غالبًا تعلم أن هناك فضاءً معينًا يحيط بجسمك تشعر أنه ملكك الخاص، شيء أشبه بالحدود البحرية لدولة ما، التي تمتد خارج حدود اليابسة التقليدية، فالغرباء غير المرغوب فيهم الذين يغزون هذا الفضاء، يولدون لديك شعورًا احتجاجيًّا فوريًّا بعدم الارتياح. وإذا ما حلق طائر ما فوقك، لكن بصورة قريبة جدًّا من رأسك، فإن هذا قد يجعلك تنحني بصورة غريزية لا إرادية. وبالتالي فإن حدود أجسادنا لا تنتهي حيث تنتهي الحدود المادية التقليدية لأجسادنا، لكنها تمتد لمسافة أبعد قليلًا، كما لو أن هناك هالةً أو فقاعةً تحيط بجسدك، أنت من تملكها.

الآن اكتشف الباحثون طريقة لجعلك تشعر بهذه الفقاعة غير المرئية الملتفة حولك. ففي دراسة جديدة نشرت في مجلة الإدراك يوم 24 يونيو (حزيران)، وصف علماء الأعصاب في معهد كارولينسكا في العاصمة السويدية ستوكهولم، كيف فعلوا هذا الأمر باستخدام نسخة محورة مما يسمى «وهم اليد المطاطة».

اليد الوهمية

في النسخة الكلاسيكية من «وهم اليد المطاطة»، تظهر لشخص معين يد زائفة مصنوعة من المطاط وضعت أمامه، في حين يتم إخفاء أيديهم الحقيقية وراء حجاب. فإذا ما قمنا بمداعبة كلتا اليدين الحقيقية والزائفة في نفس الوقت بواسطة فرشاة لبضعة دقائق، سيبدأ دماغ الشخص بقبول اليد الزائفة كجزء من أجزاء الجسد الفعلية. ولاختبار هذا، فقط قم بجلب سكين أو مطرقة على مقربة من اليد الوهمية، وشاهد كيف سيتفاعل هذا الشخص. يمكن مشاهدة التجربة فعلًا عبر هذا الفيديو:

في التجربة الجديدة، كرر الباحثون هذا الإجراءات، ولكنهم لم يقوموا بملامسة اليد المطاطية بالفرشاة، كما حدث في التجربة الأصلية. بدلًا من ذلك، ضرب العلماء بالفرشاة في الهواء فوق اليد المطاطية، وفي نفس الوقت قاموا بملامسة اليد الحقيقية المخفية بلمسات حقيقية من الفرشاة. وبعد بضع دقائق، بدأ المشاركون يشعرون بالفعل أن اليد المطاطية هي يدهم الحقيقية التي تخصهم.

الأمر كان مثيرًا أكثر من هذا، فالمشتركون شعروا بنوع من القوة المغناطيسية أو قوة المجال، في المنطقة بين الفرشاة وبين اليد المطاطية، وفقًا للدراسة. ولتوضيح الأمر بصورة أكثر قربًا، فما حدث هو أن المشاركين في التجربة شعروا بأن اليد الزائفة هي يدهم الحقيقية، بدون أن تلامسها أي فرشاة، ولكن فقط لأن الفرشاة مرت فوق هذه اليد، معنى هذا أن هناك مجالًا معينًا محيطًا بالإنسان، هو الذي جعله ينقل الإحساس إليه، كما لو أن اليد المطاطية هي اليد الحقيقية.

وقال أرفيد جوترستام، من معهد كارولينسكا والمؤلف المشارك في الدراسة، لمجلة نيو ساينتست، إنه يمكننا استخلاص وجود هذا الإحساس الغريب، من فكرة وجود شيء فعلي في الجو بين الفرشاة واليد المطاط. وقال عالم الأعصاب مايكل غرازيانو من جامعة برينستون، والذي لم يشارك في الدراسة الجديدة، ولكنه لديه أبحاث حول نفس هذا الموضوع، إن هذه النتائج تعد بمثابة امتداد للأبحاث التي جرت في تسعينيات القرن الماضي، والتي اقترحت أن الدماغ لديه آلية للتمييز والتعرف الفوري على الفضاء المحيط بجميع أنحاء جسم الإنسان.

وذكر غرازيانو في حديثه لموقع هافينغتون بوست، أن الفضاء المحيط بجسم الإنسان يجري معاملته كما لو كان قالبًا من الجيلي. طبقة سميكة من الفضاء المحيط بالجسم من جميع الأنحاء، والتي تتمدد وتنكمش وتلتوي حسبما تتحرك أطراف الجسم المختلفة.

وبالعودة للتجربة، فإن هذا التأثير الوهمي بدأ في التلاشى إذا ما قام الباحثون بضربات الفرشاة في الهواء على ارتفاع أعلى من 15 بوصة «حوالي 38 سنتيمترًا» فوق اليد المطاطية الزائفة. وبعبارة أخرى، فإن هذه الخمس عشرة بوصة تعتبر هي نطاق قوة المجال الخاصة بك، والتي تغلفك من جميع الجهات.

فضاؤك الشخصي

تحتوي أدمغتنا على خريطة عالية الدقة لأجسامنا. هناك بقع من الخلايا العصبية في دماغك، والتي تستجيب لأي لمس يحدث على أصابع قدميك، والخلايا العصبية المجاورة لها تستجيب للمس الذي يحدث على ساقك، وهكذا. ولكن هناك أيضًا مجموعات من الخلايا العصبية المسؤولة عن الاعتراف والتمييز الفوري للفضاء المحيط بجميع أنحاء الجسم، وهو ما يسمى الفضاء الشخصي أو «peripersonal
space».

مجال الطاقة

دراسات عديدة تحاول فهم مجال الطاقة المحيط بالإنسان


هذا الفضاء لديه العديد من الأهداف والأغراض، ولكن أهم وظيفة له تتمثل في الدفاع. فعملية التمثيل الموسعة لأجسامنا هذه في الدماغ، أو بكلمات أخرى، فإن فكرة أن أدمغتنا تعتقد بأن أجسادنا تمتد لمسافة أكثر مما هي موجودة عليها فعليًّا بشكل مادي، قد تساعدنا بسرعة على كشف اقتراب أي مخاطر محتملة. ويبدو أيضًا أن هذا المجال من الطاقة ضروري لقدرتنا على تحريك أطرافنا لالتقاط شيء ما دون الحاجة لأن نطرق أو نصطدم بالأشياء الأخرى المحيطة بنا، على سبيل المثال، فإن مجال الطاقة هذا يساعدنا على المشي من خلال الباب دون أن نصطدم بإطار الباب، أو يجعلنا نمشي وسط الحضور دون أن نصطدم بالناس المتزاحمة.

ويعود اكتشاف الفضاء الشخصي إلى الدراسات على الحيوانات التي أجراها غراتسيانو وزملاؤه في جامعة برينستون في أوائل تسعينيات القرن الماضي، وكان هذا الاكتشاف سارًا إلى حد ما.

يقول غراتسيانو إنهم كانوا يحاولون دراسة الخلايا العصبية الخاصة بالاستجابات البصرية في جزء مغمور وغامض من الدماغ يدعى «العائق»، أو «the claustrum»، ولكن «انتهى بنا الأمر باكتشاف إشارات عصبية أكثر إثارة وتشويق، في جزء مجاور يدعى العقد القاعدية (basal ganglia)».

في هذه اللحظة، تعثر الباحثون في نوع من الخلايا العصبية التي تستجيب لكل من اللمس والرؤية. فهذه الخلايا العصبية تصبح نشطة إذا لمست الجسم في منطقة معينة، أوعندما تقوم بنقل شيء مرئي في المنطقة من الفضاء القريبة من تلك المنطقة. وكان علماء آخرون وصفوا خلايا عصبية مماثلة في مناطق أخرى من الدماغ، وهو ما جعل الباحثون يتتبعون هذه التجارب.

يقول غراتسيانو إنه في ذلك الوقت، لم يكن هناك أحد يعرف وظيفة هذه الخلايا العصبية، وأضاف إن تجاربهم التي جرت في فترة مبكرة من القرن الحادي والعشرين، هي التي جعلتهم يدركون أن هذا المجال، وهذه الخلايا العصبية المرتبطة به مسؤولة في المقام الأول عن حماية الجسم. وذكر أنه عندما كانوا يحفزون كهربائيًّا تلك الخلايا العصبية، فإن هذا التحفيز ينتج عنه سلوك معقد ومتناسق، يمثل ردة فعل الانحناء السريع أو التملص أو العرقلة، وهي ردود الفعل اللا إرادية التي يقوم بها الإنسان عند تعرضه لخطر قريب من جسمه.

على سبيل المثال، إذا استجابت الخلايا العصبية هذه للمس الجانب الأيمن من الوجه، واستجابت أيضًا لمرأى الأشياء التي تلوح في الأفق نحو الجانب الأيمن من الوجه، ثم قمنا بعملية تحفيز كهربائي لتلك الخلايا العصبية، سيتسبب في حول الشخص، وتحويل الرأس نحو اليسار، وتكتل الكتف الأيمن، ورفع اليد اليمنى إلى وضعية الإعاقة بالقرب من الوجه، كل هذا لصد الخطر القادم من الناحية اليمنى للوجه. المذهل أن رد الفعل التلقائي هذا يمكن أن يقوم به الإنسان حتى تحت تأثير التخدير.

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!