يعتقد البعض أن كوكب الأرض سينهار لا محالة في القرون القليلة القادمة إما بفعل البشر وإما جراء كوارث طبيعية، وقد جسدت هوليود هذه النهاية بسيناريوهات مختلفة، بدءًا من الشتاء الجليدي الذي يضرب الأرض في فيلم the day after tomorrow، مرورًا بالحروب النووية التي قد تنهي حياة البشر مثل ما نشاهده في فيلم the Book Of Eli، وربما قد تنتهي حياة البشر باصطدام نيزك عملاق أو مذنبات على سطح الأرض كما في فيلم Armageddon، أو ربما تحدث موجة تسونامي من الزلازل والبراكين والفيضانات ترسل العالم إلى الهلاك كما يحدث في سينما هوليوود، أو ببساطة قد تنتهي حياة البشر بفعل انتشار وباء ما لم يعثر له على علاج، فيبيد شعوب الأرض على طريقة فيلم i’am legend.

وكيفما كان رأي البعض في مدى واقعية نهاية العالم بإحدى هذه السيناريوهات، فإن الأمر أخذ اهتمامًا أكبر لدى بعض الجهات، وتعاملوا معه بطريقة أكثر جدية مما قد تتخيل، فأخذت على عاتقها مسؤولية حماية الجنس البشري من الانقراض حال وقوع أي خطر قد يهدد وجوده.

سنتعرف في هذا التقرير على أبرز المشاريع المفترض منها حفظ النسل الإنساني في أسوأ الاحتمالات التي قد يشهدها عالمنا، يلف بعضها كثير من السرية.

  • سفينة نوح للنباتات بالنرويج

في أرخبيل شبيتزبير شمال الدائرة القطبية بالنرويج، يتم هناك تخزين بذور من كافة نباتات العالم في مستودع محصن، معد خصيصًا لبعث حياة البشر بحفظه بذور الطعام حال وقوع أي حروب مدمرة أو كوارث طبيعية ماحقة.

مخزن بذور النباتات “سفالباد”

 

يبدو مخزن بذور الحياة “سفالباد” كمخبأ عسكري منعزل في صحراء القطب المتجمد، حيث تشرق الشمس هناك 24 ساعة في فصل الصيف، وفي الشتاء يسود الظلام الدامس طيلة الفصل، تنخفض درجات الحرارة بها إلى 25 درجة تحت الصفر، وهو موقع مناسب كمكان لإنقاذ التنوع النباتي من الانقراض، فهو يقع ضمن المنطقة المنزوعة السلاح ومستقرة جغرافيا، كما أن المخبأ يقع على ارتفاع 130 مترًا فوق سطح البحر ومغطى بطبقات من الجليد، مما يوفر له حماية طبيعية من أي كوارث بيئية.

بعد عبور البوابة الخرسانية لمخزن بذور النباتات، يمتد ممر بطول 120 مترًا إلى عمق الجبل، هناك في نهاية النفق مستودع البذور المحصن، وهو مجهز بأدوات تكييف لإبقاء درجة حرارته على نحو ثابت صيفًا وشتاءً، بدرجة 7 تحت الصفر.

يتم تخزين بذور النباتات في عبوات مصنوعة من الألومنيوم ومفرغة من الهواء ومغلقة بإحكام، حاليًا يأوي المستودع 865 ألف عينة من بذور النباتات تم جلبها من مختلف مناطق العالم، ويمكن لسعته التخزينية أن تستوعب ملايين البذور.

  • مشروع نوراد

هو مشروع لقيادة دفاع الفضاء الجوي الأمريكية الشمالية، وظيفته الإنذار لأي هجوم جوي أو فضائي محتمل فوق سماء أمريكا الشمالية، مقر المشروع الدفاعي في جبل تشين، مجهز ومحصن ضد الحروب النووية.

في عام 1957، وخلال عز الحرب الباردة بين المعسكر السوفيتي والمعسكر الليبرالي، قامت الولايات المتحدة الأمريكية بالتعاون مع كندا بإنشاء منظومة دفاعية قادرة على إدارة الأحداث في حال وقوع أي حرب نووية محتملة مع العدو.

في سنة 1966، تم الانتهاء من تنفيذ المشروع، أنشأت سلسلة متصلة ببعضها من محطات الرادار والمسابر والأقمار الصناعية تغطي مساحة أجواء كامل أمريكا الشمالية بشكل تام، وتم تحضير مركز عمليات في جبل شين بمنطقة كولورادو، بمساحة 208 آلاف قدم مربع في بطن الجبل، أشرف على إعداده أبرع المهندسين الأمريكيين، وهما توم كيزلي المتخصص في الجسور والأنفاق، وستيف جرينفيلد المتخصص في البناء تحت الأرضي.

مدخل المركز نوراد

 

المركز الدفاعي مصمم بحيث له القدرة على الصمود حال اندلاع حرب نووية مدمرة، ومجهز بتقنيات تمكنه من مسح ما بين 200 ميل حتى ارتفاع 22500 ميل، ويعتمد نظام توظيف خاص قائم على اختيار الكفاءات الأكثر قدرة على العمل بفعالية قصوى وسط أسوأ الظروف المحتملة، ولا يزال تطويره قائمًا حتى الساعة.

  • سراديب سويسرا الصامدة في الحروب النووية

لعل سويسرا تعد أحد أكثر مناطق العالم حيادًا وسلمية، ولذلك ليس من الغريب احتضانها لمراكز اقتصاد العالم، إلا أن هذا لا يعني أنه يمكنها الاعتداء عليها بسهولة من قبل أي عدو، فهي مجهزة ببنية تحتية قادرة على حماية المدنيين حتى في أسوأ حالات الحرب إثر اندلاع حرب نووية.

خلال الستينيات من القرن الماضي، حيث التهديدات النووية كانت قائمة وشبح الغزو السوفيتي كان قريبًا، كانت سويسرا تفكر حينها في كيفية التصدي لأي هجوم عدائي مدمر قد يستهدف مواطنيها الذين لا يتجاوزون سبعة ملايين بالرغم من سياستها الحيادية لأبعد الحدود، فقررت أن تقوم بما لم تقم به أي دولة في العالم تحت شعار “الحياد لا يحمي من خطر الإشعاعات”.

ما قامت به سويسرا هو أنها أسست منظومة متكاملة تحت الأرض توفر الحماية للمدنيين حتى في الحروب النووية، تحتوي المنظومة على شبكة سراديب محصنة ضد التسرب للمواد الإشعاعية، بها مقرات عسكرية وملاجئ ومستشفيات ومولدات طاقة وطرق تنقل.

ورغم أن غرض هذا المشروع قد ولى زمنه ولم تعد له حاجة، إلا أن سويسرا أبقت على بناء الملاجئ ورأت فيها فائدة في مواجهة الهجومات الإرهابية الكبيرة المحتملة، أو الكوارث الطبيعية، أو الحوادث الكيميائية، أو حتى في حال نشوب حرب نووية.

إحدى الملاجئ بسويسرا

 

ولذلك فما زالت سويسرا حتى الآن تلتزم ببناء الملاجئ بمعايير الأغراض المنوطة بها، تنص المادّتان 45 و46 من القانون الفيدرالي، الخاصتان بأمن المواطن وبالدِّفاع المدني، على أنه: “يجب أن يكون لكلِّ مُـواطِـن ملجأ آمن قريبًا من محل إقامته ويمكنه الوصول إليه خلال فترة وجيزة، إذا ما اقتضت الضرورة”، و”يجب على أي مالك يريد أن يبني وِحدة سكنية، تجهيزها بالملاجئ ولوازمها”.

الملاجئ الموجودة حاليًا تفوق نسبة مائة في المائة أي أكثر من تعداد المواطنين السويسريين، ومزودة بنظام تهوية ومجهزة بفلتر يصفي الغازات، ومحصنة، كما أنها تتوفر على الحاجات الضرورية للإنسان مثل الطعام والإسعافات.

  • مشروع فرايبورخ لحفظ التراث البشري

على غرار مخزن بذور النباتات المقام في النرويج، يوجد مستودع للكتب بألمانيا لحفظ التراث الثقافي البشري في حال وقوع حروب مدمرة أو كوارث هائلة.

في مدينة فرايبورخ في ألمانيا، هناك بقبو داخل جبل يعمل عشرات الموظفين يوميًّا في توثيق التراث الثقافي البشري وتأمينه، تقوم فكرة المشروع على العمل على ضمان تمرير المعلومات للأجيال اللاحقة في كل الظروف التي قد يتعرض إليها كوكبنا، خشية أي تهديد بشري أو طبيعي قد يؤدي إلى طمس الحضارة الإنسانية.

يقوم العاملون بالمستودع بمراجعة الوثائق العلمية والتاريخية التي تعود لمختلف الثقافات والمجالات من كل بلدان العالم، وذلك بمساعدة التقنيات الحديثة، وبعد التأكد من صلاحية محتواها يتم تخزين نسخ منها داخل حاويات أسطوانية يصل طولها لمتر ونصف محكمة الإغلاق، ثم يقومون بتصفيف الحاويات داخل مستودع مخصص لتكديسها بالقبو.

تعتمد خطة المشروع على أقصى درجات أمان هذه الوثائق من الكوارث البشرية والطبيعية منعًا لاندثار المعرفة الإنسانية.

  • استيطان المريخ كضمان لاستمرار البشر

في فيلم الفضاء الجديد the martian، يتم إرسال بعثة لزيارة كوكب المريخ، وبينما يجد أحد الرواد نفسه وحيدًا على سطح الكوكب الأحمر، يضطر للتأقلم مع وضع الكوكب الجديد والعمل على توفير مقومات الحياة موظفًا العلم في مهمته الحاسمة للبقاء على قيد الحياة.

وفكرة استيطان المريخ عمومًا ظهرت منذ عقود، إلا أنه في السنوات الأخيرة بفضل تقدم التكنولوجيا والعلم وتطور أبحاث الفضاء، أصبحت العديد من الجهات تفكر بجدية لغزو المريخ، ليس فقط على سبيل فضول الاستكشاف ولكن لأنه الطريق الأكثر أمانًا لضمان استمرار الجنس البشري، في حال تعرض الكوكب لأي حوادث نووية أو طبيعية يمكن أن تدمر الحياة به كليًّا.

بالتأكيد لا تزال أمام الإنسان العديد من العقبات العصية لاستيطان الفضاء عمومًا، لكن هذا الحلم يقترب عامًا بعد عام، نتيجة تراكم المعرفة والتكنولوجيا اللازمة لإنجاز تلك المهمة وأصبح البشر أكثر ثقة لفعل ذلك، ولا سيما بعد تأكيد ناسا مؤخرًا من وجود الماء على سطح الكوكب الأحمر.

من إحدى الخطط الطموحة لاستيطان المريخ، نجد منظمة mars one الهولندية، المنظمة الخاصة وغير الربحية فتحت الباب أمام آلاف المتطوعين، لاختيار مائة منهم لإرسالهم إلى كوكب المريخ بعد تدريبهم على التكيف مع ظروف محاكاة البيئة الجديدة، وذلك بهدف إقامة مستعمرة بشرية هناك. تخطط المنظمة لإرسال أول دفعة نحو الكوكب الأحمر في نهاية 2021، وذلك بعد إرسال كميات من الطعام والحاجيات بشكل منفصل إلى جانب قمر صناعي سنة 2016، وإرسال مركبة سنة 2018 لاستكشاف أفضل المواقع في سطحه المناسبة للاستقرار.

لكن إن أردنا أن نكون أكثر واقعية فعلينا أن نبحث في خطط ناسا بهذا الشأن. تعمل حاليًا وكالة الفضاء الأمريكية بالتعاون مع وكالة الفضاء الأوروبية على مشروع لإرسال بشر إلى كوكب المريخ في حدود 2030، وتقضي الخطة بإنجاز أربع مراحل أساسية قبل تحقيق هذا الهدف وهي:

1. تتبُع الماء: وهي المهمة التي تحققت بنجاح.

2. استكشاف إمكانية السُكنى في المريخ: وتتضمن التحقق من إمكانية بناء مستوطنات بشرية على سطحه.

3. البحث عن علامات الحياة: لاستكشاف احتمال وجود حياة هناك من نوع ما.

4. إعداد الكوكب لاستكشاف البشر: الوصول إلى التجهيزات والتكنولوجيا المناسبة لإبقاء البشر على قيد الحياة هناك.

ختامًا نتساءل، إذا كانت لدى هذه الدول خطط ومشاريع تعمل عليها بجد ضمانًا لاستمرار الوجود البشري، فما موقع البلدان الأخرى، ومنها البلدان العربية، في مهمة إنقاذ الحياة الإنسانية من احتمالات الفناء؟!

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد