كان الفقر وحده كفيلا بدفع مواطن عربي يائس يريد مالًا لبيع كليته أو جزء من كبده، إلى أن أصبحت النزاعات تقدم المزيد من الفرص لهذه التجارة، كالتجارة بالأعضاء البشرية للجرحى والشهداء والمعتقلين واللاجئين والفقراء.

بذلك تعززت هذه التجارة وسط فوضى وقصور لوائح وقوانين خاصة بالاتجار في الأعضاء البشرية، وفي ظل تطور العلم وسهولة زراعة معظم أعضاء الجسم البشري، تعاظم دور المافيات المحلية والدولية في الدول العربية التي تشهد نزاعات وصراعات لاستقطاب المزيد من الضحايا ودفعهم لبيع أعضائهم البشرية مقابل بضعة آلاف من الدولارات، ووصل الأمر لقيام تنظيمات وأنظمة بتوجيهها والوقوف وراءها.

ملف شائك، حاولت “ساسة بوست” الوقوف على حيثياته في خمس دول عربية صنفت كأسوأ دول فيها تجارة الأعضاء البشرية.

سوريا .. أنظمة وتنظيمات تنزع أعضاء البشر أحياءً وأمواتًا

أزمات كثيرة نالت من السوريين منذ منتصف 2011، عام الثورة السورية، واحدة منها هي تحول أجسادهم إلى سلع تباع، سواء كانوا مواطنين قابعين تحت حكم النظام السوري أو تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، أو حتى لاجئين يمرون إلى لبنان ومصر وتركيا.

لقد وصل عدد حالات الاتجار بالأعضاء البشرية الموثقة للسوريين بأكثر من 18 ألف حالة في أربع سنوات، كما يقول رئيس الهيئة العامة للطب الشرعي حسين نوفل، ويضيف: “حتى مطلع عام 2013، نقلت أعضاء 15600 شخص من أصل 62 ألف جريح عولجوا في دول الجوار”.

فيما يتعلق باللاجئين السوريين، بدأت جريمة بيع الأعضاء بإعلانات تنشر على صفحات التواصل الاجتماعي الخاصة بالهجرة، ووصل الأمر حتى تسمية الصفحات بـ “كلى للبيع” على موقع “فيس بوك”، الأمر لم يتوقف عند الكلى، فهناك من يبيع جزءًا من الكبد أو جزءًا من الرئة.

تقرير رسمي أصدرته منظمة “أونروا” التابعة للأمم المتحدة في مارس الماضي، يكشف أن معدل الفقر ارتفع لدى السوريين إلى 82.5%  في 2014، بعد أن كانت نسبة الفقر 64.8% في 2013، وذكر التقرير أن من نتائج هذا الوضع “ظهور العصابات المجرمة العابرة للحدود إلى حيز الوجود، وراحت تنخرط بالاتجار بالبشر”.

ما يميز الوضع السوري، هو وقوف عدة جهات وراء جرائم تجارة الأعضاء البشرية بالسوريين، فقد كشفت معلومات عن وقوف النظام السوري وراء عمليات بيع أعضاء لمعتقلين معارضين، وقال ناشطون إن: “سياسة بيع الأعضاء البشرية هي السبب الرئيسي وراء عمليات القتل الممنهج الذي يتعرض لها المعتقلون لدى النظام”، بعض الأطباء في مستشفيات واقعة تحت سيطرة النظام شاركوا في بيع الأعضاء البشرية للمعتقلين أو الشهداء، وكان هؤلاء على صلة مباشرة مع قادة في الأجهزة الأمنية السورية، هؤلاء تقاضوا مالًا كثيرًا نظير كل معتقل يتم نقله إلى المشافي العسكرية التي تقوم بعملية قتل المعتقل وتشريح جثته ونزع أعضائه.

أما ما كشفته صحيفة “ديلي ميل”البريطانية، فيشير إلى طرف خطير يعكف على التجارة بالأعضاء البشرية للسوريين والعراقيين وهو تنظيم “داعش”، وأوضحت الصحيفة: “إن “داعش” تمكن من ملء خزينة حربه التي تكلف مليوني دولار أمريكي سنويا من مجموعة متنوعة من المصادر الغامضة من بينها إنتاج النفط، والاتجار بالبشر وتهريب المخدرات”، وأكدت الصحيفة أن “داعش” يقوم بتجنيد أطباء أجانب لاستئصال الأعضاء الداخلية من المقتولين والرهائن الأحياء، بينهم أطفال من الأقليات في العراق وسوريا. بينما لم يتسن تأكيد الأمر من مصادر أخرى.

جهة أخرى اتهمت بالتورط في بيع أعضاء سوريين، كانت “حزب الله اللبناني”، إذ نقل معارضون سوريون أنه في إطار بحث الحزب عن مصادر لتمويل عملياته، تورط في تجارة أعضاء اللاجئين السوريين في لبنان. ويؤكد تقرير أمني أعده المركز المجلس الوطني السوري أن: “الضائقة المالية الشديدة التي يعيشها الحزب أوصلته إلى العمل بشكل سري جدًا بتجارة الأعضاء وبالأخص الكبد والكلية، مقابل خمسة آلاف دولار، لتباع بعدها بسعر تسعين ألف دولار في السوق الدولية”.

أما الطرف الأحدث المتورط في عمليات بيع الأعضاء البشرية لسوريين، فهم “دروز إسرائيل” الذين يعيشون في دولة الاحتلال المتقدمة جدًا في مجال زراعة الأعضاء البشرية، ويكشف موقع “واللا” العبري: “أن هناك إقبالًا من قبل الدروز على شراء أعضاء بشرية عن طريق أقاربهم في الجانب السوري من الحدود، يقومون بمهمة التواصل مع شبكات الاتجار بالأعضاء والمفاصلة على الأسعار، تأتي غالبًا من قتلى سقطوا في الحرب ولمقاتلين أجانب في صفوف تنظيم داعش أو في صفوف الفصائل التي يقاتلها”، ويذكر الموقع أن سعر القلب قد بلغ20.000$  دولار، والكلية15.000$  دولار، وقرنية العين7500$ دولار، وقد تصل أسعار أعضاء أخرى إلى سعر10.000$  دولار.

مصر .. من «أسوأ الدول» في الاتجار بالبشر

قبل عدة أشهر، شن مسؤولون مصريون حملة قوية لتفنيد ما جاء في تقرير أمريكي يفيد بانتشار جرائم الاتجار بالبشر بمصر، خاصة تجارة الأعضاء للمتسللين الأفارقة، وذلك خلال عام 2014.

لم يكن هذا التقرير الوحيد الذي يستفز الحكومة المصرية، فالتقرير السنوي لوزارة الخارجية الأمريكية عن حالة “الاتجار بالبشر” للعام 2015، أحدث رد فعل آخر عندما أظهر أن مصر في قائمة “أسوأ الدول” في الاتجار بالبشر.

ديسمبر الماضي، أعلنت أجهزة الأمن المصرية عن ضبط شبكة لتجارة الأعضاء البشرية، تتخذ من أحد المقاهي بوسط العاصمة القاهرة مقرًّا لإدارة عملياتها، عملت هذه الشبكة على استقطاب المصريين للتبرع بأعضائهم البشرية، وحددت سعر (الكلى) ما بين 20 و25  ألف جنيه.

حيل متعددة، تستخدم لسرقة الأعضاء منها، سرقة أعضاء المصريين الراغبين في السفر أثناء إجرائهم بعض الفحوصات الطبية بحجة التوظيف، ومنها خداع الفتيات المصريات بالزواج من أثرياء عرب، ويتم الطلاق عقب إجراء عملية الزرع، لذلك يعتبر الخبراء أن مصر تحولت لمركز رئيسي لتجارة الأعضاء البشرية، حيث أطلقت إحدى الدراسات على مصر لفظ (برازيل الشرق الأوسط)، تشبيهًا بالبرازيل التي تحتل المركز الأول في دول أمريكا اللاتينية في تجارة الأعضاء البشرية.

وفي عام 2013، أصدرت جامعة الإسكندرية دراسة سلطت الضوء على ظهور مافيا الاتجار في الأعضاء البشرية في مصر، وأظهرت الدراسة أن أسباب الظاهرة تعود إلى “حالة الفقر الشديدة التي يعاني منها الشعب المصري، ونقص التشريعات التي تجرم هذه التجارة المحرمة، وجود بعض الأطباء فرصة لتحقيق مكاسب مالية سهلة”.

صحيفة “نيويورك تايمز”، كشفت “إن مصر ضمن النقاط الساخنة في العالم لتجارة الأعضاء البشرية”، وخرجت الصحفية بهذه النتيجة خلال تحقيق حول الظاهرة في عدة دول بناء على وثائق دولية وشهادات خبراء.

اليمن ..الفقراء يبيعون

اليمن، هي تلك البيئة التي اجتمعت فيها عدة أسباب دفعت الناس لبيع أعضائهم بسهولة، يعانون من الفقر والجوع وصراعات داخلية وخارجية دفعت شبابًا لا تتجاوز أعمارهم العشرين عامًا وعاطلين عن العمل لبيع أعضائهم.

لقد كان لليمنيين تاريخ مبكر مع تجارة الأعضاء البشرية، ففي عام 2009 كُشف عن مافيا عربية للاتجار بالأعضاء البشرية تصطاد فقراء اليمن، وتفاقم الوضع حتى صنف تقرير الخارجية الأمريكية السنوي عن واقع تجارة الأعضاء (2014)، “اليمن ضمن أسوأ سبع دول عربية تشهد اتجارًا بأعضاء البشر على المستوى العالمي”.

سماسرة عرب ويمنيون يمارسون بيع وشراء الأعضاء البشرية من اليمنيين وسط بيئة قانونية وحكومية لا تحجمهم عن هذه الجرائم في الغالب، لقد وصل الأمر لخروج اليمنيين بواسطة العصابات المنظمة لبيع أعضائهم في عدة دول عربية، أبرزها مصر، ففي اعترافات لأحد المتورطين في عملية بيع الأعضاء، قال المتهم: “إن العملية أجريت في القاهرة التي ينقل إليها الضحايا عن طريق سماسرة في اليمن، الاعترافات أشارت إلى رصد 500 حالة موثقة لعملية الاتجار بالأعضاء البشرية معظمها كانت في مستشفى وادي النيل بحدائق القبة خلال العامين الماضيين”.

يقول رئيس المنظمة اليمنية لمكافحة الاتجار بالبشر، نبيل فاضل: “هناك سماسرة يمارسون بيع وشراء الأعضاء البشرية من أجل الحصول على مبالغ طائلة من دول عربية وأجنبية”، وذكر فاضل: “أن مستشفى كبير في منطقة حدائق القبة في العاصمة المصرية القاهرة، يقف وراء أكثر من %90 من عمليات نقل الأعضاء ليمنيين”.

يشار إلى أن الحكومة اليمنية في نهاية عام 2013، اتخذت إجراءات للحد من عملية الاتجار بالأعضاء البشرية، فصدرت قرارات إلى جميع المحاكم: “بعدم الموافقة على أي تنازل أو تبرّع يتعلّق بالأعضاء البشرية، إلا بعد موافقة وزارة الصحة العامة”.

العراق .. سماسرة في كل مكان

في العراق، تحولت عمليات الاتجار بالأعضاء البشرية إلى ظاهرة، تارة تجد السماسرة يسطون على جثث ضحايا التفجيرات كي ينتزعون أعضاءها البشرية، وتارة تتواجد المافيا أمام أبواب المستشفيات وفي التجمعات البشرية، وفي مرة ينتهز جار في مقعد المواصلات شكواك فيعرض عليك حل أزمتك نظير بيع الكلية.

إذا ما أردت بيع أو شراء كلية، ليس من الصعب أن تستدل على الأماكن التي تجد فيها ما تريد، وسيتم التعامل معك بأمان كبير، ففي العراق العصابات المتخصصة تتعامل بشكل منظم، وتختلف الأسعار حسب البائع والمشتري، يبدأ سعر الكلية على سبيل المثال من 5 آلاف دولار وصولًا إلى أكثر من 25 ألف دولار، وتتم عملية نقل الكلية في المستشفيات الخاصة.

لقد فاقمت البطالة والفقر من وضع العراقيين المعيشي ودفعوا إلى بيع أعضائهم البشرية، وأخذت المافيا تعمل بشكل كبير على جمع المرضى بالمتبرعين، والتنسيق مع الأطباء في عيادات خاصة، يقول مدير قسم الجريمة المنظمة في بغداد، العقيد حميد عباس: “إن وزارة الداخلية تمكنت منذ مطلع العام الجاري من تفكيك نحو 4 عصابات تقوم بمهمة بيع الكلى، هذه العصابات تقوم بتزوير هويات الأحوال المدنية للبائع والمشتري، ثم يقومون بعملية نقل الكلية في مستشفيات ببغداد أو أربيل، على أنها تبرع”.
لقد قدم السفير العراقي لدى الأمم المتحدة، محمد علي الحكيم في فبراير الماضي أدلة تثبت تورط تنظيم “الدولة الإسلامية” الذي يسيطر على مساحة 40٪ من العراق في الاتجار في الأعضاء البشرية بل واعتمادها على هذه التجارة كمصدر للدخل في العراق، وأكد أن هناك اتصالات تم التنصت عليها تؤكد أن التنظيم أظهر تلقي طلبات للحصول على أعضاء بشرية، يقول الحكيم: “إن الحكومة العراقية اكتشفت قبورا جماعية، بها جثث عليها شقوق على الظهر، وأن بعض الأعضاء كانت مفقودة، والمقصود هنا تلك الأجزاء التي تستخدم للتجارة، مثل: الكلى، القلب، الكبد”.

السودان ..معبر ومقر لتجارة الأعضاء البشرية

Thyroidectomy. Surgeon makes the initial incision, during a thyroid lobectomy. Sudan, Africa.

رغم أن الربيع العربي لم يمر من السودان، إلا ظروف الدول المحيطة بهذا البلد الإفريقي جعلت له نصيبًا وفيرًا من تجارة الأعضاء البشرية، فهو معبر للأشخاص القادمين من دول القرن الأفريقي بهدف الهجرة إلى الخليج أو أوروبا عن طريق ليبيا ومصر.

تجارة الأعضاء البشرية التي تقترن بعمليات تهريب البشر وجدت بيئة خصبة في السودان التي تعاني من واقع سياسي واقتصادي متدن، وضعف في التنسيق الأمني وفقدان للقوانين الرادعة، لذلك ضم التقرير الأمريكي حول الاتجار في البشر والأعضاء عام 2013 السودان إلى قائمته، وأشار التقرير إلى أن “نمو وتصاعد هذه التجارة في شرق السودان دون قوانين سودانية وطنية رادعة أو أجهزة فعالة للإمساك بهؤلاء المجرمين في ظل سكوت حكومي ولوبيات تجارية وسماسرة ونافذين يعملون في هذه التجارة”، بل وصل الأمر إلى تورط أجهزة أمنية سودانية ومسؤولين أمنيين في كل من إريتريا، السودان ومصر في تجارة البشر.

على سبيل المثال، في قرية عيدب القريبة من الحدود مع دولة إريتريا، أصبح عثور المواطنون السودانيون على جثث مجهولة الهوية وخالية من الأحشاء متكررًا خلال الأشهر الماضية، هذه الجثث تعود لمواطنين إريتريين، يقول الكاتب السوداني محجوب حسين إن: “جريمة الاتجار بالبشر والأعضاء البشرية، برزت بعد التدهور الذي عرفه إقليم شرق السودان، فتضاعفت مسألة الهجرة في منطقة شرق السودان وأصبحت قريبة من الفوضى بعدما وضعت الخرطوم الإقليم ضمن مناطق الفراغ الأمني وفيها استباحت إسرائيل المنطقة باعتداءاتها المتكررة دون رادع قانوني أو أمني، وفي ظل غياب الدولة ومؤسساتها الرقابية والأمنية لتفتح استثمارًا للبشر”.

وتابع يقول: “نشطت شركات التهريب عبر البحر والأرض لإسرائيل عبر صحراء سيناء وآخرين إلى اليمن والسعودية كما فرخت قراصنة على البحر، الإحصاءات تتحدث عن وفيات بالمئات في صحراء سيناء دون أسباب واضحة للوفاة وترجح تقارير أن عملية القتل تتم من طرف عصابات ومؤسسات وأطباء يعملون على استخراج أعضاء البشر ولا يعرف وجهتها المرسلة إليها”.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد