كثيرًا ما شُبّه مخ الإنسان بأنه مثل جهاز الكمبيوتر، لشدة تعقيده وقدرته على القيام بأكثر من مهمة في الوقت نفسه، وإلى الآن هناك العديد من الدراسات التي تحاول فهم كل نقطة في المخ وفهم دورها في الجسم البشري، حتى أن بعض العلماء تبنوا نظريات تفيد بأنه يمكن رصد خلل في مراكز التعاطف والمشاعر في مخ المجرمين والقتلة.

وهناك العديد من الدراسات حول أهمية المخ في تطور الجنسي البشري، ولكن التفسيرات التي تخص كيفية تطور المخ نفسه في جسد الكائنات الحية وخاصة الإنسان، ما زالت غامضة، خاصة أن تطور المخ قد تضاعف لسبب لا يعلمه أحد حتى الآن، لذا فإن هذا التقرير يحاول الإجابة عن سؤال: كيف بدأ المخ البشري؟

هل يخبرنا الإسفنج بحل لغز المخ البشري؟

على الرغم من أهمية المخ لدى البشر، والدراسات التي تعد بالآلاف التي أجريت في محاولة فهمه واكتشافه؛ تظل أصول تطور المخ مجهولة داخل جسم الإنسان، فوفقًا لبعض الدراسات ظهرت أدمغة الحيوانات الأولى منذ مئات ملايين السنين، وليس هناك أي دلائل يمكن تحليلها عن كيفية تطوير الكائنات الحية لمثل هذا الجهاز المعقد في الجسم.

وفي دراسة نشرت في بداية شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2021 تحت عنوان «What sponges can tell us about the evolution of the brain» أو «ما الذي يمكن أن يخبرنا به الإسفنج عن تطور الدماغ؟» أكد علماء الأعصاب أن دراسة الإسفنج المائي قد تجيب أخيرًا عن لغز كيفية تطور الخلايا العصبية والأدمغة للمرة الأولى في الإنسان والكائنات الحية عمومًا، ولكن لماذا الإسفنج بالذات؟

يعتبر الإسفنج المائي كائن بدائي للغاية لا يملك مخًّا، ولكن ما لاحظه العلماء أن «مشابك الأعصاب» التي تعتبر جزءًا مهمًا من تكون المخ والجهاز العصبي جيناتها موجودة في الإسفنج وتعمل بدور يخص تنقية الغذاء الداخل للجسم من الشوائب والبحث عن أفضل وسيلة لهضمه، وهو السلوك الذي وصفه العلماء بـ«المذهل».

ولاحظ العلماء أن الحاجة لتنقية الطعام وهضمه أوجدت في الإسفنج المائي جينات بدائية للمخ، فهل تكون تلك البداية الحقيقية للمخ في الكائنات الحية؟ وهل طوّرت الكائنات الحية المخ حتى يتعامل الجسد مع الغذاء والهضم بشكل أفضل؟ وتعد هذه التساؤلات مهمة للدرجة التي خصص فيها أحد المعامل في أمريكا فريق بحث كامل لتحليل هذا الكشف، والذي قد يخبرنا الكثير عن كيف تطور المخ من تلك الجينات البدائية الموجودة في الإسفنج.

ولد المخ في أفريقيا.. «مخ الإنسان صغير في السن نسبيًا»

أصبح من الدارج علميًّا أن تناول الإنسان للطعام وخاصة اللحوم كان له دور مهم في تطور المخ، ولكن يظل السؤال قائمًا: كيف تطور المخ بالشكل الكافي ليمكن الإنسان من تطويع الطبيعة لتناول الطعام المناسب لتطوره؟

في دراسة أجريت في أغسطس (آب) 2021 تحت عنوان «Modern human brain originated in Africa around 1.7 million years ago» أو «نشأة دماغ الإنسان الحديث في أفريقيا منذ حوالي 1.7 مليون سنة»، حاول العلماء معرفة أصول تطور المخ البشري، ونجحت الدراسة في تحديد مكان أول إنسان وُجد بمخ متطور إلى حد ما وهو من مليون و 700 ألف سنة في أفريقيا أولًا، ثم ظهر في جنوب شرق آسيا، وهو العمر الذي وصفه العلماء بأنه «صغير نسبيًا»، فبالمقارنة مع تواجد الإنسان على قيد الحياة، فإن الوقت الذي قضاه الإنسان بمخ متطور يعد وقتًا قصيرًا.

 

وفي هذه الدراسة استطاع فريق دولي تحت إشرف كل من كريستوف زوليكوفر، ومارسيا بونس دي ليون، من قسم الأنثروبولوجيا بجامعة «زيورخ» تحديد هذا العمر التطوري لمخ الإنسان، وكانت تلك النتائج لافتة إذ إنهم استطاعوا من خلال التصوير المقطعي لجماجم حفريات الإنسان الذي عاش في أفريقيا وآسيا منذ مليون إلى مليوني سنة، أن يقارنوا تلك البيانات مع البيانات السابقة من القردة العليا والبشر.

واكتشف الباحثون أنه بغض النظر عن حجم الجمجمة، فإن دماغ الإنسان يختلف عن دماغ القردة العليا في موقع وتنظيم مناطق الدماغ، وأشارت مؤلفة الدراسة مارسيا دي ليون إلى أن السمات المميزة للبشر كما نعرفهم الآن هي بشكل أساسي المناطق الموجودة في الفص الجبهي والمسؤولة عن تخطيط وتنفيذ أنماط معقدة من التفكير والعمل واللغة، ونظرًا لأن تلك المناطق أكبر بشكل ملحوظ في دماغ الإنسان، فقد تراجعت المناطق المجاورة للخلف، وبهذا استطاع العلماء من خلال فحص الجمجمة وشكلها الخارجي والداخلي، معرفة إلى مدى كان المخ بداخل تلك الجمجمة متطورًا وقادرًا على التحليل.

وقد لاحظ العلماء أن الانسان الأول -الذي عمره مليون و700 ألف سنة- والذي شهدت جمجمته أول تطور ملحوظ للمخ، كان يستخدم الأدوات بغرض الصيد أو الطهي الأولي، مما جعل العلماء يجنحون لفكرة أن تطور المخ مرتبط بتطور الثقافة، وبحاجة الإنسان لوسائل أسهل للحصول على الطعام.

صحة

منذ سنة واحدة
ليس مجرد عَرَض! دليلك الشامل للتعامل مع أنواع الصداع المختلفة

وكان المميز في هذه الدراسة أنها استخدمت تقنيات جديدة سمحت للعلماء بمعرفة إذا كانت الجمجمة التي يدرسونها كانت تحتوي على مخ متطور أو نصف متطور ودرجة تطوره بشكل عام، وهو الأمر الذي لم يكن متاحًا قبل ذلك، ولذلك وُصفت تلك الدراسة بأنها «سدت فجوة» مهمة في تاريخ تطور المخ.

ومرة أخرى يطل الطعام برأسه ليحاول إثبات نفسه باعتباره سببًا ومحفزًا رئيسيًا لتطور المخ داخل الجسم البشري كما نعرفه الآن، فقد تحدثت معظم الدراسات عمّا كان يأكله الإنسان وتأثيره في تطوره الجسدي مثل كيفية تطور الأمعاء الدقيقة بعد أن تناول الانسان الأول اللحوم، أو عن تأثير أكل اللحوم في تطور المخ، ولكن الآن العلم يلقى الضوء على نقطة مهمة، وهي احتمالية أن حاجة الإنسان للطعام هي ما دفعت المخ للتطور، ومن ثم وبعد تناوله للطعام؛ ساهم بدوره في مزيد من تطور المخ.

«قرود ماكينا المُخدرة».. نظرية غريبة تأخذ موقعها

هناك اختلاف كبير في القدرات المعرفية بين «الإنسان العاقل المبكر» (Homo sapiens) وبين «الإنسان المنتصب» (Homo erectus)، فعلى الرغم من أن انتصاب الجسم البشري على قدمين يعتبر نقلة تطورية كبيرة، فإن ظهور «الإنسان العاقل» جلب إلى الحياة الأشكال الأولى للفن والتصوير واستخدام الأدوات وربما بداية اللغة أيضًا.

وفي أوائل تسعينيات القرن الماضي، نشر عالم النباتات الأمريكي ترانس ميكانا كتابه «Food of the Gods»، والذي قدّم فيه نظرية تُفسّر القفزة المعرفية التي حدثت في تطور مخ الإنسان تاريخيًا، وتتعلق باكتشاف الإنسان للفطر السحري، وأن تناول كمية كبيرة منه ساعدت على تطوير خلايا المخ وزيادتها مما أدى إلى طفرة تطورية ومعرفية للمخ البشري، ووقتها لم يتقبل المجتمع العلمي تلك النظرية، ولكن مؤخرًا عادت تلك النظرية الغريبة إلى المشهد في الأوساط العلمية مثيرةً الجدل على موقع ريديت بين مؤيد ومعارض، واكتسبت تلك النظرية مؤخرًا مؤيدًا بارزًا وهو عالم الفطريات والنباتات الأمريكي بول ستاميتس، والذي صرح بأن عالم النباتات ترانس ماكينا كان على حق في نظريته.

ترانس ماكينا بجوار رسم متخيل للقردة العليا

في الفرضية التي يطلق عليها «قرود ماكينا المُخدرة» (McKenna’s Stoned Ape) افترض عالم النباتات ترانس ماكينا أن الإنسان أثناء هجرته من مكان لمكان، صادف في مرحلة ما «الفطر المخدر» أو «المشروم السحري» الذي ينمو من فضلات الأبقار في ذات الوقت، وأكله مثلما يأكل أي فطر آخر، ولكن مادة السيلوسيبين الموجودة في المشروم السحري -وفقًا للفرضية- سرعت قدرات المخ وتطوره، فأصبح المخ أسرع في معالجة المعلومات، وعن طريق تناول هذا النوع من الطعام، كما يقول ماكينا، فقد استطاع الإنسان أن ينتقل إلى مرحلة جديدة من الوعي.

ما الذي تفعله مادة «السيلوسيبين» في المخ؟

تلك الفرضية التي وصفت بالـ«جامحة» كانت مثارًا للجدل في المجتمع العلمي، لكن في شهر سبتمبر (أيلول) 2021 نشرت ورقة بحثية بعنوان «Psychedelics, Sociality, and Human Evolution»أو «المخدرات والمجتمع وتطور الإنسان» حاولت مناقشة تلك الفرضية مناقشة علمية تعتمد على الدلائل الجيولوجية لتواجد المشروم السحري وقت تطور الجنس البشري، ومدى قدرة تأثير مادة «السيلوسيبين» الموجودة في المشروم في تغيّر القدرات المعرفية وتطور المخ لدى البشر.

وأكدت الورقة أن الخط الزمني الذي ذكره ماكينا سليم، أي أن الإنسان تواجد في نفس الوقت الذي تواجدت فيه هذه النوعية من المشروم، وبالتالي فإمكانية تناوله ليست مستحيلة، خاصة وأنه في هذا الوقت (العصر البليوسيني) كان الانسان يتعذى على النباتات الموجودة في قاع الغابات والتي منها المشروم السحري الغني بمادة «السيلوسيبين»، فما هو التأثير الذي رصده العلم الحديث لمادة «السيلوسيبين» على مخ الإنسان وقدرته على التطور والتعلم؟

في العام 2020 نشرت دراسة تحت عنوان «Emotions and brain function are altered up to one month after a single high dose of psilocybin» أو «تغيرات العواطف ووظائف المخ لمدة تصل إلى شهر واحد بعد تناول جرعة واحدة عالية من السيلوسيبين»، وفي هذه الدراسة أكد الباحثون قدرة تلك المادة على تحسين المزاج، وبعض القدرات المعرفية والذهنية التي تخص ربط أفعال الشخص في الحياة بمعنى وهدف، بمعنى أن يكون الشخص أكثر تركيزًا في انتقاء تصرفاته للتوافق مع هدفه في الحياة، فلا يتصرف بعشوائية أو قرارات غير مدروسة؛ فهل استطاع المشروم أن يقدم تلك الخدمة للإنسان الأول ليضعه أول طريق التطور في قفزة سريعة للأمام؟

هذا أمر لا يزال محل جدال ولم يثبت علميًا، ولكنه لم تنته المناقشة فيه أيضًا، لكن حاليًا تستخدم المخدرات المصنعة من مادة «السيلوسيبين» لعلاج الاكتئاب والإدمان في الكثير من بلدان العالم، وأصبحت تلك المادة التي تحدث ماكينا عن قدراتها في تغير عقل الإنسان منذ السبعينيات، حديث الوسط الطبي الآن.

لذا فإن كل مرة نحاول فيها فهم كيف بدأ المخ، يطل الطعام برأسه ليثبت أهميته في تاريخ التطور البشري، سواء كان طعامًا عاديًا أو المشروم الذي يحتوي على مادة مخدرة مميزة، فالطعام أو الحاجة إلى الطعام لها دور كبير في تطور الجنس البشري كما نعرفه الآن.

علامات

الإدراك, المخ

المصادر

تحميل المزيد