم الأسرار مع شخص مقرب يساهم في الشفاء

قد لا يستطيع المرء التغلب على التجارب السيئة دون الاستعانة بمختص للعلاج فرديًّا، أو في مجموعات. كذلك من المهم أن تجد شخصًا مقربًا يمكن أن تقاسمه أسرارك؛ وهو ما يعد علاجًا في حد ذاته، ويساهم في الشفاء بنسبةٍ كبيرة.

3- أوقف تيار الأفكار السلبية

عادةً ما يترسخ الحديث السلبي مع النفس أثناء العلاقات المسيئة. لذا يجب أن ترصد تلك الرسائل السلبية التي تسربت إلى عقلك الباطن مثل: كونك غبيًّا، أو كسولًا، أو غير ذلك. فربما تكون العلاقة قد انتهت بالفعل لكن يبقى التأثير السلبي لهذه الأفكار مؤثرًا، وقد يجلب الكثير من الضرر في العلاقات المستقبلية.

4- ابدأ في كتابة يومياتك

الكتابة تحسن الحالة النفسية

الكتابة من الطرق الناجعة في معالجة الأحداث المؤلمة. وهو ما يؤكده جيمس بينيباكر في أبحاثه التي نشرها بكتابه، ويوضح من خلالها كيف أن للتعبير عن المشاعر بالكتابة قدرةً قويةً على الشفاء، مشيرًا إلى أن الرجال والنساء الذين كتبوا عن تجاربهم كانوا أكثر قدرةً على تجاوز ماضيهم المؤلم، وشهدوا تحسنًا في صحتهم النفسية، والجسدية بشكل ملموس.

5- ابحث عن المشكلة

يجد بعض الناجين من الإساءة وبالأخص إذا كانت جسدية، أو جنسية صعوبةً في بعض المواقف. فبعض الأمهات قد يعانين من عملية الرضاعة على سبيل المثال. حيث يشكل لهم أي نوع من الاحتكاك الجسدي إزعاجًا كبيرًا.

لذلك إذا كنت تواجه وضعًا مشابهًا ننصح أن تحاول اكتشاف المواقف والحالات التي تسبب لك إزعاجًا، وما إن كانت ترتبط بوقت أو شخص أو مكان ما، وبعدما تحدد بعضًا من تلك المشكلات؛ فكر في إمكانية أن تجعل الوضع أفضل، وما إن كان باستطاعتك تجنبه أو إلهاء نفسك عنه بمشاهدة التلفاز، أو قراءة كتاب، أو الانخراط في هواية، وربما اقتناء حيوان أليف على سبيل المثال. فمع التجربة ستكتشف أيًّا من هذه الوسائل المختلفة الأنسب لك.

6- ضع حدودًا

وضع الحدود يساهم في تحديد نوعية حياتك

قد يواجه المتعرضون للإساءة في الصغر صعوبات في قول لا للآخرين، عندما يصبحون راشدين. فنتيجة لتعرضهم المتكرر لاختراق حدودهم، وانتهاك خصوصيتهم في الطفولة، يجعلهم غير قادرين على وضع حدود معقولة مع الآخرين، دون استنزاف وقتهم وطاقتهم.

ومثلما يحدث هذا مع الناجين من إساءات في مرحلة الطفولة، يمكن أن يحدث ذلك معك، أو مع شريك حياتك، وربما أطفالك. لذا تعلم وضع الحدود ليس له تأثير كبير على نوعية حياتك فحسب، وإنما يساعد الآباء في تثقيف أبنائهم؛ كي لا يتعرضوا لمثل هذه الانتهاكات.

7- تخيل نفسك معافًا

تخيل نفسك تتمتع بالصحة والعافية

في خضم التعاطي مع التجارب الصادمة، قد يصعب تخيل الشفاء من آثارها، ونظن أن المرء سيظل عالقًا بها للأبد. لكن يجب أن تتمكن من تخيل نفسك تتمتع بالصحة والعافية التامة، مهما كانت شدة الإساءة في الماضي. بل يمكن أن تتحول تلك الفترة المؤلمة لمصدر قوة.

فقد ذكرت دراسات أن العديد من الناجين البالغين استفادوا في النهاية من تجاربهم، وكيف أن تعرضهم للإساءة في الماضي جعلهم فيما بعد أكثر حساسية لاحتياجات الآخرين. بينما شعر كثير منهم بالرغبة في مساعدة الآخرين الذين عانوا من تجارب مماثلة. وهو ما يؤكد أننا نستطيع، وأن الضربة التي لا تميتك؛ تجعلك أقوى.

وفي النهاية قد لا يتأثر المتعرضون للإساءات بنفس الطريقة، فردود الفعل تتراوح ما بين الشدة، والاعتدال النسبي حتى مع التجارب المتقاربة في القسوة. لذا تذكر أنك لا تدين للآخرين بتفسيرات للخيارات التي تتخذها، أو المشاعر التي تشعر بها؛ فمثل تلك التجارب تختلف في تأثيرها من شخص للآخر، وفقًا لعوامل عدة.

اقرأ أيضًا

«الإنسان أسير طفولته».. مشاعرنا في الصغر تحدد مستقبلنا في الكبر!

كيف يتعامل العقل مع صدمات الحياة؟

فن التأثير؛ حيل نفسية للتأثير في الآخرين

عرض التعليقات
تحميل المزيد