ولماذا لا ننقب في بومباي؟ إنها مدينة رومانية قديمة، تقع في إيطاليا، وربما تمتلئ أحشاء الأرض هناك بالعديد من التماثيل والإرث التاريخي والفني للعصر الروماني، فلننقب في بومباي إذًا. هكذا قررت مجموعة من علماء الآثار الفرنسيين والإيطاليين في القرن الثامن عشر، دون أن يعلموا أن  خطوة التنقيب في تلك المدينة الصغيرة ستخلد في التاريخ.

وهذا لما وجدوه أثناء بحثهم في باطن أرض هيركولانيوم بمدينة بومباي، المدينة التي تقع على سفح جبل بركان فيزوف الذي يرتفع 1200 مترًا عن سطح البحر، بالقرب من خليج نابولي في إيطاليا، وهذا البركان كان سبب فناء أهل تلك المدينة الذين وصل عددهم إلى 20 ألف نسمة، حينما ثار عام 79، وغطى المدينة بنيرانه، ولذلك كان قرار التنقيب من أجل استخراج الحياة التي دفنها البركان تحت الأرض.

في أعماق أرض بومباي.. مفاجأة وسبق تاريخي

عندما تنقب في الأرض ستجد التاريخ ممثلًا في تماثيل، أو مشغولات يدوية دقيقة الصنع، وربما تكون محظوظًا وتجد معبدًا أو مقبرة، في بومباي التماثيل هي الاحتمال الأكبر، وها هو تمثال يظهر للأثريين المنقبين في بومباي مجسدًا رجلًا رومانيًا يمارس الجنس مع إحدى الماشية، لا جديد بالنسبة للأثريين الذين يدركون جيدًا أن الزوفيليا Zoophilia – ممارسة الجنس مع الحيوانات-  كان لها مكان في الحضارة الرومانية.

أحد التماثيل التي وجدت في باطن أرض مدينة بومباي. مصدر الصورة موقع بينترست

ومع المزيد من البحث بدأت تظهر التماثيل المنفردة، ولكن مهلًا تلك التماثيل لا تستعرض جمالها الجسدي كما اعتدنا مع الفن الروماني، لماذا يتكوم هذا التمثال على الأرض، ويشيح بيده وكأنه خائف من شيء ما؟ وما الغاية من نحت تمثال تبدو على وجهه ملامح الفزع، المزيد من التماثيل متموضعة بشكل غير تقليدي، هل هذا تمثال لأم تحاول حماية صغيرها من هلاك مؤكد؟ ما الحكاية وراء تلك التماثيل الغريبة؟ هذا السؤال الذي كانت إجابته من أغرب الكشوف الأثرية حتى وقتنا هذا.

Embed from Getty Images
أحد عمال التنقيب بين التماثيل البشرية لضحايا بركان فيزوف

بقايا آثار البركان تركت طبقة رمادية على التماثيل التي عُثر عليها، فكان على الأثريين الوصول إلى الطبقة الأساسية من التمثال؛ إذ ربما وجدوا تفسيرًا لتلك الوضعيات الغريبة، فما وجده الأثريون أن تلك التماثيل لم تنحت، تلك التماثيل هي في الحقيقة سكان مدينة بومباي أنفسهم، عندما ثار البركان عليهم، وهجمت الحمم البركانية على المدينة؛ تركتهم وراءها على هذه الشاكلة.

لم تذب الحمم البركانية أجسادهم، بل حولتها إلى تمثال صلب صعب الكسر، كل منهم لم يدرك ما حدث له، هؤلاء البشر قُتلوا قبل أن يدركوا أنهم على وشك الموت، أحدهم كان يجري، الآخر كان يمارس الجنس مع شخص آخر، بعضهم لم يجد الوقت لإدراك أن هناك بركانًا ثائرًا من الأساس، الأمر أشبه بالضغط على زر التوقيف وأنت تشاهد أحد الأفلام، بركان فيزوف ضغط هذا الزر وهو يوجه حممه البركانية تجاه مدينة بومباي؛ فتوقف كل شخص في مكانه، وتحول إلى تمثال بشري، عمره يزيد عن 1900 عام.

300 درجة مئوية وطاقة حرارية تفوق هيروشيما

«الطبيعة قد تكون قاسية، ولكنها ليست شريرة» تلك الجملة من فيلم «Interstellar بين النجوم»؛ هي أفضل وصف مُختصر لما حدث في  مدينة بومباي حين أظهرت الطبيعة أقسى وجوهها.

عندما تصل درجة حرارة الطقس في كوكب الأرض إلى 40 أو 50 درجة مئوية؛ يتعذب البشر، وتنصهر أجسادهم، ويصابون بضربة الشمس، فماذا عن 300 درجة مئوية، هذا ما أكده متخصص علم البراكين الإيطالي جوسيب ماسترولورينزو، شارحًا أن الأبحاث التي أجريت على بقايا البركان أثبتت أن الصخور المنصهرة من البركان سقطت على المدينة بمعدل مليون ونصف طن في الثانية، والطاقة الحرارية المنبعثة من بركان فيزوف كانت تزيد 100 ألف مرة عن الطاقة الحرارية لقنبلة هيروشيما، وأكد جوسيب – المشرف على دراسة تلك التماثيل – أن تلك الطاقة الحرارية بتلك الكمية من الحمم البركانية قادرة على قتل البشر في أقل من جزء صغير من الثانية، سكان هذه المدينة – ربما لحظهم – لم يدركوا ما يحدث لهم قبل مقتلهم.

طالما الضحايا قُتلوا دون أن يدركوا الهول القادم عليهم، فلماذا تبدو وضعيات أجسادهم تعبر عن التعذيب؟ فسر جوسيب تلك الوضعيات للتمثال بكونها نتيجة تشنج أعصاب الجسد من صدمة الحرارة في لحظة الموت، والمؤكد أن هؤلاء الضحايا لم يجدوا الوقت الكافي ليتألموا، الأمر أشبه بمقولة «الآن تراه، الآن لا تراه»، هكذا أكد جوسيب للإعلام؛ وربما هذا التصريح هو ما شجع بعض المتاحف منذ عام 2010 على عرض تلك التماثيل ليشاهدها الزائرون؛ كواحدة من أغرب نتائج البحث في تاريخ التنقيب بالعالم.

Embed from Getty Images
صورة من حديقة الهاربين بإيطاليا

«Garden of the Fugitives حديقة الهاربين» أحد الأماكن التي عُرضت فيها تلك التماثيل البشرية في إيطاليا، حيث تمكن العديد من الزائرين بجميع الأعمار تأمل هذا الكشف الفريد، وأكدت جريت ستيفاني مسؤولة العرض المتحفي في إيطاليا أن تلك التماثيل منذ اكتشافها وهي في رحلة عرض مستمرة في جميع متاحف وأماكن العرض الفني في إيطاليا، وأوضحت أن ضحايا البركان لم يكونوا من البشر فقط، فهناك تماثيل كلاب وخنازير، وقد شاركوا التماثيل البشرية في العرض المتحفي.

والأمر الذي تكرر أكثر من مرة – كما أشارت جريت – أن معظم الزائرين للمتاحف الذين لم يقرأوا شيئًا عن هذا الاكتشاف احتاجوًا وقتًا طويلًا من الإقناع أنهم تماثيل من بشر، الأمر كان صعب التصديق؛ لقسوة الفكرة، وتخيل تلك الليلة المدمرة الحزينة التي غطت مدينة بومباي بالسائل شديد الحرارة.

بركان فيزوف.. ماذا فعلت؟

منذ ظهر هذا الكشف المثير، ومحاولات الأثريين والمؤرخين لتفسيره لا تنقطع، خاصة وأن ما فعله بركان فيزوف في مدينة بومباي يعتبر فريدًا من نوعه؛ لأنه لم يترك نفس الأثر على قرية أخرى على الجانب الآخر من البركان، فما تركه البركان وراءه مجرد هياكل عظمية مدفونة في باطن الأرض، انصهرت أجسادها من شدة حرارة الحمم البركانية القادمة من فيزوف، فلماذا ترك فيزوف هذا التأثير الفريد على ضحايا بومباي؟

هذا سؤال حاول الكثير من المختصين الإجابة عنه في مجموعة مميزة من الأفلام الوثائقية والكتب منها: «Pompeii’s Living Statues تماثيل بومباي الحيّة» وفي هذا الكتاب حاول مؤلفه أن يرصد سجلات المنقبين في تلك المدينة منذ البداية، والتحديات التي واجهها القائمون على هذا العمل، خاصة في إثبات آدمية التماثيل التي عثروا عليها، وكتاب «Bodies From the Ash أجساد من رماد» التاريخي للأطفال، والذي تم ضمه لمادة التاريخ الإيطالي؛ بغرض شرح تاريخ تلك المدينة، والتاريخ الجيولوجي للبركان، بجانب تفاصيل حملة التنقيب وإنجازاتها، ومن أهم الأفلام التسجيلية التي غطت هذا الكشف بشكل بسيط ومُلخص هو فيلم «Disaster at Pompeii كارثة في بومباي».

https://www.youtube.com/watch?v=1TBD53N1DRI

في الفيلم التسجيلي «Life and Death in Herculaneum الحياة والموت في هيركولانيوم»  الذي صُنع من أجل سرد تاريخ تلك المدينة، وتفسير تلك الظاهرة الغريبة، طُرحت خلاله بعض النظريات العلمية عن سبب تجمد هذه الجثث، مشيرين إلى العواصف البيروكلاستيكية التي سبقت ثورة البركان، والتي من المحتمل تكوينها طبقة كيميائية على أجساد من طالهم المطر، وهي ما تفاعلت فيما بعد مع الحمم البركانية، وأدت إلى تلك النتيجة الفريدة.

أيام بومباي الأخيرة ومتلازمة لوم الضحية

البعض، من أصحاب الميل للتفسيرات والإسقاطات الدينية على الكوارث الطبيعية، اختاروا أن يحموا أنفسهم من بشاعة الفكرة، وقسوة مصير هؤلاء الضحايا بكونهم استحقوا هذا العقاب الإلهي لما تفشى من الفواحش في العصر الروماني – من وجهة نظرهم- مثل احتساء الخمور بكثرة، وممارسة الجنس مع الحيوانات والأطفال، والممارسات المثلية الجنسية بين رجال روما في ذاك الوقت، وما سمح لتلك التفسيرات بأن تأخذ مكانًا بين الآراء المجتهدة والمُفسرة، هو التمثال البشري لرجل متحجر في وضع الاستمناء، وتمثالين آخرين متعانقين في وضع واضح أنه ممارسة للجنس، والذي اتضح فيما بعد أن التمثالين لرجلين، وليس لرجل وامرأة.

1تمثال لأم من ضحايا البركان مع طفلها. مصدر الصورة دايلي ميل

هذا أمر استغله البعض وفسره أنه معجزة إلهية تهدف إلى تحذير البشر من ارتكاب الفواحش، ولكن في المقابل يأتي تمثال الأم التي تجلس صغيرها على قدميها تحميه وتهدهده، وهذا ما جعل البعض يتساءل: وما ذنب هؤلاء الأبرياء، إذا كانت ثورة البركان هادفة لتحقيق العدالة الإلهية على الأرض؟

من أبرز الأعمال الأدبية التي تناولت يوم ثورة البركان على بومباي وكونه عقابًا إلهيًا حتميًا لشكل الحياة التي عاشها الرومان في ذاك الوقت، رواية «The Last Days of Pompeii أيام بومباي الأخيرة» للكاتب الإنجليزي إدوارد بولوير-لايتون والتي كتبها عام 1834، والتي تناولت شكل الحياة في مدينة بومباي قبل أن يواجهوا مصيرهم المحتوم، طارحًا بوضوح احتمالية تعرضهم لتلك المأساة كعقاب إلهي.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد