احتفل العالم الخميس الماضي، بالذكرى السنوية الثانية لليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالبشر، حيث كانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد عقدت اجتماعا رفيع المستوى لتقييم خطة العمل العالمية لمكافحة الاتجار بالأشخاص في عام 2013. واعتمدت الدول الأعضاء قرارًا أقرت فيه اعتبار يوم 30 يوليو من كل عام يومًا عالميًّا لمناهضة الاتجار بالأشخاص. ويمثل هذا القرار إعلانًا عالميًّا بضرورة زيادة الوعي بحالات الاتجار بالأشخاص والتوعية بمعاناة ضحايا الاتجار بالبشر وتعزيز حقوقهم وحمايتها.

 

ويوضِّح لك هذا التقرير في خمس نقاط ما هو الاتجار بالبشر ومدى خطورته وانتشاره على مستوى العالم، مع إبراز قوانين مكافحته في الوطن العربي.

 

 


1- ما هو الاتجار بالبشر؟

عُرّف الاتجار بالبشر على أنه أنشطة استقطاب شخص، أوإيوائه، أونقله، أوتوفيره، أواستحواذه، لإرغامه على العمل القسري أوممارسة الجنس التجاري، وذلك من خلال استخدام القوة أوالاحتيال أوالإكراه، وقد يطلق عليه أيضًا مصطلحات مثل “الاتجار بالأشخاص” و”العبودية الحديثة”.

 

وبحسب مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، فإن الاتجار بالبشر قد عرف دوليًا للمرة الأولى في المادة الثالثة من بروتوكول منع وقمع ومعاقبة الاتجار بالأشخاص، وبخاصة النساء والأطفال، على أنه يتألف من ثلاثة عناصر هي: (أ) “فعل” يتمثل في تجنيد أشخاص أو نقلهم أو نقلهم أو إيوائهم أو استقبالهم؛ (ب) “وسيلة” تساعد على تحقيق الفعل، مثل التهديد بالقوة أو استعمالها أو غير ذلك من أشكال الإكراه أو الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع أو استغلال السلطة أو استغلال حالة ضعف أو إعطاء أو تلقي مبالغ مالية أو مزايا لنيل موافقة شخص له سيطرة على شخص آخر؛ (ج) “غرض” من الفعل المعتزم أو من الوسيلة، أي الاستغلال. وبالتالي فإن موافقة الضحية على الاستغلال المعتزم غير ذي أهمية عند استخدام أي من الطرق المذكورة. ويتعين توافر العناصر الثلاثة في أي فعل لكي يعد “اتجارًا بالأشخاص” في القانون الدولي. والاستثناء الوحيد هو أن عنصر “الوسيلة” لا يكون جزءًا من التعريف عندما يكون الضحية طفلًا.

 


 

 

 

“إن الاتجار بالأشخاص تحقير لكرامة الإنسان وتهجم على حريته، كما أنه سلب لأبسط حقوقه.”

– جون كيري.

 

2- تختلف الأشكال والجريمة واحدة

وقد تختلف أشكال الاتجار بالبشر حيث ذكر تقرير الأمم المتحدة لمكافحة الاتجار بالبشر لعام 2015 بعض النسب بحسب الغرض المراد به التجارة، فقد كان الاستغلال الجنسي للنساء بنسبة 79% و14% للعمل القسري وسرقة الأعضاء، في حين يتعرض 83% من الضحايا الرجال للعمل القسري ممثلا في التنظيف والبناء والخدمات الغذائية والمطاعم والعمل المنزلي وإنتاج النسيج، و8% للاستغلال الجنسي و1% لسرقة الأعضاء فضلًا عن التجنيد غير القانوني للأطفال.

 


 

وقد يشمل الاتجار بالأشخاص الانتقال إلى مكان آخر، ولكنه لا يتطلب ذلك. كما يمكن اعتبار بعض الأشخاص ضحايا للجريمة بغض النظر عما إذا كانوا قد ولدوا في حالة من العبودية، أو تم استغلالهم في بلداتهم، أونُقلوا إلى الوضع الاستغلالي، أو وافقوا سابقًا على العمل لصالح متّجر بالأشخاص، أو شاركوا في ارتكاب جريمة كنتيجة مباشرة للاتجار بهم. فما يشكل لُب هذه الظاهرة هو هدف المتّجرين بالأشخاص المتمثل في استغلال واسترقاق ضحاياهم والممارسات المخادعة والقسرية العديدة التي يستخدمونها لتحقيق ذلك.

 

 

“كل الفتيات خائفات، كل فتاة تستحق أن تُعامل بكرامة. كل فتاة تحتاج أن تحلم؛ ولذلك يجب ألا تُباع أي فتاة.”

– إحدى اللاجئات بمأوى للسيدات في كمبوديا.

 

3- الوضع الراهن للأزمة

أضحت تجارة البشر ثالث أكبر تجارة إجرامية في العالم بعد تجارة المخدرات، وتجارة السلاح، فهي تشكل بالنسبة لعصابات الإجرام المنظم مخاطر أقل من تجارتي المخدرات والأسلحة، وسط توقعات عالمية بأن تتقدم تجارة الأشخاص على تجارة الأسلحة في المستقبل القريب.

 

وبحسب التقرير العالمي عن الاتجار بالأشخاص الذي أعده مكتب الأمم المتحدة المعني بالجريمة والمخدرات، فإن ملياري شخص حول العالم مورست عليهم جريمة الاتجار بالبشر دون أن يتعرض الجناة للعقاب، وأشار إلى أن 70% من الضحايا نساء وفتيات، و30% منهم رجال وصبية.

 


 

قد ذكر التقرير السنوي لمكافحة الاتجار بالبشر الصادر من وزارة الخارجية الأمريكية أنه تم إحراز جهود هائلة لمكافحة الاتجار بالأشخاص في جميع أنحاء العالم خلال الخمسة عشر عامًا الأخيرة، أي منذ تبني بروتوكول باليرمو وإصدار قانون حماية ضحايا الاتجار بالأشخاص لعام 2000، حيث بدأت الحكومات في تطبيق النموذج الوارد في البروتوكول وقانون الحماية، إذ تقوم بالتحقيق في جرائم الاتجار بالأشخاص ومقاضاة مرتكبيها، وتوفير الحماية والخدمات للضحايا، واعتماد إجراءات أفضل لمنع وقوع الجريمة قبل حدوثها. ولا يمكن وصف التقدم الذي تم تحقيقه في هذه الفترة إلا بالتقدم الهائل. ومع ذلك، في حين تستعر المعركة ضد الاتجار بالأشخاص، يواصل الملايين الكدح في الخدمة القسرية، ويستمر استغلالهم لإثراء آخرين في جميع بلدان العالم.

 

وقد صنفت وزارة الخارجية الأمريكية أسوأ الدول في جريمة الاتجار بالبشر بحيث المراكز الأولى لتشمل تايلاند وفنزويلا وماليزيا، فضلًا عن كوريا الشمالية وسوريا. وتعد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أحد أهم مناطق انتشار الاتجار بالبشر، حيث تتم 31% من جرائم الاتجار بالبشر في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وذلك نظرًا للصراع الجاري في دول الربيع العربي وغيرها، بالإضافة إلى انتشار وتوغل تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” داخل سوريا والعراق وممارسته مختلف أشكال القمع على المدنيين.

 

كما صنفت الخارجية الأمريكية كل دولة ضمن واحدة من أربع فئات وفقًا لما نص عليه قانون حماية ضحايا الاتجار بالأشخاص. ويتم هذا التصنيف على أساس حجم النشاط الحكومي في محاربة الاتجار بالأشخاص أكثر مما يتم على أساس حجم المشكلة في البلد. وتستند عمليات التحليل على حجم الجهود الحكومية المبذولة لتحقيق الامتثال للحد الأدنى من معايير استئصال الاتجار بالأشخاص المنصوص عليها في قانون حماية ضحايا الاتجار بالبشر والتي تتسق بشكل عام مع بروتوكول باليرمو.

 

يُعتبر التصنيف في الفئة الأولى أعلى تصنيف، إلا أنه لا يعني عدم وجود مشكلة اتجار بالأشخاص في البلد المصنف في تلك الفئة، كما أنه لا يعني أن ذلك البلد يتخذ ما يكفي من الخطوات لمعالجة المشكلة. بل إن التصنيف في هذه الفئة يشير إلى أن حكومة البلد قد أقرت بوجود اتجار بالأشخاص، وأنها بذلت جهودًا لمعالجة المشكلة، وأنها تستوفي الحد الأدنى من المعايير المنصوص عليها في قانون حماية ضحايا الاتجار بالأشخاص. ويتعين على الحكومات أن تثبت في كل عام أنها حققت تقدمًا ملموسًا في محاربة الاتجار بالأشخاص كي تحافظ على تصنيفها ضمن الفئة الأولى.

 

 


 

 

وعليه فقد صنف التقرير معظم دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من الفئة الثالثة (الأخيرة) أي الأخطر على الإطلاق، أو في المرحلة الأخطر من الفئة الثانية، حيث أن الفئة الثانية تنقسم إلى مرحلتين، مرحلة أولى وهي الأخطر، ومرحلة ثانية وهي الأقل خطورة، وتقع دول سوريا وليبيا والجزائر وموريتانيا والسودان والسعودية ضمن دول الفئة الثالثة، أي أن حكومات هذه الدول لا تتخذ الإجراءات اللازمة لمكافحة الاتجار بالبشر.

 

 

31% من الضحايا يُتاجر بهم داخل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، نظرا لأن تجار البشر يجذبون الضحايا من البلدان الأقل حظًا في المستوى المعيشي إلى البلدان الأكثر وفرة في مستوى المعيشة.

 

4- اقتصاد الاتجار بالبشر

 


 

أشارت تقديرات منظمة العمل الدولية في عام 2014 إلى أن العمالة القسرية في الاقتصاد الخاص تدر سنويًا حوالي 150 مليار دولار من الأرباح غير المشروعة، ومعظم الحالات التي يشير إليها تقرير الاتجار بالأشخاص على أنها اتجار بالأشخاص هي حالات يغطيها تعريف منظمة العمل الدولية للعمالة القسرية.

وبحسب التقرير فإن هذه المليارات تُغرق السوق الرسمية، وتُفسد الاقتصاد العالمي، وتلطّخ مشتريات الزبائن الغافلين عن الأمر. حيث إن سلاسل الإمداد الطويلة المعقدة، التي تتخطى عددًا من الحدود الوطنية وتعتمد على مجموعات كبيرة من المتعاقدين من الباطن، تعيق تتابُّع سير الأمور وتجعل من الصعب التثبت من أن الرقيق المعاصر لم يمس السلع والخدمات التي يتم بيعها وشراؤها يوميًا.

 

 

5- مكافحة الاتجار بالبشر

 


 

على الرغم من وجود تشريعات وقوانين تُجرم الاتجار بالبشر في 90% من دول العالم، أي حوالي أكثر من 178 دولة، إلا أن هناك تسع دول على مستوى العالم لا يوجد بها أي تشريعات أو قوانين تجرم هذه التجارة، وتتضمن هذه الدول التسع ثلاث دول عربية وهي اليمن وليبيا والمغرب.

أما في باقي الدول العربية فهناك عدد من التشريعات والقوانين التي تخص جريمة الاتجار بالبشر، فمثلًا في الدول العربية الأفريقية نجد أن في مصر يوجد قانون رقم 64 لسنة 2010 الذي ينص على معاقبة المتهم بأحكام قد تصل إلى السجن المؤبد أو بغرامة تبدأ من 15 ألف وقد تصل إلى 500 ألف جنية مصري، أما في الجزائر تتراوح عقوبة السجن بين ثلاث سنوات وعشرين عامًا، أما الغرامة فتبدأ من ثلاثمائة ألف وحتى مليوني دينار جزائري، وفي السودان يُحكم بالسجن فترة لا تقل عن ثلاث سنوات وحتى عشرين عامًا من يثبت إدانته في جريمة اتجار بالبشر، وقد تصل العقوبة للإعدام في حال وفاة الضحية.

 

أما في الدول العربية الآسيوية مثل السعودية فقد تصل مدة السجن لخمسة عشرة عامًا، وقد تصل الغرامة إلى مليون ريال سعودي، أما في الكويت فإن عقوبة جريمة الاتجار بالبشر تكون بالسجن لمدة خمسة عشرة عامًا وقد تصل إلى السجن المؤبد، وبغرامة تبدأ من ثلاثة آلاف وحتى عشرة آلاف دينار كويتي، وفي سوريا يعاقب المتهم بالسجن مدة لا تقل عن ستة أشهر وحتى ثلاث سنوات، وبغرامة تبدأ من مائة ألف وحتى مائتي ألف ليرة سورية، أما في الإمارات فتقدر فترة السجن من عام وحتى خمسة أعوام، والغرامة تبدأ بخمسة آلاف وحتى عشرين ألف درهم، وفي البحرين تتراوح الغرامة بين ألفي وحتى مائة ألف دينار.

في قطر قد تصل عقوبة السجن حتى خمسة عشر عامًا، وقد تصل الغرامة إلى ثلاثمائة ألف ريال قطري، وفي سلطنة عُمان تتراوح عقوبة السجن من ثلاث سنوات وحتى خمسة عشر عامًا، أما الغرامة فتبدأ من خمسة آلاف وحتى مائة ألف ريال عماني، وفي الأردن فإن عقوبة الاتجار بالبشر تكون بالسجن لمدة تبدأ بستة أشهر وحتى عشر سنوات، أو بغرامة تتراوح بين ألف وعشرين ألف دينار أردني. أما في لبنان فتصل عقوبة السجن من خمس وحتى خمسة عشر عامًا، أما الغرامة فتبدأ بمائة ضعف الحد الأدنى للأجور في الدولة، وتصل إلى ثلاثمائة ضعف هذا الحد.

وتعتبر جريمة الاتجار بالبشر جريمة متنامية، حيث حمَّلت الأمم المتحدة قدرًا كبيرًا من المسئولية على تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في تنامي الأزمة في منطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط. كما أنها جريمة جماعية منظمة تقوم بها عصابات متعددة الأشخاص، فقد يصعب على فرد واحد القيام بها، ولذلك فإن “التصدي لهذه الجرائم يتطلب الإيقاع بشبكات الاتجار بالبشر كاملة لا بالسماسرة فقط، وهو الأمر الذي يتطلب بدوره أن تتبع الدول والأنظمة الحاكمة مصادر تدفق الأموال المشبوهة من ذيول الشبكة العصابية إلى قمتها”. بحسب مسعود كريمكو المدير الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة.


المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد