تُعدّ حدائق الحيوانات في جميع أنحاء العالم سِمة أساسية في المدن الكبرى، يزورها آلاف الأشخاص لرؤية الحيوانات التي لا توجد سوى في مناطق نائية بالعالم، إلا أن نشأة حدائق الحيوانات في أوروبا لم تكن يومًا شبيهة بتلك التي نراها اليوم. عندما اكتشف الأوروبيين الحيوانات المذهلة في آسيا والعالم الجديد، أسّسوا حدائق كبيرة ليعرضوا على الناس ما قد رأوه في رحلاتهم؛ إلا أن تلك الحدائق لم تكن للحيوانات وحدها، فخِلال القرن التاسع عشر وحتى القرن العشرين، عُرِضت أصناف من البشر، أحيانًا مأسورين في أقفاصٍ كبيرة، وأتى الزوّار الأوروبيّون من كل حدبٍ وصوب لرؤية هذه «الأصناف الجديدة» من السلالات البشرية، والتي غالبًا ما كانت سلالات أفريقية وآسيوية؛ وسميت هذه الحدائق: «حديقة الحيوان البشرية»، وكان لها جمهور ضخم في أنحاء أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية.

 

وعلى الرغم من أن حدائق الحيوان البشرية قد اختفت عن الأنظار منذ النصف الثاني من القرن العشرين؛ إلا أنّه وفي عام 2012 نُشرت بعض الحقائق المفزعة التي تشير إلى نشأة نوع جديد من الممارسات العنصرية ضد الأعراق والسلالات البشرية الأفريقية والآسيوية، وذلك عن طريق انتشار ما أطلق عليه مُصطلح «سفاري البشر»، والذي تمت الإشارة إليه على أنه استبدال لفكرة حدائق الحيوانات البشرية في القرن الفائت.

«سفاري البشر».. عنصرية القرن الحادي والعشرين

تشير التقارير الخاصة بمنظمة «Survival international»، إلى أن أحد سكان قبيلة «جاراوا» المنعزلة قد فقد ذراعه نتيجة لتعامل السائحين معهم بعنصرية؛ إذ القَوْا الطعام عليه من سيارة متحركة، وقد أصدرت المحكمة الهندية أمرًا قضائيًا بغلق الطريق المؤدي إلى الجزيرة عام 2002، إلا أن الطريق ظل مفتوحًا أمام الزائرين من السياح.

كانت جزر أندامان الهندية هي التي فجرت مفاجأة عام 2012 عن وجود نوع من السفاري البشرية حيث يدفع مئات السياح مقابلًا ماديًا للذهاب إلى قبيلة «جاراوا» المنعزلة؛ وذلك من أجل مشاهدة البشر هناك. فيقول عن ذلك أحد السائحين: «كانت الرحلة وسط المحمية القبلية تشبه رحلات السفاري وسط الغابات الكثيفة الممطرة، والحيوانات البرية»، إلا أنها كانت لمشاهدة سكان القبيلة.

وعلى الرغم من انتهاء عصر حدائق الحيوانات البشرية باعتبارها نوعًا مقيتًا من العنصرية والاتجار بالبشر، ونقطة سوداء في تاريخ أوروبا ودول الغرب تشير بعض التقارير إلى أن عصر الحدائق البشرية لم ينته حقًا؛ إذ يتم تصنيف بعض رحلات السفاري الحالية في المدن الأفريقية والآسيوية، والهوس بزيارة القبائل المنعزلة والبدائية، بأنها استعراض لحياة البشر تمامًا كالحدائق البشرية التي انتشرت في القرن العشرين والتاسع عشر؛ إذ تسمح بعض الحكومات للزوار من السائحين بمراقبة الحياة اليومية للقبائل، بالإضافة إلى أنّ سلوك سكان بعض القبائل يستعرض مظاهر الاحتفالات وغيرها من الطقوس للترفيه عن السائحين، وهو ما أشارت إليه صحيفة «الجارديان» البريطانية من خلال فيديو تم نشره يوضح تورط الحكومة الهندية في مجال «سفاري البشر»، والتي تشبه السفاري الخاصة بمشاهدة الحيوانات في المناطق النائية، إلا أنها لمتابعة سلوك سكان القبائل.

كان الفيديو عبارة عن استعراض لبعض فتيات القبيلة، يرقصن نصف عاريات من الخصر إلى أعلى أمام الكاميرات مقابل الحصول على بعض الطعام، وأشارت التقارير إلى أن هناك أكثر من ثلث مليون شخص يزور الجزيرة سنويًا لالتقاط لمحة عن سكانه، أو أخذ صورة بجانب سلالة بدائية من البشر، وهو الأمر الذي أدى إلى إدانة الحكومة الهندية والتي تدير حافلة سياحية يومية عبر المحمية الطبيعية، وتقدم إلى السائحين فرصة رؤية السكان الأصليين في بيئتهم الطبيعية، مع وضع بعض التحذيرات كان أحدها هو تصوير السكان.

والخطر الكامن حقًا، ليس فقط في الممارسات العنصرية التي تتعرض لها القبيلة المنعزلة، بل في التهديد بانقراضها وذلك لضعف مناعة السكان الأصليين، الذين ينفتحون الآن على الغرباء والأمراض الشائعة التي لم يعهدوها من قبل.

هكذا استخدمت أوروبا الإنجيل لتبرير احتقار الرجل الأسود

تاريخ الحدائق البشرية.. أوروبا الاستعمارية وبداية استعراض حياة البشر

في أقصى جزء من غابات فينسين بباريس، سنجد بقايا ما كان يومًا معرضًا عامًا للترويج للاستعمار الفرنسي، منذ ما يقرب من 100 عام، والتي يُطلق عليها اليوم ما عُرف باسم «حديقة حيوانات بشرية»، والتي تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر، حيث امتلكت فرنسا أراضي زراعية مخصصة لزراعة النباتات في إمبراطوريتها الشاسعة، والتي امتدت إلى مدغشقر، والهند الصينية، والسودان، والكونغو، والمغرب العربي، وفي أواخر القرن التاسع عشر، أصبحت الحدائق البشرية جزءًا من دخل فرنسا الاستعماري؛ إذ استضافت في العاصمة باريس قُرى كاملة، وقامت ببناء منشآت مشابهة لتلك التي في المستعمرات لعرض الحياة كما كانت هناك، ومن ثم تأتي الجماهير لتشاهد بنفسها أطيافًا مختلفة من البشر وكيف يعيشون، دون الحاجة للسفر إلى الخارج.

 

حدائق الحيوان البشرية

حدائق الحيوانات البشرية – المصدر ويكيبيديا

وفي عام 1907 قام الفرنسيون حينها ببناء ست قرى داخل حديقة سميت «حديقة الزراعة الاستوائية» (Jardin d’Agronomie Tropicale)، والتي مثّلت أجزاءًا من الإمبراطورية الفرنسية الاستعمارية في ذلك الوقت، وبُنِيت القرى بنفس الشكل الذي كانت عليه في بلدانها الأصلية، وجُلب بشر من بلدانهم البعيدة لتقليد الحياة كما عاشوها، بما في ذلك الهندسة المعمارية والزراعة. كانت كل قرية مأهولة بالسكان الأصليين من مناطق مختلفة بالإمبراطورية الفرنسية، يشاركون كمؤديين يرتدون ملابسهم الأصلية من بلدتهم الأم، وهو ما أدّى إلى تدفّق الجمهور بلا توقف على تلك القرى، إلا أنها في الوقت ذاته لم تقم بحمايتهم من ظروف المعيشة الرهيبة، ولا من الأمراض الخارجية، كما قتل البرد العشرات منهم، وكان يتمّ دفنهم في الحدائق ذاتها.

 

كانت البداية عام 1906، حين قامت الدولة الفرنسية ببناءٍ مقلد لقرية في الكونغو، وذلك في مدينة مارسيليا الفرنسية، كجزءٍ من معرض استعماري، وجُلب الأسرى من الكونغو للعمل في هذا البناء، وفي عام 1907 وبعد أن افتُتحت الحديقة الاستوائية، استُضيفت قرى كاملة من مختلف العالم، وكان من المفترض أن يعود العمّال إلى وطنهم سالمين بعد أن تنقضي مدّة قدرها أربعة شهور، إلا أن المصادر لم تستطع أن تعرف إن كانوا قد عادوا فعلًا إلى أوطانهم أم لا؛ إذ إن بعضهم قد جرى تضليله من قبل وكلائهم، وذلك للانضمام إلى فرق تشبه السيرك في جولاتٍ دولية من مارسيليا إلى نيويورك، والبعض الآخر لقي حتفه نتيجة لأمراضٍ لم تكن معروفة لديهم مثل السُل والحصبة والجدري.

 

اليوم تعتبر هذه الحدائق جزءً من التاريخ الذي تود فرنسا نسيانه، ورغم أنّ هذه الحدائق أُهملت إلا أن جدران المباني المتعفّنة والدهان الأحمر الباهت والرواق المستوحى من الطراز الآسيوي مازال باقيًا، وجرى فتحه للجمهور عام 2006، كأطلال زمنٍ فائت. وتشير التقديرات إلى أنه بين عامي 1870 وثلاثينات القرن الماضي، زار أكثر من مليار ونصف شخص مختلف المعارض البشرية حول العالم، وعلى الرغم من أن فرنسا تدّعي استضافة هذه القرى ودفع رواتب للمؤدين، إلا أن هؤلاء الأسرى قد تعرضوا للقمع والاستغلال والتمييز؛ لم يكونوا يومًا ضيوفًا، بل وجوهًا مجهولة وغريبة ككائناتٍ فضائية على الجانب الآخر من السياج.

 

وخلال القرن العشرين غادر أكثر من 35 ألف شخص أوطانهم، كانوا بين رجالٍ ونساءٍ وأطفال ليشاركوا في تلك المظاهر الغريبة التي عقدت في المدن الكبرى لأوروبا الإمبريالية مثل لندن وباريس وبرلين. عائلات كاملة تم سحبها من بلدانها الأصلية ووضعها في في أشباه قرى، وتم حثّهم على عمل برنامج تمثيلي للمشاهدين، يُظهر قوّة الغرب على مستعمراته، وكان الرجال الأوروبيين يتذوقون النساء الأفريقيات العرايا – على حد تعبيرهم – ويستمتعون بإعادة تمثيل الحياة البدائية داخل أوروبا المتقدمة.

هكذا حاول «الرجل الأبيض» استخدام العلم لتحقير الأعراق الأخرى واضطهادها

الولايات المتحدة الأمريكية شاركت في حدائق الحيوانات البشرية

لم تكن حدائق الحيوان البشرية قاصرة فقط على المدن الأوروبية، بل تورّطت أمريكا الشمالية في هذه الممارسات العنصريّة، فأنشأت حديقة خاصة بها عام 1904 في ولاية ميسوري، أطلق عليها «معرض سانت لويس العالمي»، وذلك تماشيًا مع المعارض – الحدائق – البشرية الأخرى في العالم، واحتفالًا بشراء الولايات المتحدة لأقليم لويزيانا من الحكومة الفرنسية مقابل مليون فرنك، وهو ما وصفه البعض بأفضل صفقة بيع في التاريخ الأمريكي، ولم يكن هذا المعرض محصورًا فقط على العروض الترفيهية، بل اتخذوه فرصة للترويج إلى منتجاتهم الصناعية، وإثبات أن الولايات المتحدة في طليعة الدول الصناعية.

حضر هذا المعرض العالمي أكثر من 20 مليون شخص، جاؤوا إلى سانت لويس لرؤية الكهرباء للمرة الأولى، وللاستماع إلى أول هاتف عقب صنعه، وبالأخص لرؤية 3 آلاف فرد «متوحش» من قبائل أفريقية وآسيوية، إضافةً إلى بعض سكّان الأمريكتين الأصليين.

حدائق الحيوان البشرية


المصدر: ويكيبيديا

كان العالم الغربي حينذاك متعطشًا لرؤية الشعوب «المتوحشة البدائية» التي وصفها المستكشفين والرحالة؛ تلك الشعوب التي تم استعمارها من قبل القوى العظمى في العالم لاستغلال مواردها، إلا أن الأمر لم يتوقف عند استنزاف ثروات البلاد، بل وصل الأمر إلى جلب الآلاف من أفراد الشعوب الأصلية من أفريقيا وآسيا إلى الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، وذلك بطرقٍ مريبة، ليصبحوا شبه أسرى داخل حدائق حيوانات بشرية. أُجبر هؤلاء الرجال والنساء والأطفال على عمل أداء يحاكي طريقة معيشتهم البدائية للجماهير الأمريكية المتحمسة؛ مما غذى لدى البعض شعورًا بالتفوق العنصري على الأجناس والأعراق الأخرى.

 

في الحقيقة يصعب عمل إحصاء للأعداد الدقيقة للبشر الذين جرى جلبهم من مُدُنهم الأصلية؛ وذلك نظرًا لسوء حفظ السجلات والعدد الهائل للكيانات الإستعمارية المعنية بالأمر، إلا أنّ الأعداد لم تكن قليلة، ففي مذكراته ذكر «كارل هاغنبيك» عام 1908، وهو وكيل بشري – تاجر متخصص في توريد هذا النوع من السلالات البشرية – أنه من خلال عمله استطاع أن يجلب وحده ما يزيد عن 900 شخص من السكان الأصليين إلى الولايات المتحدة.

 

وفي معرض سانت لويس، واجه السكان الأصليون عدّة تحديات؛ كان أهمها أنهم مجبرون على ارتداء الحد الأدنى من الملابس، وهي ملابس تقليدية مخصّصة لدرجات الحرارة الاستوائية، في طقس المدينة البارد المتجمد في ديسمبر (كانون الأول). كما كان الأسرى من الفلبينيين مجبرون على تأدية بعض الطقوس الخاصة بأكل لحوم الكلاب، وذلك من أجل إبهار الجمهور، وأدّى نقص مياه الشرب والظروف الصحية المروعة إلى انتشار مرض «الدوسنتاريا» المعدي بين المؤديين – وهو مرض يصيب الأمعاء نتيجة للطعام أو الشراب الملوث – وتوفي على أثره اثنين من الفلبينيين، مازالت أجسادهم باقية حتى الآن في معهد سميثسونيان بولاية واشنطن، كما تفشت الأمراض في عددٍ كبير من أطفال قبيلة بيما الهندية؛ مما استدعى الحكومة الأمريكية إلى شحنهم للعودة إلى موطنهم الأصلي في مراحل المرض الأولى.

 

في أغلب الحالات لم يكن هناك حواجز تمنع السكان الأصليين من الفرار، إلا أنّ الأغلبية العظمى ممن سكنوا الحدائق البشرية قد تم جلبهم من قاراتٍ أجنبية بعيدة، ولم يتحدثوا اللغة الخاصة بالدولة الأمريكية، ولم يكن لديهم مكان آخر للذهاب إليه؛ هذا إضافةً إلى أن السكان الأصليين كان يُطلب منهم القيام بمهام يومية نموذجية تُبرز مهارات الحياة البدائية مثل صنع الأدوات الحجرية، وعروض البانتومايم -فن الحركات الإيحائية، وفي بعض العروض كان يتحتم عليهم تمثيل معارك مزيفة تشبه اختبارات للقوة.

 

في ذلك الوقت انتشرت مهنة جديدة في الولايات المتحدة والمدن الأوروبية، وهي «وكلاء الندرة البشرية»، وهم مجموعة من التجار الذين أرادوا تحقيق ربح سريع، وكانت مهمتهم جلب عيّنات نادرة من البشر، سواء للحدائق البشرية أو لعروض السيرك، إلا أن المثير للدهشة حقًا، أن بعض هؤلاء الوكلاء كانوا قد بدأوا عملهم كرجال دين مُبشرين في المدن البعيدة، والبعض الآخر كان من علماء الأنثروبولوجيا الذين حتمت عليهم دراساتهم التواجد في مناطقٍ نائية والاختلاط مع القبائل المنعزلة والبدائية، أما البقية فكانوا رجال أعمال يسعوا لتغذية هذا النوع الشعبي من الترفيه، إلا أن تجارتهم الأساسية كانت البشر.

مقابر وحافلات منفصلة للسّود.. الوجه القبيح للعنصريّة في المجتمع التونسي

حين أقام علماء الأنثروبولوجيا نظريات للعنصرية باسم العلم

 

كانت معروضات حدائق الحيوان البشرية تمثّل بالنسبة إلى علماء الأنثروبولوجيا مادة دسمة للدراسات العلمية؛ إذ اجتمع العرق الأبيض من الأمريكيين والأوروبيين وتفاعلوا مع السكان الأصليين من كل أنحاء العالم، لكنهم في الوقت ذاته تحكّموا في المفاهيم المراد إيصالها للجمهور من العرق الأبيض، والتي تدلل على تفوقهم العرقي. كان العرق الأبيض بالنسبة إلى علماء الأنثروبولوجيا يمثل قمة الهرم التطوري، وبالتالي قاموا للترويج لتلك الحدائق التي يؤسر فيها سكان بدائيون من مناطق مختلفة بالعالم -في منازل يحيطها سياج يفصلهم عن الجمهور- كفرصة أخيرة لرؤية أعراقٍ متدنية في هرم التطور البشري قبل أن يختفوا من الوجود، وكان يتم وضع بطاقاتٍ مقروءة تصنف البشر المعروضين بشئٍ من الدونية.

حدائق الحيوان البشرية

أوتا بينجا – المصدر ويكيبيديا

 

على سبيل المثال، وفي كتاب «دراسات نقدية لعلم الأنثروبولوجيا: معرض 1904 لويزيانا»، تمت الإشارة إلى أن معرض سانت لويس في الولايات المتحدة لم يكن خاص بالفلبينيين فقط، بل شملت المعروضات مجموعة من الأفارقة، كان أحدها شاب كونغولي يدعى «أوتا بينجا». وبعد انتهاء سانت لويس تم نقل بينجا إلى مدينة نيويورك، ليصبح جزءًا من معروضات حديقة حيوان برونكس.

 

تم وضع بينجا في منزل قرد، ووصف على البطاقة المقروءة خارج القفص بأنه من الأقزام المتوحشة؛ فكتبوا عليها: «العمر: 23 سنة، الطول: أربعة أقدام و11 بوصة، الوزن 103 باوند، جُلب من نهر كاساي، ولاية الكونغو، جنوب وسط أفريقيا». وعرضَ بعد ظهر كل يوم خلال شهر سبتمبر (أيلول)، وقام حراس الحديقة بوضع مجموعة من العظام داخل القفص المعروض به، ليبدو الشاب أكثر وحشية، وقد وصفت النيويورك تايمز حينها بينجا بأنه من سلالة البوشمن – وهي سلالة عرقية بدائية في جنوب أفريقيا، والتي لم يقيمها العلماء في ذلك الوقت بمقاييس الإنسان العاقل بعد التطور، بل اعتبروها في قاع السلم التطوري، والمثير للدهشة حقًا كان رد فعل علماء الأنثروبولوجيا تجاه بينجا؛ إذ دافعوا عن وضعه داخل قفص القرود دون الالتفات لكونه بشري، بل واعتبروه حلقة مفقودة أخرى بين البشر والقرود.

 

من بين هؤلاء العلماء كان ويليام ماكجي، وهو أحد علماء الأنثروبولوجيا الرائدين في أوائل القرن العشرين، وقد شغل منصب رئيس قسم الأنثروبولوجيا في معرض سانت لويس البشري بالولايات المتحدة، وقد أصر ماكجي على عرض سلالات بدائية للشعوب الأصلية، كنوعٍ من التدليل على التطور البشري، وقد اعتبرهم في المستوى الأدني داخل خريطة التطور، كما قام حينذاك بتنظيم بعض المسابقات الرياضية المصممة خصيصًا لإثبات أن تلك السلالات أقل على المستوى البيولوجي من السكان البيض، واستضاف ماكجي دورة ألعاب أولمبية خاصة يحاكي فيها الشعوب البدائية «المتوحشون» نظراءهم من العرق الأبيض، وذلك بهدف توضيح الدونية المتأصلة في الشعوب البدائية بالعالم، وإثبات التفوق العنصري للعرق الأبيض، إذ أراد ماكجي أن تكون تلك الأولمبياد فرصة لتجميع البيانات بدراساته، والتي تمكنه من ترك بصمة داخل علم الأنثروبولوجيا وذلك  بتطوير تسلسل هرمي كامل للأعراق على أسس عنصرية.

 

واجهت دورة الألعاب الأولمبية بعض المشكلات، منها أن السكان الأصليين داخل حدائق الحيوانات البشرية على الرغم من وجودهم الشبيه بالأسر، إلا أنهم كانوا مأجورين ولهم وكلاء يتلقون أموالًا مقابل عروضهم، وكانت فكرة المسابقة في حد ذاتها يجدونها سخيفة وليست ذات أهمية، إلا أنهم رغمًا عن ذلك شاركوا فيها، ربما عن طريق الإجبار أو بدافع الفضول، وأطلق على الحدث «أيام الأنثروبولوجيا»، وتمت إقامته يومي 12 و13 أغسطس (آب) من عام 1904، وكان اليوم الأول من المسابقات ذا طابع أوروبي شمل رياضات مثل «الوثب العالي والقفز الطويل وغيرها»، إلا أن الأمور لم تسر على ما يرام؛ إذ لم يكن هناك وقتًا لتدريب المشاركين على الرياضات الجديدة، كما أدى اختلاف اللغة إلى جعل الكثير من المشاركين تائهين لا يدركون ما الذي عليهم فعله، وعاجزين عن أداء الألعاب بشكلٍ صحيح.

 

في اليوم الثاني من المسابقة سعى المنظمون لجعل الألعاب أكثر «همجية»، على حد تعبيرهم، وذلك لتتناسب أكثر مع طبيعة المشاركين من القبائل المختلفة حول العالم، كان منها: «تسلق الأشجار، ورمي الطين، ومباريات القتال، والرماية»، إلا أن المسابقات لم تحقق الهدف المرجو أيضًا، حتى مع افتراض أنها أكثر ملائمة من الناحية الثقافية، فمثلًا رياضة رمي الرمح تم اعتمادها على أساس أن السكان الأصليين سيحققوا نتائج جيدة، لكن ماكجي و جيمس سوليفان من منظمي المسابقات صدموا لرؤية بعض المشاركين لا يعرفون كيفية استعمال الرمح؛ وكانت النتيجة فشل ذريع للدورة الأولمبية بأكملها، لم يحقق منها ماكجي حتى قاعدة البيانات التي احتاجها لدراساته الاجتماعية، وذلك نظرًا لسوء تنظيم المسابقات، كما فشلوا في الترويج لها ولم يأت لمشاهدتها سوى قلة قليلة من الجمهور الأمريكي. وكان النجاح الوحيد الذي حققته هذه المسابقات بالنسبة للأنثروبولوجيين حينها يتمثل في إثبات «همجية» هذه الشعوب مقارنة بالمجتمع الأمريكي، وهو ما اعتبروه علامة بارزة على الدونية العرقية.

 

في الحقيقة استمرت هذه الممارسات ضد البشر المختلفين عرقيًا عن الجنس الأبيض حتى منتصف القرن العشرين، تحديدًا عام 1958؛ إذ كان معرض العالم في بروكسل – عاصمة بلجيكا – يضم قرية كونغولية، تفاخروا خلاله بعرض فتاة إفريقية ترتدي زيًا غربيًا لأول مرة، في حين تمتد لها يد الحضور من الجماهير بالطعام من خلف السياج الفاصل بينها وبينهم؛ إلا أن العام ذاته قد شهد تضاؤل الحضور لحدائق الحيوانات البشرية، وقد تزامن ذلك مع بدء عصر السينما وغزو الصور المتحركة، والذي كان يُشبع غريزة العالم الغربي للمدن الأجنبية البعيدة والأجناس المختلفة من البشر، ومن ثم تم تجريم الحدائق البشرية في القانون.

«هل للبدناء مكان في الجنة؟!».. هكذا أصبح زائدو الوزن «سود» العصر الحديث

 

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!