امرأة تستعبد كعاملة في منزل، فتاة في مقتبل العمر تحبس من أجل الاستغلال الجنسي، فتى من بيئة فقيرة يخطف لتسرق أعضاؤه، صور مؤلمة من صور الجريمة المصنفة في مؤسسات الأمم المتحدة ضمن جرائم حقوق الإنسان والمعروفة باسم “الاتجار بالبشر”.

صورة نشرتها صحيفة “اندبندنت” لباركود على رقبة امرأة

تعرف هذه الجريمة بأنها: “عملية استغلال الإنسان، عبر التهديد أو الابتزاز واستغلال ظروف الشخص المستهدف، بقصد التربح من ورائه من خلال البغاء، أو العمل الإجباري، أو نقل الأعضاء”، وهي ظاهرة قائمة تفند أسطورة انتهاء العبودية في العصر الحالي بعد أن حرمتها الإمبراطورية البريطانية كليًا عام 1834م وبعد أن حرر قيصر روسيا العبيد في بلاطه في ستينات القرن التاسع عشر، وظاهرة تعاني منها غالبية دول العالم، سواء كانت تلك الدولة منشأ للاستعباد أو نقطة العبور، ووصل الحد في ظاهرة “الاتجار بالبشر” الذين ارتفع عددهم لنسبة 22% عام 2013 لوشم النساء المستعبدات على رقابهن أو صدورهن أو أذرعهن، كما توشم الماشية على شكل “باركود”، وذلك لتأكيد ملكيتهم قبل بيعهم بآلاف الدولارات.

وكالة الجريمة الوطنية البريطانية NCA، التي نشرت صورًا لوشْم سماسرة الجنس ضحاياهم، أشارت إلى أن هذا الرمز يستخدم لبيع وشراء النساء، اللواتي يتم استقدامهن من الخارج، وخاصة من أوروبا الشرقية، وتتراوح أسعارهن ما بين 350 إلى 10 آلاف دولار. و تستخدم وسائل حديثة في الوصول للضحايا كمواقع وساطة الزواج أو مواقع التواصل الاجتماعي على الانترنت، إضافة إلى إعلانات وظائف وهمية لجذب الضحايا.

الدول العربية

قبل أيام أوقف مكتب حماية الآداب في وحدة الشرطة القضائية مواطنًا لبنانيًا يدعى أ. ع – 48 عامًا – وذلك أثناء عرضه فتاة سورية للبيع، عرضت هذه الفتاة التي تبلغ الثامنة عشر عامًا أمام عدد من الشبّان في مدينة صيدا اللبنانية ونتيجةً للتحريات تمكنت الشرطة اللبنانية من توقيف هذا اللبناني بتهمة “الاتجار بالبشر”، ولم يتوانَ الرجل عن الاعتراف بالتهم الموجه إليه، كما أقرت الفتاة بوجود عدة أشخاص في بلدة دير قوبل – عالية، يقومون بأعمال الدعارة وتسهيلها.

تلك الحكاية واحدة من حكايا عدة يعيشها العالم العربي مع جريمة “الاتجار بالبشر”، فيما كانت القضية الأشهر هي الاتجار باليمنيين في المملكة العربية السعودية، تتوالى التقارير التي تكشف عن صور الجريمة في الكثير من الدول العربية، وليس بآخرها تقرير المفوضية العليا لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة والذي كشف عن أن أكثر من 25 ألف امرأةٍ وطفلٍ سجنوا وانتهكوا جنسيًا وبيعوا بوصفهم سبايا حربٍ وملك الأيمان لمسلحي داعش.

كما لا يحمي انضمام دول الخليج للاتفاقيات الدولية لمكافحة الاتجار بالبشر، من وقوع هذه الجريمة في المجتمع الخليجي فهي لا تزال حاضرة وبقوة، فمثلا تشير أرقام حديثة إلى ارتفاع معدل قضايا الاتجار بالبشر في دولة الإمارات العربية المتحدة على مدار الأعوام الثلاثة الماضية، منها 43 قضية، تم فيها توريد فتيات للعمل في تجارة الجنس من قبل عصابات تحت ستار العمل لدى شركات.

أرقام وواقع

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

“صيني يعانق صغيره الذي أنقذ من تجار البشر”

إحصائيات منظمة العمل الدولية، تشير إلى أن القيمة الربحية لجريمة الاتجار بالبشر تُقدر بأكثر من 30 مليار دولار سنويًا، هذا المبلغ زاد عدد ضحايا الاتجار ليرتفع إلى نسبة 22 % بين عامي 2012 و 2013.

ويبلغ عدد البلدان المعنية بالاتجار بالبشر 161 دولة، 127 بلدًا منها مصنفة كدولة منشأ لهذه الجريمة، و98 بلدًا مصنفة كدولة عبور، و137 دولة كوجهة نهائية، حسب ما ذكر مكتب الأمم المتحدة للمخدرات والجريمة.

فعلى سبيل المثال، تؤكد وكالة الجريمة الوطنية أن هناك ارتفاعًا في عدد الأشخاص الذين يجري تهريبهم إلى بريطانيا بهدف استعبادهم أو استغلالهم ووصل إلى 2700 شخصًا، وأكدت صحيفة “إندبندنت” في تقرير نشرته 30 سبتمبر الماضي 2014 تحت عنوان: “Human traffickers’ victims ‘branded like cattle” أن الضحايا يجلبون إلى بريطانيا للعمل في تجارة الجنس، ويباعون بأسعار تتراوح بين 200 و 6 آلاف جنيه إسترليني، وأن تجار نيجيريين طلبوا من ضحاياهم ما يقارب 50 ألف جنيه إسترليني، وهي نفقات وثائقهن وسفرهن لبريطانيا، ويضمنون طاعتهن عن طريق المخدرات والكحول والضرب.

كما تعد روسيا الآن سوقًا عالميًا للوساطة في “النخاسة”، حيث أشارت تقارير إعلامية إلى أن المافيا فيها تعمل بشكل موسع تحت غطاء قانون “التبني”، حيث يتم تبني الأطفال المشردين من دور الرعاية المختلفة، ومن ثم استغلالهم في الجريمة والدعارة وتجارة الأعضاء!

وتفيد الوكالة أن البولنديين هم الأكثر تعرضًا لاستغلال العمل في الزراعة والبناء والمصانع ومغاسل السيارات، بينما جميع الأطفال الذين أجبروا على طلب المساعدة الاجتماعية هم من سلوفاكيا.

آليات المواجهة

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

“إن كل شخص منا تقع على عاتقه مسؤولية جعل هذه الجريمة المروعة والشائعة جدًا أقل شيوعًا بدرجة كبيرة”، هذا ما قاله وزير الخارجية جون كيري في تقرير الاتجار بالبشر للعام 2014 مؤكدًا على أن العمل مع الضحايا هو المفتاح الأساسي الذي سيفتح الباب أمام تحقيق التغيير الحقيقي، ليس فقط باسم الناجين البالغ عددهم أكثر من 44 ألفًا الذين تم التعرف عليهم في السنة الماضية، ولكن أيضًا من أجل أكثر من 20 مليون من ضحايا الاتجار بالبشر الذين لم يتم التعرف عليهم بعد.

وفي عام 2013، عقدت الجمعية العامة اجتماعًا رفيع المستوى لتقييم خطة العمل العالمية لمكافحة الاتجار بالأشخاص. واعتمدت الدول الأعضاء القرار رقمA/RES/68/192  والذي أقرت فيه اعتبار يوم 30 تموز/يوليو من كل عام يومًا عالميًا لمناهضة الاتجار بالأشخاص. ويمثل هذا القرار إعلانًا عالميًا بضرورة زيادة الوعي بحالات الاتجار بالأشخاص والتوعية بمعاناة ضحايا الاتجار بالبشر وتعزيز حقوقهم وحمايتها.
ونقل عن الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي-مون في هذه المناسبة القول: “إن اليوم العالمي الأوّل لمناهضة الاتّجار بالأشخاص هو فرصة لاستنهاض الهمم من أجل وضع حدّ لهذه الجريمة وإتاحة بصيص من الأمل للضحايا الذين عادة ما يعيشون بين ظهرانينا دون أن نفطن لهم”. مضيفًا: “يلزمنا أن نتصدى للمُتّجرين بأن نقطع عليهم سُبل التمويل ونصادر أملاكهم” ودعا مون دول العالم للتصديق على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية وعلى بروتوكولها المتعلق بالاتجّار بالأشخاص وأن تنفّذهما بالكامل.

المعالجة الإسلامية

 

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

“أطفال يتم الاتجار بهم”

أن تتوالى التقارير الدولية من تنمر وتوحش تجارة البشر في العالم، على يد مافيا وعصابات غربية يدق ناقوس الخطر كما يقول الكاتب د. عامر الهوشان، خاصة مع تضخم هذه الظاهرة في الغرب، حتى أضحت غولا في شكل شركات وعصابات تتجاوز الحدود والقارات، لتمارس أبشع جريمة بحق الإنسانية على مر التاريخ.

الهوشان يقارن بين المعالجة الإسلامية لهذه الظاهرة فيصفها بأنها “معالجة متأنية متدرجة، جاءت ضمن منهج واضح هو “التحرير”، بينما اقتصرت المعالجة الغربية لهذه الظاهرة الخطيرة على سن القوانين الوضعية غير الرادعة، مع وجود الكثير من الثغرات التي تجعل من الإفلات من العقاب، بل والإفلات من المساءلة الجنائية أصلًا أمرًا ميسورًا وسهلًا.

ويشير الهوشان في مقاله “ظاهرة تجارة البشر بين التوحش المعاصر والمعالجة الإسلامية” إلى أن “تجفيف منابع الرق” كان من أبرز وأعظم معالم المنهج الإسلامي لمعالجة ظاهرة الرق، وذلك من خلال تحريم وتجريم استعباد الأحرار بأي وسيلة كانت، حيث قال صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي الصحيح: (قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حُرَّا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يعطه أجره) وبذلك أوقف الإسلام تدفق رافد جديد من روافد الرق إلى هذه الظاهرة الخبيثة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد