“يعاقب بالأحكام الشاقة المؤبدة والغرامة نصف مليون جنية كل من يطلب لنفسه أو لغيره أو قبل أو أخذ ولو بالواسطة من دولة أجنبية أو ممن يعملون لمصلحتها أو من شخص طبيعي أو اعتباري أو من منظمة محلية أو أجنبية أو أية جهة أخرى لا تتبع دولة أجنبية ولا تعمل لصالحها، أموالًا سائلة أو منقولة أو عتادًا أو آلات أو أسلحة أو ذخائر أو ما في حكمها أو أشياء أخرى أو وعد بشيء من ذلك بقصد ارتكاب عمل ضار بمصلحة قومية أو المساس باستقلال البلاد أو وحدتها أو سلامة أراضيها أو القيام بأعمال عدائية ضد مصر أو الإخلال بالأمن والسلم العام”.

 

هكذا صدر تعديل الرئيس عبد الفتاح السيسي – في ظل غياب لمجلس الشعب المصري – للمادة 78 من قانون العقوبات، ليكون التعديل بمثابة سيف على رقاب كل المنظمات الحقوقية في مصر.

ومع تعامل “مترقب” من الدولة والإعلام المصري تجاه منظمات حقوق الإنسان منذ ثورة الخامس والعشرين من يناير، وصدور قرارات تصل أحيانًا لعمل قائمة تضم العشرات من العاملين بمؤسسات حقوقية استعدادًا للقبض عليهم، أو للقبض بالفعل علي 18 من العاملين ببعض تلك المؤسسات الحقوقية.

فيجدر الإشارة لطبيعة عملهم ومن يقف خلفهم وما هي أهدافهم؟ وهل إجابات هذه الأسئلة هي فعلًا ما يشيعها الإعلام والنظام المصري عنهم؟

1) هل التمويل الأجنبي إدانة؟

قد تكون تلك هي التهمة الأولى التي يبدأ النظام والإعلام بها انتقادهم لمنظمات حقوق الإنسان. “ألستم تحصلون على أموالكم من أجانب؟”، وهنا نحن نقف أمام حقائق إنسانية فطرية نقاشها قد يكون عبثًا. فليس كل المنتمين لدولة يجلبون لها الخير، والأمثلة على الفسدة الذين قامت ضدهم ثورة يناير ما أكثرها، وعلى المتعاطفين المتضامنين الأجانب الذين تضامنوا مع قضايا عربية وإسلامية فقط لأن ولاءهم للقيم والمبادئ، لا يعد ولا يحصى، منهم راشيل كوري الأمريكية التي قتلتها جرافات الاحتلال عام 2003، أو فيتوريو أريغوني الصحفي الذي تم اغتياله في غزة عام 2011.

 

2) هؤلاء أفراد فماذا عن الدول؟

هؤلاء أفراد يمكن أن يتحلو بالبراءة وعدم الكره لأحد، لكن الدول التي تمول تلك المنظمات بالتأكيد لديها مصالح، وهنا يمكن لنا الحديث من خلال 3 أمور: أولها، عن عمل منظمات حقوق الإنسان، ففي النهاية ليس في استطاعة أية منظمة أكثر من مراقبة أداء الحكومة وحصول بعض من أفراد الشعب على حقوقه، ليس بإمكان منظمة حقوق إنسان مثلًا وفق عملها أن تضغط من أجل عقد اتفاقية ما أو العكس، ثم ثانيها، أن أكبر مشاكل حدثت لبلاد بسبب فساد أشخاص كان هؤلاء الأشخاص منتمين لحكومات تلك الدول لا لمنظمات عمل مدني، ثالثًا، أنه من الطبيعي الصراع بين الدول وسعي كل دولة لتحقيق مصالحها، لكن ما دام ذلك قيد السيطرة فالأمر طبيعي.

3) ماذا لو أمدوا دول العالم بمعلومات تضر بمصلحة البلد؟

لنتامل قليلًا جملة “معلومات تضر بمصلحة البلد”، ماذا ستكون تلك المعلومات؟ ومن أين يمكن الحصول عليها؟ هي على الأغلب معلومات عسكرية؟ فهل تمتلك أي من منظمات حقوق الإنسان طريقة للوصول أو متابعة للمؤسسات العسكرية؟ إن دور منظمات حقوق الإنسان لا يتخطى المتابعة والمراقبة والإحصاء. متابعة للأخبار والأحداث من خلال المواقع والقنوات التي تقول كل شيء تقريبًا، مراقبة للوضع الحقوقي ودرجة تقدمه أو تدهوره، وإحصاء يحدث أحيانًا باستطلاعات رأي كتلك التي يقوم بها أي باحث في الجامعات المصرية أثناء تحضيره لدراسات عليا. إذًا فهي غير ممتلكة لمعلومات خطرة على الأمن القومي بالأساس.

4) تشويه سمعة البلد

“ليس علينا نشر غسيلنا القذر” تلك أحد الافتراضيات أو المداخل التي يهاجم بها الإعلام منظمات حقوق الإنسان، فليس علينا تشويه بلدنا بنشر تلك الأخبار السيئة في العالم، وهو منطق مختل للغاية، بدايةً من سؤال يمكننا سؤاله هنا حول من – هكذا – المشوه الأكبر للبلد؟ من يفسد ويعتقل دون سبب ويحرم الناس من حقوقهم أم من يراقب ذلك ويفرض سلطة على مرتكبيه بإمكانية إيصاله للإعلام؟

5) الأصل في العمل الأهلي أن يكون تطوعيًا؟ فلماذا يحصلون على تمويل؟

وتلك حقيقة بالفعل، حيث العمل الأهلي معتمد في أساسه على خدمة الناس والتضحية بالوقت والجهد والمال من أجل المبادئ، لكن لو نظرنا للموضوع برؤية أشمل فهذا قد يبدو مستحيلًا، حيث يمكن للبشر التطوع ببعض من وقتهم، بجزء من أموالهم، بشيء من جهدهم، لكن ليس كل وقتهم وجهدهم وأموالهم، هذا يعد مستحيلًا وفق متطلبات الحياة، فالمحامي الذي سيتفرغ للدفاع عن المعتقلين متزوج ولديه أطفال ويحتاج أموالًا للإنفاق عليهم. لكن وعلى مستوى آخر يمكن القول بتحقق ذلك المبدأ من ناحيتين، الأولى هي عدم استهداف تلك المظمات الربح، فقط تغطية نفقاتها ونفقات العاملين الدائمين بها، والثانية أن مرتبات العاملين بتلك المؤسسات أقل كثيرًا مما يقابلها في أي نشاط ربحي.

6) من يمول تلك المنظمات؟

أ) حكومات الدول: بعض الدول لديها هيئات أو وزارات مختصة بذلك الأمر، كهيئة التنمية الدولية السويدية، الهيئة الأسترالية للتنمية الدولية، والوكالة الأمريكية للتنمية.

ب) منظمات حكومية دولية: وهي منظمات جامعة للدولة كالبنك الدولي، الأمم المتحدة، الأوبك، الاتحاد الأوروبي.

ج) منظمات خاصة: وهي منظمات تتبع عدة أشخاص وليس حكومات، مثل منظمة فورد، معهد المجتمع الدولي، مؤسسة فريدريش ايبرت.

د) منظمات دينية: منظمة الإغاثة الإسلامية، وكاريتاس.

ه) أفراد: يتبرعون مباشرة.

بل أن أحيانًا يذهب التمويل للحكومة مباشرة لمحاربة الفقر أو المرض، ويكون دور المنظمة الحقوقية في مصر – بعد اتفاق مع المنظمة الدولية المانحة – هو المراقبة وإرسال التقارير للتأكد من تنفيذ المشروعات دون شبهة فساد.

 

7) لماذا يتبرعون بتلك الأموال لنا؟

الدوافع كثيرة إذا فكرنا في هذا الأمر بدقة، لكن يمكننا تفصيلها في تلك الأمور:

أ) التعاطف الإنساني المجرد: سهّل الإعلام الحديث نقل صور المعاناة في أي من دول العالم للجميع، لذلك مع أي حادثة كبيرة تحدث كزلزل أو مجاعة تجد التضامن من الجميع مهما اختلفت لغاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، فنجد مصر مثلًا قد أرسلت تبرعات للصومال أثناء فترة الحرب والجفاف هناك، وأرسلت لغزة أثناء حروبها مع الكيان الصهيوني.

ب) الدوافع الدينية: الزكاة في الإسلام، والعشور في المسيحية. تلك فروض دينية في الديانتين يؤديها الأفراد المتدينون. والوقف الإسلامي منذ القدم وهو طريقة لعمل الأمور الخيرية، ونجد مثلا “مؤسسة مصطفى محمود” الإسلامية في مصر معتمدة على أموال الصدقات.

ج) دوافع فكرية: إيمانك بقضية ما قد يجعلك تبذل لها شيئًا ما، ومن هذه الأشياء التبرع بالمال، وذلك لإيمانك بنشر ذلك الفكر الذي سيساهم في الإصلاح، سواء تلك الأفكار حول حقوق المرأة، أو إيقاف التعذيب، أو حتى حماية دب الباندا.

د) دوافع سياسية: على الأغلب في الاستجابة لتلك الدوافع يكون التمويل للدول وحكومتها مباشرةً، لكن أحيانًا يكون أيضًا لمنظمات العمل المدني، أولًا بغية الوصول بالخدمة لبشر أكثر، ثانيًا لعلاج حقيقي لأمر قد يضر الدول المانحة إذا لم ينصلح الحال في تلك الدول، مثل مرض الإيدز الذي بدأ في أفريقيا وانتشر للعالم كله بعدها، أو تحسين مستوي المعيشة لتقليل الهجرة غير الشرعية من أهل تلك البلاد. لكن من المؤكد أن بعض الدول الكبري قد تستخدم تلك المنح للحصول على تسهيلات وفوائد، كعقد صفقة اقتصادية أو تنازل سياسي من الدولة التي ستقبل المنحة.

 

8) لماذا لا يحصلون على تمويلهم من منح المصريين الأغنياء؟

“أليس هناك أغنياء مصريون كُثر؟ لماذا لا تحصلون منهم على ما تريدون؟” ذلك منطق السائلين غالبًا، وهو ما يُرد عليه بأكثر من نقطة:

1- أغلب ممتلكي الأموال في مصر منتمون للسلطة. 2- غير المنتمين للسلطة منهم يخشون بتمويلهم لمؤسسات تراقب أخطاء الحكومة أن يصبحوا من المغضوب عليهم من قبل السلطة. 3- عدم ترسخ وشيوع ثقافة “حقوق الإنسان” في مصر، حيث أغلب المتبرعين يرون أن التبرع لمسجد أو مدرسة أو مستشفى أفضل، ويغيب عنهم أن المساجد ما أكثرها، وأن تعليم شخص أو علاجه مجرد حل مؤقت لن يوقف أزمة الفساد المنتجة لآلاف المرضى والجهلاء في البلد.

 

9) لم يكن هناك تمويل أو منظمات أجنبية قديمًا؟

يبدو ذلك صحيحًا، فالعمل الأهلي يمر بمرحلة متقدمة حاليًا، لكن هذا لا يمنع أن العمل الأهلي في مصر بدأ منذ أكثر من 180 سنة بتأسيس الجمعية اليونانية في الإسكندرية، وجامعة القاهرة تم إنشاؤها بتمويل وتضافر جهود الجمعيات الأهلية لا بأموال الحكومة، فكان لهذه الجمعيات نشاط كبير حتى جاء عبد الناصر الذي قيد الحريات والمشاركة السياسية، وأصدر قرارًا بحل كل الجمعيات الأهلية ثم قانونًا لتقييد عملها.

ويعود العمل الأهلي في السبعينات مع فشل التجربة الاشتراكية، واقتناع السادات بالرأسمالية وانسحاب الدولة من تقديم الخدمات للمواطنين وتقوم الجمعيات الأهلية بدور الدولة. ويصل عدد الجمعيات الأهلية حاليًا لأكثر من 40 ألف جمعية.

وأما عن المنظمات الحقوقية تحديدًا، فقد ظهرت مع تدهور الحال السياسي، وتفاقم القمع والاستبداد، تحديدًا ظهرت أول منظمة حقوقية في مصرعام 1985، وليصل عدد منظمات حقوق الإنسان حاليًا قرابة 150 منظمة.

 

10) لماذا الحديث عن منظمات حقوق الإنسان أكثر من غيرها من المنظمات الأهلية؟

هناك ثلاث أنواع من المنظمات الأهلية: 1- منظمات الخدمات والجمعيات الخيرية (تعمل على الإفادة المباشرة، شخص جوعان لنعطيه طعامًا يأكله) 2- منظمات تنموية (وهي متبعه للمثل الصيني علمه الصيد ولا تعطه سمكة، فتحاول إفادة المجتمع بشكل أكبر) 3- منظمات حقوق الإنسان (تلك المعارضة المتابعة المؤرقة للحكومات المستبدة، وهي مستوعبة أنه ليس هناك تغيير جذري سيحدث بدون تغير في نظام الحكم).

وعادةً لا يكون للحكومات مشكلة مع أول نوعين من الجمعيات الأهلية، بل العكس، فتلك المنظمات تخفف من أعباء الحكومة، أما منظمات حقوق الإنسان فتوعي المجتمع والبشر بحقوقهم وتساعدهم في الحصول عليها، لذلك تلقى معارضة وحملات تشويه من الحكومة والإعلام التابع لها.

 

11) من يحاسب تلك المؤسسات الحقوقية؟

“ألا يمكن لهذه المنظمات أن تخطئ؟”، “أليس الطبيعي أن يوجد مراقب عليها؟”، “من يتولى تلك الرقابة؟”. وتلك أسئلة منطقية، بل هناك بالفعل الكثير من المشاكل التي يمكننا سؤال تلك المنظمات عنها، مثل لماذا أغلب تلك المؤسسات يتركز عملها في محافظات كالقاهرة والإسكندرية فقط بعيدًا عن المحافظات؟ قد تعتمد تلك المنظمات على نخبة من المتعلمين بحكم ما تستهدفه من عمل، لكن لماذا تلك المنظمات منغلقة وليس هناك قابلية للتطوع فيها؟ ماذا عن الشفافية، وهل كل ما تحصل عليه من أموال ينفق في الطرق الصحيحة المطلوبة؟ هل هناك ديمقراطية داخلية، ويمكن محاسبة مدير أي منظمة من خلال العاملين بها، أم “حرية الفرد وحقوقة” مجرد شعارات في المنظمة؟

لذلك كله يجب وجود قانون ينظم عملها ويتيح الرقابة عليها، لكن قانون عادل لا يهدف تقيد تلك المنظمات وتقليل عملها ودفاعها عن حقوق الإنسان.

 

اعتمد هذا التقريربشكل أساسي على  كتيب من منشورات المبادرة المصرية للحقوق الشخصية من إعداد د. راجية الجرزاوي

 

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد