القرابين البشرية أو التضحية بالبشر تقربًا إلى الإله، فكرة قديمة قدم الوجود الإنساني تقريبًا. ويكاد الأمر أن يكون جزءً أصيلًا من ثقافات وعادات عدد من الشعوب على مر الأزمان. في اليابان مثلًا، يُقال إنّ التضحية بامرأة، وإلقائها في نهر متسارع، من شأنه تهدئة روح النهر وجعله أكثر هدوءً، ما يسمح ببناء الجسور عليه، والمرور الآمن للقوارب.

في مصر الفرعونية، كان لابد من التضحية بامرأة شابة سنويًا، بإلقائها في نهر النيل؛ أولًا ليفيض النهر في موعده، وثانيًا لاتقاء شرور الفيضان المدمر أحيانًا. وفي مصر أيضًا، قام الفراعنة بدفن عشرات الموظفين التابعين للفرعون مباشرةً، معه حين وفاته؛ كي يخدموه في العالم الآخر.

وتقول الأسطورة اليونانية: «إن الملك المُحارب أجاممنون، قرر قتل ابنته، والتضحية بها؛ من أجل الحصور على رياح مواتية للسفن المتجهة لمحاربة طروادة». وفي أوروبا، عُثر على جثث مدفونة في المستنقعات، في جميع أنحاء القارة؛ كهدايا فاخرة للملوك. وقامت الحضارات الكبرى في منطقة أمريكا الوسطى بقتل أناس وإتلاف طعامهم، وإغراق ثرواتهم؛ كنوع من دفع الديْن للآلهة. هذه وغيرها نماذج عديدة لعمليات التضحية بالبشر في مناطق مختلفة من العالم القديم.

القرابين البشرية أفعال خير لأغراضٍ طبقية

في العديد من مجتمعات ما قبل الحداثة، كانت طقوس تقديم القرابين البشرية، مموضعة في إطار الضرورة الحياتية؛ لجلب الخير إلى المجتمع، سواءً في حالتي الحرب أو السلم، لكن ـ ربما ـ كانت هناك دوافع اُخرى للكهنة والحكام الذين أباحوا، بل فرضوا تلك القرابين، وهذا ما أشارت إليه دراسة حديثة.

كشف تحليل لأكثر من 17 ثقافة مختلفة أن ممارسة تقاديم القرابين البشرية، تميل إلى جعل المجتمعات أقل مساواة، بصورة متزايدة، وتتسبب في تضخم الهوة بين بعض الفئات المجتمعية. وفي النهاية أدت هذه الطقوس إلى أنظمة طبقية صارمة، بعابرة أخرى، فإن طقوس تقديم القرابين البشرية هذه، ساعدت في الحفاظ على مكانة السلطة في المقدمة، وقوتها، وجعل البقية في مُؤخرة الهرم الاجتماعي!

القرابين البشرية

حضارة الأزتك وتقديم القرابين البشرية

 

النتيجة البديهية

يقول الباحثون في دراستهم المنشورة على مجلة «نيتشرNature»: إن هذه النتيجة تبدو بديهية؛ إذ إنّ المجتمعات التي اعتادت تقديم القرابين البشرية، غالبًا ما تُقدّر بعض الأرواح البشرية على حساب أرواحٍ أُخرى لا تلقي لها بالًا»، لكن على ما يبدو، فإن للأمر آثار أوسع؛ إذ يُرجح وجود صلة أكثر قتامة بين الدين من هذا المنطلق، وبين تطور المجتمعات الهرمية الحديثة؛ فبحسب الباحثين: إن طقوس القتل تلك ساعدت البشرية القديمة على الانتقال من المجموعات الصغيرة المتساوية إلى المجتمعات الكبيرة المتمايزة طبقيًا.

وقد وضع عدد كبير من علماء الاجتماع نظريات حول هذه الرابطة، لكن دون دراسة صارمة ومحددة، تُبيّن كيف تحول الأمر على مر العصور، وصولًا إلى الشكل الذي نحياه اليوم. العلماء الذي نشروا دراستهم بمجلة نيتشر، استخدموا «تحليل النشوء والتطور»، وهي أداة كانت في الأصل تستخدم لرسم شجرة العائلة التطورية، كما يمكن أن تستخدم من قبل علماء الاجتماع لدراسة تطور اللغات.

هؤلاء العلماء استخدموا هذه الأداة، لرسم خريطة للعلاقات بين 93 حضارة قاموا بفحصها. هذا الأمر سمح لهم أن يروا ما إذا كانت الصفات التي يبحثون عنها قد وُرّثت أو اعتمدت على ثقافات أخرى. كما ساعدت هذه الوسيلة أيضًا في تحديد العلاقة السببية بين القرابين البشرية وبين الطبقية في المجتمع.

يذكر أن نفس العلماء كانوا قد استخدموا نفس الأداة في بحث آخر العام الماضي، تحدث عن العلاقة بين الإيمان بالعقاب الإلهي، ونشأة وتطور التعقيدات السياسية.

 

القرابين البشرية

التضحية بطفل في أعقاب فيضان أحد الأنهار

مجتمعات دراسة القرابين البشرية

هذه الدراسة، ركزت جهودها على بحث الثقافات المنحدرة من مجتمع المحيط الهادي، التي نشأت أساسًا في تايوان، قبل أن تنتشر عبر المحيط جنوبًا وصولًا إلى نيوزيلندا، وشرقًا حتى جزيرة إيستر. وتنوعت مجموعة الدراسة بشكل كبير، لتشمل كلًا من المجتمعات الصغيرة، القائمة على الأسرة، والمساواة، في إحدى جزر الفلبين، وكذا المجموعات الضخمة الموجودة في جزر هاواي، التي كانت موطنًا لمجتمعات معقدة التركيب، لها عائلات مالكة، وبها عبيد، ويزداد تعداد سُكانها عن 100 ألف نسمة، ونشأت بينهم صراعات مُختلفة.

واعتمادًا على الحسابات التاريخية والإثنية، فقد صنف الباحثون الثقافات، موضع الدراسة، وفقًا لمستواهم الطبقي، وحددوا المجتمعات بينها، التي مارست طقوس تقديم القرابين البشرية. وقد اختلفت الدوافع وطرق القتل في هذه الطقوس، فقال الباحثون: إنه بالإمكان، أن يُطلب تقديم قربان بشري، من أجل موت قائد ما، أو من أجل بناء منزل، أو لبداية الحرب، أو للتضرع بغية وقف وباء ما. كذلك اختلفت طرق القتل، ما بين الخنق والإغراق والتحطيم والإحراق والدفن والسحق.

لكن الصلة والرابط بين تقديم القرابين البشرية، وبين التسلسلات الهرمية الاجتماعية، لم تنظر كثيرًا للدوافع أو للطريقة، فالقرابين البشرية،غالبًا ما كانت من طبقات اجتماعية أدنى. وأوضحت الدراسة، أنه كلما كانت ثقافة المجتمع أكثر طبقية، كلما كانت طقوس التضحية بالبشر أكثر انتشارًا فيه.

ومن بين الـ20 مجتمع التي تتميز بالمساواة، التي درسها الباحثون، وهي تلك المجتمعات التي لم تسمح بتوريث الثروة، أو المكانة، بين الأجيال- فإن 25% منها، مارست طقوس تقديم القرابين البشرية، وعلى النقيض من ذلك، فإن 37% من الـ46 مجتمع ذات الطبقية المتوسطة، حيث يُسمح بتوريث الثروة والمكانة بين الأجيال، لم تكن هناك رابطة قوية بين تقديم القرابين البشرية وبين الاختلافات الطبقية الواضحة.

وبين الـ27 ثقافة ذات الطبقية العالية والواضحة التي درسها الباحثون، حيث الفوارق الاجتماعية الطبقية يتم توريثها بشكل صارم، مع وجود فرصة ضئيلة للحراك الاجتماعي، فقد وصلت فيها نسبة ممارسة طقوس تقديم القرابين البشرية، إلى نسبة مذهلة تقدر بحوالي 65%.

القرابين البشرية

النساء من أبرز الفئات اللاتي مُورس بحقهن طقوس القرابين البشرية

الطبقية نتيجة وليست سببًا لتقديم القرابين البشرية

وأوضحت أشجار النشأة والتطور، التي درسها العلماء، أن طقوس تقديم القرابين البشرية، تميل إلى أن تسبق نشأة الهرمية الاجتماعية في المجتمع. وبمجرد نشأة الطبقية في هذا المجتمع، فإن القرابين البشرية ساهمت في تقويته وتثبيته. وقد كان من الصعب للغاية بالنسبة لثقافة طبقية، أن تعود إلى المساواة مرة أخرى.

هذا الاكتشاف الهام، يدعم فرضية الرقابة الاجتماعية «social control hypothesis». ففكرة التضحية بالبشر، هي وسيلة لترويع الناس وإرهابهم، للحصول على خضوعهم، والسماح للقادة الدينيين والسياسيين (في كثير من الثقافات كان كلاهما نفس الأشخاص) بإصدار أوامر قتلٍ؛ لتوطيد سلطتهم دون معارضة.

جوزيف واتس، رئيس فريق الباحثين، أوضح أن طقوس القرابين البشرية ليست مجرد عملية قتلٍ بكفاءة، وإنما هي أكثر بكثير من ذلك؛ فبحسبه: غالبًا ما تحدث تلك الطقوس في أجواء مراسمية، يُستغل فيها مظهر الدماء، هذا الأمر، غالبًا ما يأتي في ظل «إرهابٍ، وشكل مسرحي، في أقصى درجاته الممكنة».

وأوضحت الدراسة كذلك، أن طقوس القرابين البشرية هذه، تمثل حجر البداية في جدار كبير أنشئ لاحقًا، يسمى الطبقية الاجتماعية، للمساعدة في الوصول إلى أنماط السلطة المطلقة. وبمجرد الوصول إلى هذه السلطة، يُمكن للنخب الحاكمة في المجتمع، استخدام وسائل تقليدية لتثبيت أركان سلطتهم، وفرض مزيد من الضرائب والرسوم.

عرض التعليقات
تحميل المزيد